
قبل عشر سنوات، أطلقت حكومة عبد الإله بنكيران الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد، التي خصصت لها مبلغا ماليا قدره 180 مليار سنتيم لتنزيلها على أرض الواقع، لكن مختلف المؤشرات الدولية والوطنية تؤكد أن الفساد مازال يضرب أطنابه داخل مختلف القطاعات، ويشكل عائقا حقيقيا أمام التنمية المنشودة نظرا لكلفته الثقيلة على الاقتصاد الوطني.
وأخيرا أطلقت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها استراتيجيتها الخماسية للفترة 2025-2030، بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الفساد. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى تعميق دينامية التعاون والعمل المشترك بين مختلف مكونات منظومة الحكامة الوطنية، وتعزيز التنسيق المؤسساتي من أجل النزاهة وتخليق الحياة العامة والحياة السياسية، وتطوير آليات الوقاية واليقظة المبكرة ضد مخاطر الفساد.
لكن يبدو أن هذه الإجراءات ستبقى مثل سابقاتها مجرد شعارات للاستهلاك، في ظل غياب إرادة حقيقية لدى الفاعلين السياسيين في اجتثاث الفساد من جذوره المتغلغلة داخل مختلف القطاعات العمومية والخاصة، لأن الرشوة والفساد أصبحا من الممارسات العادية في الحياة اليومية وفي الوعي الجماعي للمواطنين، وكأنهما قدر مسلط عليهم لقضاء أغراضهم ومصالحهم، وتظهر هذه التجليات داخل بعض المرافق والإدارات العمومية.
ومن بين المجالات التي تعتبر مرتعا للفساد، نجد الصفقات العمومية، ما يفرض على الحكومة إصلاح هذه المنظومة بوضع إجراءات صارمة لمراقبة وتتبع الصفقات العمومية وسندات الطلب التي تفوتها مختلف الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، وذلك بعد تسجيل تلاعبات واختلالات تكلف خزينة الدولة خسائر جسيمة، من خلال تبديد واختلاس أموال عمومية.
وتحولت الصفقات العمومية إلى فرصة لاغتناء بعض المسؤولين، من خلال الحصول على نصيبهم من قيمة الصفقات التي يشرفون على تفويتها، وتحول عرف «الكَاميلة» المحددة في نسبة 10 في المائة من قيمة الصفقة، إلى ما يشبه قانونا معمولا به لدى بعض المسؤولين.
ويتم إقصاء المقاولات، التي لا تعرف كيف تدفع فوق وتحت الطاولة، من صفقات بدون سند قانوني، وذلك بعد لجوء رؤساء جماعات ومسؤولي مؤسسات ومقاولات عمومية إلى تفويت هذه الصفقات إلى شركات «محظوظة» بمبرر أن عروضها هي «الأكثر أفضلية» رغم وجود عروض أقل منها من ناحية الكلفة المالية.
ويستغل المسؤولون الصيغة الفضفاضة لعبارة «الأكثر أفضلية» الواردة في المادة 44 من مرسوم الصفقات العمومية، لتمرير صفقات مفصلة على مقاس شركات يتعاملون معها، مقابل إقصاء شركات تقدم عروضا معقولة تتطابق مع الأثمان المرجعية التي يتم الإعلان عنها في طلبات العروض.
وبالإضافة إلى الصفقات، تحولت سندات الطلب، التي تم رفع سقف مبالغها من 20 إلى 50 مليون سنتيم، إلى وسيلة للتحايل على الطلبيات العمومية، وعثر رؤساء الجماعات والمسؤولون بالإدارات العمومية على ثغرات لتمرير هذه السندات لشركات محددة سلفا، رغم إصلاح نظام الصفقات العمومية الذي تم من خلال المرسوم الصادر بتاريخ 8 مارس 2023، الذي تضمن عدة إجراءات تكرس لضبط مثالي وتدبير ناجع لمسطرة الشراء بواسطة سندات الطلب، في إطار المبادئ العامة للصفقات العمومية المتعلقة بضمان الشفافية وحرية الولوج إلى الطلبيات العمومية.
لذلك فإن الشعارات والاستراتيجيات التي تكلف مبالغ مالية لن تقضي على الفساد، في ظل غياب إرادة حقيقية لاجتثاثه من جذوره، وهناك نكتة شعبية تقول إن أحد الوزراء قال في البرلمان «شحال تعطيوني نقضي لكم على الرشوة؟».





