
وأنا رفقة المنتخب المغربي في جميع رحلاته، كنت أعلم أن الجميع، هناك بفضالة، في بيت الأسرة، والحي وكل مناطق المدينة، كان ينتظر سماع أخبار جيدة عن فتى فضالة الذي يمثلها في الفريق الوطني.
كنت متيقنا من أن الجميع كان مشدودا نحو المذياع يستمع ويتتبع لقاءنا في غانا، وحين انطلق اللقاء وأحكم لاعبو المنتخب الغاني سيطرتهم على مجريات المباراة شعرت بصعوبة المواجهة وشراستها.
نجح الغانيون في تسجيل هدف خلق هيجانا في المدرجات، وفي لمحة البصر اقتحم الجمهور أرضية الملعب للتعبير عن فرحته بالهدف ودخل معه الجنود والعساكر في الحالة نفسها، بل إن عددا منهم قام بدفع الحارس علال خارج شباكه واقتحم المرمى لأخذ صور تذكارية داخلها.
توقفت المباراة لأزيد من ساعة، لتستأنف مجددا، وسرعان ما بدأ الفريق الوطني في امتلاك زمام الأمور بشكل تدريجي. نجحنا في فرض أسلوب لعبنا وأربكنا بذلك لاعبي الفريق الغاني، ولم تمر سوى فترة قصيرة حتى نجح قلب هجوم فريقنا الوطني اللاعب حميد (اللاعب السابق للراك) في إحراز هدف التعادل.
تواصل اللعب بعد ذلك، ونجحنا في مواصلة التحكم في مجرياته بالرغم من الندية الكبيرة التي كان يلعب بها الفريق الغاني، المؤازر بجمهوره الكبير، لتأتي إحدى لحظات المباراة الحاسمة، حيث كنت كعادتي أعود إلى منطقة خط دفاعنا، أتسلم الكرة وأندفع منظما حملة هجومية خاطفة. في تلك اللحظة بالفعل سلمني الحارس علال الكرة وأنا قريب من خط وسط الميدان، انطلقت بها، وراوغت بعض المدافعين لأجد نفسي في مواجهة مباشرة مع الحارس الغاني، بدا لي مندفعا ويهم بمغادرة مرماه، فإذا بي أرسل الكرة من خط مربع العمليات، لتستقر في الشباك أمام ذهول الحارس وزملائه اللاعبين والجمهور أيضا.
تأهل الفريق الوطني بعد هذه المباراة، غادرنا غانا في ظروف جيدة على عكس كل التخوفات التي كنا نتوقعها، لم تكن ردود الفعل سيئة أو غاضبة من طرف الجماهير الغانية، التي ودعتنا، ونحن في الطريق المؤدي إلى المطار، باحترام وتقدير وعبرت حقا عن روح رياضية جد عالية.
في طائرة العودة رقص لاعبو الفريق الوطني فرحا بالتأهل، تبدد ذلك التخوف الذي كان يلازمنا في كل مرة نستقل فيها الطائرة. تلقيت تهاني زملائي بسرور كبير.. وأحسست، لأول مرة، بأني أصبحت ذلك اللاعب الأساسي في تركيبة الفريق الوطني.
انزويت منتشيا في مقعدي وانغمست في تفكير عميق شاهدت فيه صور الماضي الجميل رغم ما كان حمله لي من معاناة وظروف حياتية صعبة. حمدت الله سبحانه وتعالى وشكرته على ما وهبني من قوة إرادة وعزيمة، بواسطتها تغلبت على كل الصعاب. تذكرت كل المراحل التي قطعتها في مشوار حياتي.. من صبي يداعب كرته إلى لاعب متميز في فرق الأحياء وفي المدرسة، إلى لاعب رسمي بفريق شباب المحمدية، ثم إلى لاعب دولي بالفريق الوطني.
تأهل منتخبنا، إذن، إلى نهائيات الألعاب الأولمبية بمكسيكو سنة 1968، نهائيات لن نشارك فيها للأسف، وذلك بسبب القرعة اللعينة التي وضعتنا جنبا إلى جنب في مجموعة تضم منتخب إسرائيل، وذلك بسبب المقاطعة العربية للكيان الإسرائيلي في أعقاب الحرب التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط.
أتذكر أنه، بانسحاب الفريق الوطني من تلك النهائيات، عوضه فريق غانا الذي انسحب بدوره ولم يواصل مقامه بالمكسيك بسبب خلاف حاد ومشادات وقعت للاعبيه مع لاعبي الفريق الإسرائيلي.
تواصل مشواري مع عالم الكرة بعد ذلك بكل خصوصياته ومحطاته.. بدأت أحلامي تتحقق وطموحاتي ترى النور. كنت أدرك أني ولجت مرحلة حاسمة في حياتي الكروية.. بدأ اسمي يحتل له مساحات شاسعة في عالم الشهرة.. ورغم ذلك كنت أصر على المحافظة على سلك نفس منهجي الذي سارت عليه مراحل حياتي السابقة. لم يتغير شيء في طبعي أو في شؤوني الحياتية. استمرت حياتي على عادتها نفسها بشكل طبيعي مع الأصدقاء أنفسهم، والسلوك ذاته في التدريب مع فريق الشباب.. بل إن حضوري وحملي للقميص الوطني كان قد زاد من مسؤوليتي داخل فريق الشباب، إذ كان زملائي ينظرون إلي كلاعب دولي يجب أن يكون قدوة لهم في الانضباط والسلوك القويم..
وضعي المادي والاجتماعي لم يطرأ عليه تغيير أو مستجد. صحيح أن منح اللقاءات مع الفريق الوطني كانت بدأت تنعش أجرتي ولو نسبيا، إلا أنها لم تكن لتصل إلى تجاوز وضعيتي مستويات ملحوظة. فكما أسلفت سابقا، لم يكن حمل القميص الوطني يشكل للاعبين في تلك الفترة فرصة للحصول على الامتيازات المادية، بقدر ما كان يشكل لنا مناسبة نعبر من خلالها عن حبنا الكبير للوطن وفرصة لإسداء خدمة البلد.
بعد انسحاب الفريق الوطني من منافسات الألعاب الأولمبية، انتظرنا بشغف كبير انطلاق اللقاءات الإقصائيات لكأس العالم مكسيكو 1970، وكما قلت سابقا، فنظام الإقصائيات كان يعتمد على لقاءات الذهاب والإياب والإقصاء المباشر.
خلال الدور الأول كان علينا مواجهة منتخب السنغال. في الثالث من نونبر 1968، وبالملعب الشرفي بالدار البيضاء، تغلبنا عليه بهدف، فيما انتصر علينا الفريق السنغالي بداكار بهدفين لهدف، كان ذلك يوم الخامس من شهر يناير 1969. وحسب بنود النظام المعمول به في تلك الإقصائيات، تقرر خوض لقاء ثالث وفاصل بين المنتخبين في ملعب محايد. أجري ذلك اللقاء بلاس بالماس يوم 13 فبراير من السنة نفسها، وحقق خلاله الفريق الوطني الانتصار بهدفين دون رد وتأهل إلى الدور الثاني، حيث وضعتنا القرعة أمام منتخب تونس.
بخصوص الفريق التونسي، لابد أن أشير إلى أنه كان يعتبر، في نظري، من أفضل المنتخبات الإفريقية في تلك الحقبة إلى جانب منتخب الجزائر. كانت مواجهة الفريق الوطني لنظيره التونسي تتسم دائما بالندية والحماس، وتحضر فيها الفرجة والمهارة التقنية العالية.
ومن تعدد تلك المواجهات التي جمعتنا بالفريق التونسي، كنا، كلاعبين، نسجنا بيننا علاقات صداقة ومودة وتعارف لم تكن تؤثر فيها حرارة اللقاءات الكروية بيننا. وأظن أن الاحترام الذي كنا نكنه للكرة التونسية، كان متبادلا من طرف الأشقاء التونسيين تجاه كرة القدم الوطنية. أذكر هنا أنه بقدر ما كنا نسعد لملاقاة الفريق التونسي في مثل تلك الإقصائيات نظرا للتقنية التي كانت تميز أداء لاعبيه ونظافة طريقة لعبهم غير الخشنة، كنا نتأسف لكون أحد المنتخبين كان محكوما عليه بمغادرة الإقصائيات. على هذا الأساس، إذن، جاء الدور الثاني حاملا مواجهة ساخنة ومصيرية بين منتخبين مغاربيين.





