
قدمني مسؤول تونسي إلى وزير الداخلية، السيد إدريس كيكة، الذي كنت أعرفه من فترة اشتغالنا معا في مجلس وزراء الداخلية العرب. رحب بي الوزير وتفهم وضعي بعد أن اطلع على الملف واستمع بإمعان لوجهة نظري التي تترجم رؤية المملكة للقضية، ووافق على تمكيننا من لقاء منفذ عملية القرصنة الجوية (أ.م.)، لكنه اشترط أن يعقد اللقاء في مقر وزارة الداخلية بحضور ضباط من الشرطة التونسية.
حال هذا الشرط دون طرحي جميع الأسئلة التي أردت توضيحها، والتي ظلت تراودني بالرغم من المعلومات التي جمعناها من مكناس حول شخصية هذا الرجل الذي وظفته المخابرات السورية ضد بلده.
كنت أرغب في الحصول على معلومات عن المنفذ، والتعرف على آرائه السياسية، وميولاته وتوجهاته الدينية، ودوافعه للقيام بهذا الفعل الجرمي والجهات التي تعاونت معه في المغرب، وما إلى ذلك من الأسئلة التي تزاحمت في ذهني.
لم أتمكن من الخوض في هذه المواضيع بعمق تحت أعين وآذان المحققين التونسيين. لذلك احتجت إلى إيجاد ذريعة تتيح لي استجواب مرتكب القرصنة على انفراد. وافق التونسيون على فكرة شراء قميص وسروال له في خطوة أولى لاستبدال ملابسه المتسخة (قميص وسروال)، والتي كان يرتديها منذ مغادرته مطار دمشق.
لقيت الفكرة قبولا من طرف المسؤولين الأمنيين التونسيين، وتم اقتناء الملابس كما اتفق عليه، وكان علي أن أمكن المختطف من حصة تنظيف، بعد أن ظل أسير لباس تلفه الأوساخ لأيام، وما ترتب عن هذا الوضع من نتانة.
الخطوة الثانية تكمن في إيجاد طريقة لإخراج مختطف الطائرة من زنزانته ونقله إلى الفندق الذي أقيم فيه، ليتمكن من الاستحمام وتغيير ملابسه الرثة بالجديدة. لم يقبل الأمنيون التونسيون هذا المقترح، ورفضوا منحنا ترخيصا في هذا الشأن إلا بعد موافقة صريحة من وزير الداخلية، على أن يرافق السجين ضباط من أجهزة الأمن التونسي.
طبعا هناك مسطرة يجب اتباعها، ليس فقط مع وزارة الداخلية بل مع القضاء التونسي ومديرية السجون، لأن الأمر يتعلق بإخراج موقوف على ذمة قضية. لكن كان هدفي أن يكتب مرتكب الجريمة الجوية ويوقع ملتمسين موجهين على التوالي إلى جلالة الملك الحسن الثاني والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة. في هاتين الرسالتين، كنت لأعتزم دفع (أ.م.) للاعتذار والإعراب عن أسفه الشديد بل وندمه على الفعل الذي ارتكبه، وأن يناشد زعيمي الدولتين العفو عنه، مع طلبه صراحة العودة إلى المغرب لاستكمال ترتيبات المحاكمة.
كان رجلا في غاية السذاجة، تائه الأفكار، كان من السهل على المخابرات السورية استخدامه للإضرار بالمغرب وخدش صورته.
تظاهر المختطف بالتقوى والإيمان، وأدلى بتصريحات غير منسجمة بل مبعثرة أحيانا، يغلب عليها الطابعٍ الديني. قال إن هدفه هو التنديد بالانحرافات التي «تتفشى بين قطاعات واسعة من الشباب المغربي»، مستشهدا بمثال حي يتعلق بإحدى شقيقاته، التي اتهمها بسبب ارتداء تنورة قصيرة بدلا من الزي الديني.
حرصتُ على صياغة الملتمسين ووضعهما على خزانة ملابسي في غرفتي بالفندق، في مرأى من (أ.م.)، الذي كان قد أُطلع مسبقا على السيناريو المخطط له. لكن بقيت عقبة أخيرة: إبعاد الشخص المعني عن أنظار حراسه التونسيين وعزله في غرفة الفندق لفترة كافية لنسخ العريضتين وتوقيعهما، لأنه من المفترض أن يكتبهما بخط اليد.
كانت الذريعة هذه المرة هي السماح لـ(أ.م.) بالاستحمام وتغيير ملابسه. وهكذا تمكنت من ضمان عزله لفترة وجيزة في غرفتي. بمجرد وصولي، جلست في ركن الوجبات الخفيفة مع أحد ضباط الشرطة التونسية، بينما ذهب العنصر الثاني إلى الغرفة، الواقعة في الطابق الخامس، برفقة زميل له والمنفذ المعتقل.
ووفق ما تم التخطيط له، ترك المنفذ وحيدا، أغلق على نفسه باب الغرفة، تاركا صنابير مياه «الدوش» مفتوحة بالكامل ليوهم حراسه بأنه منهمك في الاستحمام، بينما كان مشغولا بنسخ الملتمسين وتوقيعهما.





