
لم تعد الصفقات العمومية مجرد آلية قانونية لتدبير المال العام وتنفيذ المشاريع التنموية، بل تحولت، في كثير من الحالات، إلى بوابة خلفية لإعادة توزيع الثروة خارج منطق الاستحقاق والمنافسة الشريفة.
فبين دفاتر التحملات المفصلة على المقاس، وشروط الإقصاء المبطنة ولجان الانتقاء التي تُدار أحيانا بعقلية الولاء لا الكفاءة، تتشكل منظومة موازية تُفرغ القوانين من مضمونها وتحولها إلى مجرد واجهة شكلية. وهذه الممارسات لا تقتصر على قطاع بعينه، بل تمتد إلى مؤسسات ومقاولات عمومية يفترض فيها أن تكون نموذجا في الحكامة والشفافية.
ورغم صدور قرار عن وزارة الاقتصاد والمالية يتعلق بتجريد المساطر والوثائق والمستندات المتعلقة بالصفقات العمومية من الصفة المادية، ما زال العديد من رؤساء الجماعات والمسؤولين عن الإدارات والمؤسسات العموميـة يتلاعبون في الصفقات العموميـة وسندات الطلب، من خلال التحايل على القانون والمساطر المؤطرة لذلك.
ورصدت مختلف تقارير الافتحاص، التي أنجزتها المفتشية العامة للإدارة الترابية التابعة لوزارة الداخلية، وجود اختلالات وتلاعبات تشوب الصفقات المتعلقة بالمشاريع المبرمجة في إطار برامج التأهيل الحضري للمدن والمراكز الحضرية من طرف رؤساء الجماعات الترابية، وهي البرامج التي تخصص لها مبالغ مالية بالملايير. وسجلت تقارير التفتيش والافتحاص أن أبرز هذه الاختلالات تتجلى في إقصاء متنافسين بدون مبرر، ومنح صفقات أشغال وإسناد سندات الطلب لشركات بعينها.
إن ما يثير القلق ليس فقط حجم الاختلالات والتلاعبات التي كانت موضوع تقارير سوداء، أنجزتها مؤسسات الرقابة على صرف المال العام، بل أيضا طابعها المتكرر والممنهج. فهناك شركات بعينها تحضر في كل الصفقات الكبرى، وتحصد نصيب الأسد تحت غطاء طلبات عروض مؤطرة بدفاتر تحملات تكون مفصلة على المقاس، فيما يتم إقصاء شركات فقط لأنها تكون خارج دوائر النفوذ، حيث يدار الأمر بمنطق «الصفقة للمقربين أولى»، وتتحول المنافسة الشريفة والشفافية والنزاهة إلى مجرد شعارات رنانة موجهة للاستهلاك فقط.
ولعل أخطر ما في منظومة الصفقات العموميـة، ليس فقط نتائجها، بل الطريقة التي تُصنع بها منذ البداية. فدفاتر التحملات، التي يفترض أن تكون أداة لضمان تكافؤ الفرص وتحديد الحاجيات التقنية بموضوعية، تتحول، في كثير من الأحيان، إلى وثائق مفصلة بعناية على مقاس شركات بعينها، من خلال وضع شروط تقنية دقيقة بشكل مبالغ فيه، ومعايير خبرة مصاغة بطريقة انتقائية، أو حتى مواصفات لا تتوفر إلا لدى فاعل محدد، كلها تفاصيل تبدو قانونية في ظاهرها، لكنها تخفي نية الإقصاء المسبق لكل المنافسين المحتملين.
هذا «التفصيل على المقاس» لا يتم اعتباطا، بل غالبا ما يرتبط بشبكات مصالح معقدة، حيث تتقاطع سلطة القرار الإداري مع نفوذ اقتصادي ومالي، فينتج عن ذلك توجيه ممنهج للصفقات نحو شركات «محظوظة»، يملكها أو يقف وراءها أشخاص نافذون، بشكل مباشر أو عبر واجهات، وهنا تتحول الصفقة العمومية من آلية للتنمية إلى أداة لإعادة توزيع الامتيازات داخل دائرة ضيقة.
إن استمرار هذا الأسلوب يكرس اقتصاد الريع ويقوض ثقة المقاولات الجادة، كما يقتل روح المبادرة والاستثمار، لأن الرسالة التي تصل إلى الفاعلين تكون واضحة، وهي ليس المهم أن تكون الأفضل، بل أن تكون الأقرب.




