حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرأيالرئيسيةسياسية

في مواجهة احْتِجاب المَعْنى

رسالة البابا ليون الرابع عشر عن الذكاء الاصطناعي


محمد نورالدين أفاية

حين تم انتخاب البابا ليون الرابع عشر في السنة الماضية (ماي 2025)، باعتباره أول بابا أمريكي الجنسية في تاريخ الكنيسة، اعتبر عدد لا بأس به من الناس أن هدوء الرجل وصمتَه، كما بدا في الشهور الأولى من ولايته، يعبر عن شخصية رخوة بل وسلبية قياسا إلى حيوية سلفه البابا فرانسوا، الذي عُرف بجُرأته على خلخلة عادات الكنيسة الثقيلة، وزعزعة مواقفها الدوغمائية بخصوص عدد من القضايا التي لم يغامر أي بابا قبله على الاقتراب منها. لكن لما بدأ ليون الرابع عشر يندد بالقتل اليومي للفلسطينيين، ويُعبر عن نقد صريح لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية بخصوص الزيادة في ميزانية الدفاع، وتغيير تسمية «البنتاغون» إلى «وزارة الحرب»، لم يتردد البابا في انتقاد هذه الإجراءات وطالب بدلا من ذلك بإيقاف الحروب، والنزوع إلى السلام. وبسبب هذا الموقف اعتبر ترامب أن هذا البابا يمثل «خطرا على الكاثوليك»؛ أما حين استنكر ليون الرابع عشر الأساليب العنيفة والهمجية التي تتصرف بها الشرطة الأمريكية ضد المهاجرين فقد حكم عليه ترامب، بوقاحته المعهودة، بكونه «ليبراليا»، بل ويدافع عن مواقف «اليسار» بدل الدفاع عن «القيم المسيحية».

لا جدال في أن المواقف التي اتخذها البابا ليون الرابع عشر من ترامب وسياسات أمريكا زحزحت الصورة الهادئة، أو اعتبرت رخوة بشكل متسرع، وبدأت تظهر على اختيار رحلاته ومعاني خطبه ملامح شخصية لا تقل أصالة وقوة ممن سبقوه على ولاية الكرسي الرسولي. في هذا السياق وقَّع «رسالة بابوية» Encyclique يوم 15 ماي، تحت عنوان «الإنسانية الرائعة» Magnifica Humanitas، حول موضوع «حماية الشخص البشري من مخاطر التطور الجامح لنماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، ومنها «نزع الإنسانية» عن الإنسان الذي تولده الخوارزميات، والتنبيه إلى التبعية الرقمية». ويصادف يوم الإعلان عن هذه الرسالة مرور 135 سنة على نشر سلفه البابا ليون الثالث عشر رسالته المشهورة بعنوان «الأمور المُستَحْدَثة» Rerum Novarum، التي شكلت نصا تدشينيا لما سمي بـ«المذهب الاجتماعي» للكنيسة في سياق ما أحدثته «الثورة الصناعية» في القرن التاسع عشر من تغيرات في الحياة، وعلاقات العمل، والروابط الإنسانية.

وقد مثلت الرسائل البابوية أسلوبا جديدا في مخاطبة أساقفة الكنيسة وموظفيها والمؤمنين بدورها؛ وهي عبارة عن منشور أو دورية تحولت إلى تقليد منذ القرن الثامن عشر في عهد البابا بونوا الرابع (1758-1740) الذي، حسب المتخصصين في تاريخ البابوية، كان يعتبر بابا «مستنيرا وصديقا للأنواريين». ثم تتالت الرسائل حتى أضحت أداة في التعليم المذهبي العادي للبابويات، وفي طليعتهم ليون الثالث عشر، الذي قرر البابا الحالي أن يتسمى باسمه واتخذ منه نموذجا لتدبير شؤون الكنيسة. ضرب البابا ليون الثالث عشر رقما قياسيا في تحرير الرسائل البابوية، حيث بلغ عددها 86 رسالة، ووقع البابا يوحنا بولس الثاني 14 رسالة، أما البابا فرانسوا فاقتصر على أربع رسائل.

يقوم البابا ومساعدوه بتحرير الرسالة باللغة اللاتينية ويتم ترجمتها إلى اللغات الأخرى المعتمدة في الكنيسة. تشكل لحظة تأمل حول حال العالم، أو قضية محددة فيه، وطريقة لتوجيه المؤمنين أو من يقتنع برجاحة أفكارها من غير المؤمنين بالكاثوليكية. ومن بين الرسائل التي حررها البابا يوحنا بول الثاني حول علاقة الإيمان والعقل، والتي كان قد نشرها بعنوان: Fides et ratio (نشرتها جريدة «لوموند» يوم 16 أكتوبر 1998)، كان الحِبر الأكبر قد دعا فيها إلى ضرورة التأمل في الأزمنة الفكرية والأخلاقية للعالم المعاصر، وإلى خلق إطار تصالحي بين أهل الإيمان وأهل النظر الفلسفي، ونبه إلى وجوب مناهضة المخاطر الجديدة المتمثلة، عنده، في النزعات الارتيابية والنسبية واللاعقلانية والعَدَمية والأصولية.

 

 

تتمة

———-

 

في مواجهة احْتِجاب المَعْنى

 

رسالة البابا ليون الرابع عشر عن الذكاء الاصطناعي

 

 

محمد نورالدين أفاية

فبعد قرون من محاربة الكنيسة للفلسفة، سيما منها الفلسفة الرشدية في صيغتها اللاتينية، تُبين الرسالة مدى مصالحتها لها والإقرار بأهمية «أهل النظر الفلسفي» في تقديم فهم ملائم لمشكلات العالم ودعوة الناس إلى استعمال العقل في تدبير شؤون الحياة والعلاقات والمجتمعات. (وبمجرد نشر هذه الرسالة كنتُ قد حررت مقالا بعنوان «في ما بين البابا وابن رشد من الاتصال» أناقش فيه مضمونها، وما أتت به من جديد بخصوص الموقف من الفلسفة ومن المذاهب التي استمرت تتحفظ عليها، وما طرأ على التفكير البابوي من تغيير في شأن العلاقة بين العقل والإيمان. وقد استحضرت هذه المسألة مرة أخرى خلال تنظيم «أكاديمية المملكة المغربية» ليوم دراسي يوم 25 مارس 2026، تحت عنوان «من التسامح إلى الضيافة»، وذلك بمناسبة مرور أربعين سنة على زيارة البابا يوحنا بولس الثاني إلى المغرب).

أما البابا فرانسوا، الذي يُعتبر من أكثر البابوات انفتاحا، وتسامحا، وعقلانية، وتواصلا إنسانيا مباشرا، فقد اشتهر برسالته البابوية بعنوان (Laudato si)، التي نشرت في ماي 2015 في موضوع البيئة تمحورت حول مفهوم «البيئة المتكاملة»، دعا فيها إلى حماية الأرض بوصفها «البيت المشترك» للإنسانية، وندد بهوس الاستهلاك الذي يضر بالفقراء، وبالاستغلال الذي يزيد من تدمير الطبيعة؛ وطالب بالحاجة الحيوية إلى الجمع بين الاهتمام بالطبيعة، والعدالة تجاه الفقراء، وبقيم الالتزام والعدالة في المجتمع، وبالسلام الداخلي.

أما رسالة «الإنسانية الرائعة» (حسب الترجمة الرسمية إلى العربية) لليون الرابع عشر، فإنها تكتسب أهمية حاسمة بالنسبة إلى كل من يهتم بما يشهده العالم من منعطف أنثروبولوجي ووجودي بسبب الذكاء الاصطناعي، وما يحدثه من خلخلة شاملة لأنماط اشتغال الدول، وتدبير شؤون المجتمعات، وطرائق الإيمان، وأساليب العمل، وشروط الحصول على المعرفة، وغيرها من الممارسات التي تعمل التكنولوجيات الرقمية على زعزعتها وتجاوزها. وتؤكد الرسالة، منذ البداية، على أن الكنيسة تريد «الدخول في حوار مع جميع رجال ونساء عصرنا، الذين نشاركهم في أحداث البشرية وأسئلتها وتطلعاتها، ونريد أن نكتشف معهم طرقا جديدة من أجل الخير العام وتعزيز حياة كريمة للجميع» (الرسالة).

القارئ لهذه الوثيقة سيلاحظ أن صاحبها لا يحصر نمط تفكيره في المرجعية الدينية الخالصة حتى وإن صدرت عن الكنيسة، لدرجة أن المرء يشعر أنه أمام نص يقدم تحليلا تاريخيا ومجتمعيا وأخلاقيا للتصور الذي يمكن لأي كان، مهما كانت اعتقاداته، أن يُكونه عن الذكاء الاصطناعي ولِما يشكله من مخاطر على الإنسانية. فتبعا للخلفية الفكرية التي حكمت توجه البابا القائلة: «إننا لا نؤمن بنفس السماء، لكننا ننظر إلى نفس العالم»، لم يكتف بالتعبير عن القلق المتنامي حول الاجتياح المدوي للذكاء الاصطناعي العام، أو «الفائق الذكاء» الذي من غير المستبعد أن يتمرد على الجميع، إن لم يكن قد بدأ في ذلك؛ وإنما يصر على التشكيك في الأهداف المُعلنة للمقاولات الضخمة لقطاع الذكاء الاصطناعي التي تتسابق من أجل وضع نماذج أكثر ذكاء من الإنسان.

لا يتردد البابا ليون الرابع عشر، في رسالته، في الاعتراف بما ارتكبته الكنيسة من أخطاء في الماضي، ومنها تأخرها في إدانة العبودية، وتواطؤها مع مخططات الاستعمار، وغيرها من المواقف التي اتخذتها إزاء سياسات أنظمة أساءت إلى الإنسان وانتهكت حريته وكرامته. ولعل الإقرار بهذا التقصير في الماضي، يجعله في وضعية أكثر اطمئنانا على انخراطه الواضح في إنتاج تأمل عميق حول الشرط الإنساني في زمن سطوة الآلات وتهديدها للحياة البشرية. ومن يتابع أدبيات ما ينشره الفاتيكان من وثائق ورسائل يعرف أن البابا فرانسوا قبل وفاته أطلق سنة 2020 ما سمي بـ«نداء روما من أجل أخلاقيات للذكاء الاصطناعي»، ساهمت في تحريره مقاولات متخصصة في الرقمي ومؤسسات أكاديمية. وجاءت رسالة «الإنسانية الرائعة»، على ما يبدو، لاستكمال التفكير الجماعي حول هذا الموضوع.

لكن ما أثار انتباه الملاحظين أن طريقة تقديم هذه الرسالة غير مسبوقة في تاريخ أساليب إعلان الوثائق التوجيهية للفاتيكان. ولعل في الأمر إشارة يرسلها البابا ليون الرابع عشر إلى اتباع نهج تواصلي يميزه. ذلك أنه اختار تقديم الرسالة بنفسه، محاطا بكاتب دولة الفاتيكان، وكبار الأساقفة، وعلماء لاهوت، ومتخصصين في البحوث الاجتماعية، والذكاء الاصطناعي بمن فيهم ممثل شركة «أنثروبيك» التي رفضت صفقة مع وزارة الحرب الأمريكية بخصوص استعمال منصتها لإنتاج أسلحة مستقلة موجهة بالذكاء الاصطناعي (وإن كانت هذه الشركات مهما ادعى أصحابها التزام مواثيق أخلاقية داخلية، فإنها تمنح للاعتبار الربحي الأولوية في نهاية المطاف). هكذا جمع البابا حوله نخبة ممن يحملون همَّ الانخراط في المناقشات العالمية حول هذا الموضوع من علماء لاهوت، وباحثين في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وخبراء التكنولوجيات الرقمية لإنتاج فهم إنساني مشترك للتعايش مع اكتشافات الذكاء الاصطناعي.

يرى البابا في رسالته أنه إذا كانت لهذا الذكاء فوائد من دون شك، فإنه يحمل معه مخاطر لا أحد يمكنه التكهن بها؛ فهو ليس آلة «محايدة» تماما باعتباره يتضمن قيم من وضعه وتصور خوارزمياته وصنعه، ويروج لخدماته، سيما وأن الشركات التي تتنافس في مجاله مقاولات خاصة تمتلك مقدرات تتجاوز إمكانيات الحكومات حتى الغنية منها، ويحمل أصحابها تصورات عن الإنسان والدولة والمجتمع تتعارض مع قيم الحرية، والعدالة، والمساواة، كما هو شأن منظري «الأنوار المظلمة» وفي طليعتهم نيك لاند، وكورتيس يارفين، وبالخصوص بيثر ثيل وألكس بارك، مؤسسي شركة «بلانتير تكنولوجي»، وهي من أشهر شركات التجسس، والترصد وصناعة الأسلحة المستقلة ذاتيا.

لذلك ينبه البابا إلى ما يشكله احتكار هذه المقاولات من تهديد وإقصاء، وتلاعب بالعقول والوجدان، وما تنتجه خوارزمياته من تبعية عاطفية وذهنية ومعرفية، ومن مضاعفات على البيئة، ومن تمويه للمسؤولية الفردية والأخلاقية، ومن خطر على السلام. وإذا كانت الدول «في الماضي هي التي تقود وتوجه الابتكار بشكل أساسي،… فإن القوة التكنولوجية تتخذ اليوم وجها جديدا «خاصا» في الغالب، ولهذا يصير من الأصعب تمييزها وإدارتها وتوجيهها نحو الخير العام».

من هنا يلح ليون الرابع عشر على الأهمية الحاسمة للضبط Régulation، لكيلا يسلم الجميع «لليد الخفية للسوق» بشكل استثنائي، والحرص على توزيع ثمار هذه الابتكارات بشكل منصف، وضمان نوع من العدالة الاجتماعية، وإدماج هيئات الوساطة التي يمكنها المشاركة في المناقشات حول الذكاء الاصطناعي. فليس الأمر يتعلق بمناهضة التقدم التكنولوجي بمقدار ما يتعين التنبيه، في الأول والأخير، إلى تحمل المسؤولية تجاه «الأسرة الإنسانية»؛ لأن الكنيسة، كما تؤكد الرسالة، تعتبر «جميع الذين يبحثون بصدق عن «الحقيقة والخير والجمال» رفقاء في الطريق، وتعتبرهم «حلفاء عزيزين» في الدفاع عن كرامة كل شخص وحماية الخليقة».

خضعت رسالة «الإنسانية الرائعة» إلى هندسة تتكون من خمسة فصول. تعرض الفصل الأول للمذهب الاجتماعي للكنيسة منذ ليون الثالث عشر إلى اليوم، وأكدت على أن هذا التقليد يدخل ضمن ما سمته بـ«حس التمييز الجماعي» اليقظ والقادر على الجواب عن الأسئلة الحارقة الجديدة. وتطرح في الفصل الثاني الأسس الأنثروبولوجية التي يتعين مراعاتها في معالجة أية قضية تشكل تحديات وجودية على الإنسانية، ومنها ما تسميه الرسالة بـ«الكرامة المتساوية» لكل كائن بشري، وحقوقه غير القابلة للتجزيء، والمنفعة العامة، والمبادئ الاجتماعية الكبرى، والتوجه الكوني للخيرات، والتكاملية، والتضامن، والعدالة الاجتماعية. أما الفصل الثالث فيُحيل على رهانات التكنولوجيا وممكنات التمكن منها، حيث يتعرض لما يقترحه الذكاء الاصطناعي من بشائر وما يحمله من مخاطر بسبب غياب الحياد الأخلاقي للخوارزميات، واحتجاز الحكامة من طرف بعض الأقوياء، والتقاط المعطيات الفردية والجماعية من طرف القطاع الخاص وتجميعها والاستثمار بها، وما ينجم عن ذلك من تفاوتات على جميع الصعد. في حين أن الفصل الرابع فيعالج مسألة الشغل، والحقيقة، ووضعية الحرية في سياق الانتقال الرقمي. ثم تنتهي الرسالة بفصل خامس تتناول فيه ما أسماه البابا بالتعارض الصارخ بين «ثقافة القوة والسلطة»، التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باستخفاف كبير بإنسانية الإنسان، كما يتجلى ذلك في ما أصبح يصطلح عليه «تفاهة الحرب» وما تنجزه الأسلحة ذات الاستقلال الذاتي بواسطة الذكاء الاصطناعي؛ وبين ما يصر البابا على ما يسميها «ثقافة المحبَّة».

من البديهي القول إن التحدي الكبير لا يتمثل في التكنولوجيا الرقمية في ذاتها؛ وإنما في ما تفرضه من رهانات وجودية وأنثروبولوجية؛ كما أنه لا طائل من استنكار ما تُحدثه الآلة من خلخلة وتهديد ما دامت المسألة تتعلق بـ«احتجاب معنى الوجود الإنساني الذي يسببه التطوير الجامح للتكنولوجيا على حساب الكرامة الإنسانية». لذلك يدعو البابا إلى نزع سلاح الذكاء الاصطناعي الذي يشارك بطرق بشعة في الإبادة التي يتعرض لها الشعبان الفلسطيني واللبناني، ويطالب بضرورة تحرير هذا الذكاء من «المنطق الذي يجعل منه أداة سيطرة، واستعباد، أو موت»، أو مسايرة الادعاء الساذج والخطير عن «تَتْفيه الحرب».

وعندما يدعو البابا إلى تحييد الذكاء الاصطناعي من سباق التسلح فإنه يقصد انتزاعه من المقاولات التي تحتكره، وكشف عملياته بشفافية، ومناقشتها، والاعتراض عليها، وضمان أن تخدم كرامة كل شخص في إطار جماعي من الضبط، بدل الانصياع لمصالح كُمْشَة من مقاولي وادي السليكون وللأطماع التوسعية لبعض الأنظمة السياسية.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى