
يونس جنوحي
نهاية العام 1903 عاش المهدي المنبهي أسوأ أيامه. رحيله عن السلطة بات واقعا يستيقظ وينام عليه. جفاء من كل شخصيات البلاط، بل حتى الذين صنعهم بنفسه لم يسألوا عنه.. كان الخبر الوحيد في مراكش وفاس أن المنبهي أعفي من طرف السلطان، ولم يتلق أي رد عندما حاول تبرير فشله في اعتقال بوحمارة. تركه المولى عبد العزيز ليتحدث بإسهاب عن أسباب فشله في اعتقال بوحمارة لأكثر من مرة، وعندما أنهى كلامه، التفت إليه السلطان معبرا عن عدم رضاه وتركه شاخصا.
الورطة
كانت ورطة المنبهي أكبر من مجرد موقف يعيشه رجل سلطة سبق له أن جمع المجد من أطرافه، قبل أن يجد نفسه خارج السلطة تماما. كان أمامه تحد أكبر، يتمثل في إخراج أمواله من عاصمة السلطان ونقلها بأمان إلى الخارج.
حتى داره، تلك التي بينها ومخدع السلطان ممر سري، لم يعد سرا بعد سقوطه، كان عليه أن يغادرها.. لكن كيف يمكنه أن يغادر حياة السلطة وعالم البلاط دون خسائر؟
اهتدى المنبهي إلى حيلة أثارت فعلا إعجاب من عرفوه بعد تقاعده في طنجة.. حتى الوزير، المفوض البريطاني، لم يكن يعلم بتفاصيلها، بدليل أنه تفاجأ عندما علم بالمسار الذي اتخذه المنبهي لنفسه.
الحيلة تكمن في التظاهر بالاستسلام لواقع الأمر. لزم المنبهي داره لفترة قصيرة، ولم يقدم على أي خطوة قد تكلفه غاليا.. إلى أن اختمرت الفكرة -الحل- في رأسه وقرر أن ينفذها بدون تردد.
كان المنبهي احتفظ بالاتصال مع بعض الخدم والمخازنية، ممن بقوا أوفياء له حتى بعد عزله من الوزارة، وأرسل إلى المولى عبد العزيز، عبرهم، طلبا للسماح له بأداء فريضة الحج. حدث هذا بالضبط في الأسبوع الأخير من شهر نونبر سنة 1903.
الحاج المنبهي
جاء الرد سريعا من المولى عبد العزيز، وأرسل إلى المنبهي، بل وسمح له بالمثول بين يديه. فجاء المنبهي مهرولا إلى القصر الملكي، وألقى بنفسه أمام السلطان طلبا للصفح، ولم يكن السلطان وقتها أقال المنبهي أو عزله من منصبه. بدأت الشكوك تنتشر في أوساط الوزراء، فقد توقعوا أن يعود المنبهي إلى السلطة بعد لقائه مع السلطان.. لكن هذا اللقاء كان الهدف منه حصول المنبهي على مباركة السلطان ليغادر إلى الديار المقدسة.
استغل المنبهي رخصة السلطان في مغادرة محيط القصر الملكي، ونقل كل أمواله والثروة التي راكمها طيلة سنوات خدمته في القصر ما بين مراكش وفاس، ووضعها في طنجة الدولية.. أكثر النقاط أمانا يحتفظ فيها بأمواله وثروته الطائلة.
يوم 15 دجنبر تحديدا خرج المهدي المنبهي من مرسى طنجة الدولية على متن باخرة أجنبية، ساعده أصدقاؤه الإنجليز في حجز أجنحتها لتسعه رفقة عائلته وخدمه ومرافقيه، وكان في نيته، إن عاد من الحج، أن يستقر بشكل نهائي في طنجة. لم يعد له ما يغريه بالعودة إلى فاس.
خلق سفر المنبهي الحدث في طنجة الدولية، حتى أن الوزير، المفوض البريطاني، وبعض موظفي المفوضية البريطانية نظموا له حفلا لتوديعه، وأصبح موضوع أحاديث موظفي المرسى الذين ذهلوا وهم يرون الوزير السابق يصعد على متن الباخرة مرفوقا بزوجاته، وبعض أفراد عائلته وخدمه، بل واتخذ المنبهي لنفسه سكرتيرا خاصا يرافقه في رحلته إلى الحج، وكان اسمه، بحسب أرشيف المفوضية البريطانية في طنجة، السيد أحمد الجاي.
كان المنبهي مسكونا بحياة رجال الدولة حتى عندما لم يعد واحدا منهم.. بل إنه أصبح يقلد السلطان، ولم يكتف بالتوجه إلى الحج، لإضفاء نوع من المصداقية على العذر الذي قدمه للسلطان ليسمح له بالمغادرة.
سرعان ما وصلت الأخبار إلى فاس، وتناقل الوزراء خبر ثروة المنبهي، وكيف أنه حجز باخرة بأكملها له ولحاشيته، ونقلوا إلى السلطان المولى عبد العزيز أن وزيره السابق يغالي في التفاخر وابتداع البروتوكول، مقلدا السلطان.. لكن المولى عبد العزيز لم يساير وزراءه، ولم يعلق على مظاهر الثراء التي بدت على وزيره المنبهي.
في تلك الأثناء كانت بعض صحف بريطانيا كتبت عن رحلة المهدي المنبهي إلى الحج، في وقت كان المفوض البريطاني متفائلا بالخطوة التي اتخذها المهدي، فقد كان البريطانيون يعلمون أن الأخير لم يكن مجرد وزير غادر القصر، وأن علاقاته في دار المخزن لا تزال وطيدة ويمكن استثمارها لاحقا لتعزيز الوجود البريطاني في المغرب.





