حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

فرنسا.. أزمة حكومة أم نظام؟

 

د. خالد فتحي

 

بعدما جعل من وصفته لإنقاذ فرنسا قميص عثمان جديد، طاف به على وسائل الإعلام، مسترحما قلوب الفرنسيين ومستدرا أصوات نوابهم، جرت محاكمة بايرو على الملأ في جلسة صاخبة كيلت له فيها كلمات غليظة ثقيلة، وتنابزت خلالها الأحزاب في ما بينها كاشفة عن ديمقراطية هشة مريضة عقيمة.. محاكمة انتهت ليس بإقالته فقط، بل وإهانته وتقريعه على مرأى من العالم.

لقد سمع بايرو، المغبون هذا، ما لا يخطر على بال. حتى أن نائبا بلغت به الحماسة أن اتهمه بقضاء صيف ممتع خدع فيه الفرنسيين بأنه معتكف لأجلهم، يحضر لهم ميزانية الخلاص، فيما كان في الحقيقة يزجي الوقت، محضرا لخروجه أو هروبه السيئ هذا.

الكل رأى فيه رجلا سعى لحتفه بإرادته، ولكن ذلك لم يمنعهم من رشقه بنبال إضافية. وما دامت الجروح لا تؤلم الميت، فقد قرر الجميع ممارسة هواية القتل السياسي بما في ذلك بايرو نفسه.

أعضاء أحزاب اليسار، وحزب التجمع الديمقراطي، جاؤوا للجمعية الوطنية بقضهم وقضيضهم، وقرروا بكل «شجاعة» أن يطلقوا النار على جثة الحكومة التي قضت نحبها منذ أعلن بايرو أنه سيطلب منح الثقة لحكومته.

هؤلاء بالضبط أتوا لسحق بايرو بأغلبية كبيرة تكون تمهيدا لهم للخطوة المقبلة: إنهاء حقبة غريمهم ماكرون.

وأحزاب اليمين المعتدل رأت بدورها أن لا فائدة من الرهان على ورقة خاسرة محروقة، فتركت لنوابها التصويت وفق ما يمليه ضميرهم.

وحدهم الماكرونيون ودعوا صديقهم «القتيل» بخطب رثاء لكنها لم تخل أيضا من نقد مبطن.

الوضع السياسي بفرنسا سيئ جدا. والديمقراطية فيها تعيش أتعس أيامها. بايرو نفسه لمح لهذه المكابدة حين قال إنه يفضل أن تبقى فرنسا مصطفة ديمقراطيا على أن تلتحق بصف الدول الأوتوقراطية الشمولية التي أثبتت نجاعتها عبر العالم. لقد تحدث بمرارة عن الديمقراطية كعبء ترزح تحته فرنسا. محاولا وسعه أن يجعل الشعب شاهدا على صراحته.. لربما يتوقع أن تتدهور الأمور بسرعة نحو الأسوأ ببلده.

ومع كل المجهود الذي بذله في الرمق الأخير، فتعابيره، لغته، إشارته، تلميحاته، تحذيراته، لم تكن لتسعفه في أن يتبدل مصيره: دمه كان قد تفرق سلفا بين القبائل الحزبية حتى قبل أن تلتئم الجلسة.

كان واضحا أنه مجرد «فدائي» يضحي بنفسه من أجل ماكرون، ولذلك لم يرحمه أو يعبأ به أحد.

يعتقد بايرو أن لا بديل لتشخيصه للوضع ولا مفر كذلك من العلاج الذي يقترح. لكن الأحزاب المناوئة له لا توافقه هذا الرأي.

لقد بينت له بالخصوص أنها لا تخشى مثله تراكم الديون، بل الخشية كل الخشية أن تتراكم أخطاء التوجه الماكروني، فتصطدم فرنسا بالحائط.

بوضوح، هناك الآن، فرنسا التي تريد أن تحل المشاكل الاقتصادية بأن تدفع أقل للاتحاد الأوروبي، وأقل للمهاجرين، وأن «تعاقب» العملة والطبقات الكادحة من المجتمع بمزيد من التقشف والشقاء، وهناك فرنسا التي تعتبر أن الطبقة الغنية قد توحشت على عهد ماكرون، وأنها من أغرقت البلاد في الجب، فتدعو إلى إحقاق عدالة ضريبية تعيد لفرنسا عدالتها الاجتماعية، وتحيي لها شعارها الخالد: حرية، مساواة، إخاء.

المعركة الحالية إذا شئتم هي معركة كسر عظام بين هذين الاتجاهين.

بعض التدخلات كانت عبارة عن قصائد هجاء بفرنسية فصيحة وأحيانا بفرنسية كلها بذاءة وتهجم، مما أشر على أن فرنسا دخلت عهد دولة الأحزاب، كأن الزمن دار دورته، ونقض كل البناء الدستوري الذي أقامه ديغول. فرنسا تعود إلى الجمهورية الرابعة بملء رغبة نخبتها. لم يتبق من الجمهورية الخامسة سوى أطلالها التي بهتت كما تبهت بمرور الزمن آثار الوشم في راحة اليد.

إنها ليست بالطبع، والوضع بهاته الحال، أزمة حكومة، بل هي أزمة نظام. وقطعا ليست حكومة بايرو من شيعت لمثواها الأخير. بل إنه نظام الجمهورية الخامسة من أساسه هو من شيع إلى مثواه الأخير.

نعم لقد ماتت روح دستور 1958، وشبعت موتا، الذي نرى ما هو إلا صدى إنكار لهذا الموت يوحد أغلب الفرقاء السياسيين. ألم تبق الجن حبيسة لإرادة النبي سليمان بعد أن فارق الحياة، ولردح من الزمن، إلى أن تهاوت منساته؟

فهل تنتظر فرنسا أن تتهاوى، أن تندلع الفتنة، حتى يقرر ذوو النيات الحسنة أن ينتشلوها من الهاوية التي تتردى إليها. إن كل سنة تعطل تعود بفرنسا سنوات إلى الوراء داخليا وخارجيا.

إن فرنسا الحداثية، ويا للعجب، حين تصدر هذا المشهد إلى العالم، تظهر كما لو أنها صارت غير قادرة على إبداع خلاصها. لكأنها تعاني في عيوننا من أصولية دوغولية مستحكمة. إذ لم تعد تحير اجتهادا خارج نظام الجمهورية الخامسة الذي خطه لها الزعيم التاريخي، جمهورية استنفذت أغراضها. لكن فرنسا تتجمد عندها غير مستطيعة أن تكيف ديمقراطيتها ونموذجها في الحكم مع اختلاف الزمان.

فرنسا تعيش حالة سيولة ديمقراطية مفرطة بلغت حد الميوعة، حتى أن كل الحلول التي في جعبة ماكرون سيئة جدا. . . . كم ضعف مركزه كثيرا بالتصويت الكاسح على إسقاط بايرو.

ثم هل تتصورون أن كل الذين صوتوا ضد استمرار الحكومة، بعضهم عدو بعض. وهل تتصورون أيضا أن كل هؤلاء الذين أردوا بايرو لا برنامج لهم غير الكلمات الرنانة والخطب الجوفاء.

ولذلك، لن يحل مشكلة فرنسا إسقاط بايرو، فما بايرو إلا واحد من أربعة رؤساء حكومة سقطوا خلال العامين الأخيرين فقط. لن يحلها أيضا تعيين رئيس حكومة جديد سيستمر ولاشك في نهج نفس السياسة المطبقة الآن. ولن تحلها حتى حكومة تعايش بتعيين شخصية من اليسار، فليس من شأن ذلك إلا أن يسرع وصول اليمين المتطرف إلى الحكم لأن اليسار نفسه متورط في الكارثة التي ضربت فرنسا، حتى حل البرلمان، سيؤدي لاحقا لنفس الخريطة الانتخابية، ولربما قد يعطي الأغلبية الساحقة الآن للحزب اليميني لمارين لوبين لأن الجبهة الشعبية لن يكون بوسعها أن تتشكل لأجل مناوأته بعد كل الذي اندلع بين فرنسا الأبية والحزب الاشتراكي من خلاف وما اختبراه بينهما من خذلان متبادل.

حتى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة تنهي عهد ماكرون، سوف لن يحل مشكلة البلقنة داخل الجمعية الوطنية. . . . هذا إن لم يعتبر ماكرون أنه لم يقض ولايتين كاملتين، ويقرر الترشح لولاية ثالثة.

أرى أن الأمور تتطور إلى ما يشبه ظروفا تمهد لحالة استثناء. خصوصا مع دعوات حركة «لنغلق كل شيء» للتظاهر يوم ١٠ سبتمبر، وخصوصا، كذلك، وماكرون مجد في تأجيج حرب روسية أوربية مباشرة.

ومع ذلك لربما قد تكون حالة الاستثناء هاته رغم بأسها الشديد على الديمقراطية وعلى الفرنسيين، هي الحل السحري لهم، فهي تمكن هذه الديمقراطية العليلة من راحة بيولوجية تحتاجها لالتقاط الأنفاس.

كما أنها قد تسمح بدخول السياسة الفرنسية في حالة تأمل، تستفيد فيها النخبة السياسية الفرنسية من خلوة مجدية تتخلى فيها عن حساباتها الضيقة، فتفسح المجال لكي تتجند العقول الفقهية القانونية الفرنسية، وما أكثرها، لتمحيص الوضع بكل تجرد وموضوعية ونزاهة، ووضع هندسة دستورية جديدة تصل بفرنسا إلى إعلان قيام جمهوريتها السادسة للعالم.

إن فرنسا تتمخض، هي الآن تعيش ألم الولادة، ويقيني أن بلد فلسفة الأنوار، بلد فولتير وروسو ومونتسكيو. . . قادر أن يعود مرة أخرى للنبع الصافي لهذه الفلسفة المشعة، ويعيد انبعاث فرنسا مرة أخرى في حلة دستورية غير التي خاطها ديغول.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى