حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف


الرئيسيةسياسية

غش الصفقات العمومية



يُعد الغش في الصفقات العمومية من أخطر الأمراض المزمنة التي تنخر الشأن العام، وتستنزف المال العام منذ سنوات طويلة، مخلفة تبعات كارثية لا تقف عند حدود الخسائر المالية، بل تمتد إلى تعثر التنمية، وضعف جودة الخدمات، وتهديد شروط السلامة، وضرب الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم.

لقد فضحت التقلبات المناخية والأمطار الغزيرة والفيضانات، التي شهدتها بعض أقاليم المملكة، هشاشة العديد من المشاريع، وكشفت العيوب التقنية ومظاهر الغش الذي شاب تنفيذ صفقات عمومية، كان من المفروض أن تخضع لأدق معايير الجودة والمراقبة.

وتابع الكل كيف تسببت الانزلاقات الأرضية في انهيار طرق حديثة العهد، وتصدع بعض القناطر، وظهور عيوب بناء مؤسسات عمومية وتسربات المياه، والاختلالات في التجهيزات الضرورية، في مشاهد تطرح بحدة مسألة تتبع مسارات الإعداد والتنفيذ والمراقبة بالنسبة إلى كافة المشاريع العمومية.

وتكمن خطورة الغش في محاولة جهات التطبيع معه، حيث لم يعد من السهل اكتشافه، خلال مراحل إعداد التصاميم، أو طلبات العروض، أو حتى أثناء التسليم المؤقت والنهائي للمشاريع. فالفساد، حين يتحول إلى ممارسة متحورة ومحترفة، يُتقن طمس الحقائق وتزييف المعطيات، ويُحكم نسج شبكاته داخل دواليب الإدارة والمراقبة، بحيث يصبح كشفه رهينا بكوارث طبيعية أو حوادث مأساوية لا قدر الله.

إن خسارة الدولة للملايير بسبب غش المشاريع العمومية لا تعني فقط ضياع أموال، بل تعني كذلك تأجيل مشاريع، وتقليص فرص توسيع التنمية لتشمل المناطق النائية، وإضعاف مبدأ العدالة المجالية، لأن كل درهم يهدر من المال العام في إصلاح ما كان يجب أن يُنجز بجودة منذ البداية، هو درهم يُقتطع من بناء مدرسة أو مستشفى أو تعبيد طريق في منطقة معزولة.

ولعل البعض يتساءل عن دور لجان التفتيش، وهنا نورد أن فيروس الرشوة لا يتوقف عند قطاع معين، ويمكنه تحويل آليات الرقابة من صمام أمان إلى حلقات إضافية في سلسلة التواطؤ ومطاردة الساحرات، ما يعمق من أزمة الإفلات من العقاب ويضعف هيبة وقوة القانون.

وحتى نكون صرحاء، فإن تفشي ظاهرة الغش لم ينزل كصاعقة من السماء، بل هو نتيجة تراكمات تنامي الفساد في ظل ضعف المناعة المؤسساتية، والتراخي في مواجهة اللوبيات المتحكمة، وتراجع دور التربية داخل الأسرة والمدرسة، وتدني تقدير الصالح العام، والاستخفاف بالمسؤولية المرتبطة بتدبير المال العام، أضف إلى ذلك التهافت على المكاسب والمناصب، بعيدا عن الوازع الديني والأخلاقي والروح الوطنية.

وفي الختام، فإن الغش في الصفقات العمومية ليس مجرد خلل إداري أو تقني، بل هو تهديد مباشر لتماسك المجتمع، ما يستدعي الصرامة في تتبع المشاريع، وضمان الجودة وشروط السلامة، والحكامة الرشيدة في صرف المال العام، وما قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا»، إلا تأكيد على خطورة الغش كآفة تهدم الثقة وتضرب أسس العمران. فإما أن نحصن مؤسساتنا بقيم النزاهة والمسؤولية، وإما أن نظل ندفع كلفة الانهيارات، مادية كانت أو معنوية، جيلا بعد جيل، وهذا ما لا يقبله عاقل أو غيور على الوطن.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى