
الأسبوع المقبل سوف تظهر لأول مرة طائرة للاستطلاع والمراقبة، بدون طيار، هندية الصنع.
هذا النوع المتطور من «الدرون» الخاص بالمراقبة المتقدمة لما وراء الأفق، أجريت عليها تجارب دقيقة، وأثبتت فعاليتها في المراقبة والاستطلاع. ويُنتظر أيضا أن تُجرى أولى عمليات تجريب طائرة محلية بدون طيار، خلال يونيو المقبل.
التجارب التي أجريت على هذه «الدرون» تمت في مدينة «بانغالورو» في أقصى جنوب الهند.
وهذه المدينة تستحق أن تصبح مدرسة عالمية في التنقيب عن المواهب العلمية والاستثمار في الكفاءات المحلية.
هذا النوع المتطور جدا من طائرات الاستطلاع، قادر على التحليق المستمر في ارتفاع يصل إلى 8500 متر، مع مدة تحليق متواصلة لثماني عشرة ساعة.
وطبعا، هذه الطائرات المُسيرة عن بعد قادرة على حمل أسلحة وتنفيذ عمليات عسكرية بدقة بالغة، وحماية الحدود البرية والبحرية بأسلحة ذكية مضادة للطائرات والصواريخ.
لا نتحدث هنا عن طائرات «درون» عادية، بل عن جيل جديد طورته الهند تبلغ سرعته المتوسطة أكثر من 200 كيلومتر في الساعة، مع مدى قيادة يصل إلى ألف كيلومتر، حيث يوفر نظامها إمكانية التحكم بها عبر الأقمار الصناعية.
بالإضافة إلى أن هذه «الدرون» قادرة على التحليق ليلا بدون مشاكل.
وبما أن الاختبارات التجريبية قد تمت بنجاح، فإن الإنتاج الذي سوف يبدأ في المرحلة المقبلة، سوف تتكلف به شركة «هندوستان» للملاحة الجوية «هال» و«باهارات إلكترونيكس» بالإضافة إلى شركات متعاونة أخرى، كلها هندية.
هذا الجيل الجديد من الطائرات يدعم التشغيل بالذكاء الاصطناعي، وهو ما يعني أنه ثورة حقيقية في عالم الطائرات المسيرة.
هذا الدرس القادم من الهند، يستحق فعلا أن نقف عنده. إذ أن مدينة «بانغالورو» الواقعة في جنوب البلاد، كانت خلال السنوات الأخيرة قبلة لكل الكفاءات والتلاميذ المتوفقين دراسيا في الهند باختلاف خلفياتهم الاجتماعية.
زيارة هذه المدينة الذكية التي تستقر بها شركات تطوير البرمجيات، ويوجد بها مقر وكالة الفضاء الهندية، يمنح تجربة فريدة للوقوف على واقع مدينة «عجيبة» يعيش فيها المسلمون إلى جانب الهندوس في سلام، حتى أنه بإمكانك شراء لباس رجال الدين الهندوس إلى جانب جلباب صلاة المسلمين، من نفس السوق.
ليس هذا فقط، بل إنك تستطيع لقاء أبناء الفلاحين الفقراء يدرسون جنبا إلى جنب، وفي نفس الأقسام الداخلية، مع أبناء أسر بخلفيات ثقافية ومادية متقدمة. إذ أن المعيار الوحيد لتسجيل أبناء الهنود في مقر الأبحاث هو الكفاءة العلمية ولا شيء آخر.
الاستثمار في كفاءات الهند المحلية، أدى إلى صناعة هذا الجيل الجديد من الطائرات المسيرة بدون طيار. ويكفي معرفة أن الهند خلال السنوات الماضية كانت تقتني آليات حماية الحدود من شركات أمريكية وأخرى عالمية، قبل أن تُطلق الآن إنتاجها الخاص.
لا يخفى طبعا أن الهند توجد في منطقة تعرف صراعا كبيرا على النفوذ مع قوى أخرى مثل الصين وباكستان.
ومن شأن هذه التطورات في سوق الطائرات المسيرة بدون طيار أن تعزز قدرات الهند في التسلح.
لكن الغريب أن المدينة التي طورت فيها الهند هذا النوع من الطائرات المسيرة فائقة الدقة، مدينة هادئة تنتشر فيها الغابات الباسقة، ويعيش سكانها في سلام جنبا إلى جنب مع مراكز الأبحاث وشركات الإلكترونيات التي تتسابق نحو صناعة صواريخ وحاملات للأقمار الصناعية. ورغم أن أغلب سكان المدينة يستعملون الدراجات النارية في تنقلاتهم اليومية، إلا أن مدينتهم تحتل مكانة عالمية متقدمة في إطلاق برامج اكتشاف الفضاء والصناعات الإلكترونية الدقيقة المعززة للأمن المعلوماتي والرقمي، بل وتبيع أنظمة مراقبة معلوماتية لحكومات دول متقدمة.
إذا كانت الهند قد أعلنت اليوم عبر وكالة أنبائها الرسمية خبر كشف الستار الأسبوع المقبل عن طائرة مُسيرة بدون طيار تدعم الذكاء الاصطناعي وبقدرات تحليق غير مسبوقة، فهذا لأنها استثمرت في جيش من الأذكياء المحليين، ووفرت لهم أماكن للاشتغال، بين أشجار ومنتزهات وقصور تجذب ملايين السياح الذين قد لا يصدق بعضهم أن تلك المدينة الهادئة «تنام» فوق كل تلك الأسرار.
يونس جنوحي





