
يونس جنوحي
التقرير الصادر عن مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية، كشف وجها مُقلقا بخصوص البنية التحتية البحرية الإفريقية. يتعلق الأمر بوضع الأرصفة والمحطات البحرية، التي يقول التقرير بوضوح إن الصين ليست راضية عن وضعها نهائيا.
يثير التقرير مسألة تأثير الصين على الأنظمة الرقمية المعتمدة في تسيير هذه المحطات، وهو ما يمكنها من «التأثير دائما على بعض البوابات التجارية الاستراتيجية الأكثر أهمية في العالم».
الصحافة الكينية اهتمت بمضامين التقرير منذ البداية، وعرت، في تقرير مفصل، أقوى النقاط المقلقة بشأن الهيمنة الصينية الرقمية على الشبكات البحرية الإفريقية.
صحيفة «كينيا تايمز»، في نسختها الإنجليزية، نشرت، في مقال مفصل، قراءة في هذا التقرير الذي تناول دراسة مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية.
تقول الدراسة إن الشركات الصينية لديها وجود حالي في ما يقارب ثلث موانئ إفريقيا، إما عن طريق الامتلاك، أو التمويل، أو الإشراف على العمليات أو حصص الأسهم.
الشركات الصينية، التي تنشط في الموانئ الإفريقية، باتت الآن توفر برمجيات ومنصات وأنظمة تعمل بالذكاء الاصطناعي، والهندسة اللوجيستية الرقمية التي تحافظ على تشغيل هذه الموانئ، وتعمل أيضا على «تحويل مشاريع البنية التحتية إلى أصول استراتيجية على المدى البعيد».
هذا التطور من الإشراف التقليدي على البنيات التحتية في الدول الإفريقية، خصوصا دول جنوب الصحراء، إلى الاعتماد الرقمي، يمثل تحولا في التوجه الصيني، ويعكس طموحها المتزايد للسيطرة على البوابات التجارية البحرية.
بمجرد ما أن يعتمد ميناء من الموانئ الإفريقية على أنظمة التشغيل الصينية، وأنظمة إدارة البضائع التي تعمل بشكل آلي، وأنظمة تسيير البوابات الذكية، ونظم الاتصالات التي تدعم تقنية الجيل الخامس، بالإضافة إلى المنصات اللوجيستية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، حتى يصبح استبدالها في المستقبل صعبا من الناحية التقنية، ومكلفا جدا من الناحية المادية. الصينيون جعلوا مسألة الاستغناء عن خدماتهم في المستقبل أمرا مكلفا، وهو ما لم يخبروا به شركاءهم بطبيعة الحال. النظم الإيكولوجية للبرامج الصينية تتطلب دائما صيانة مستمرة وتحديثات لا تنتهي، ودعما فنيا، وهو ما يجعل هذه الموانئ ومشغليها رهائن في علاقات طويلة الأمد.
تقول الدراسة نفسها إن الصين لم تكتف بالهيمنة الرقمية على الواجهة البحرية، الموانئ، بل عملت أيضا على تعميم هذه النظم الرقمية على السكك الحديدية والطرق السريعة والمستودعات والمعابر اللوجيستية المتصلة بهذه الموانئ.
يقول التقرير إن تحليل خريطة الموانئ التي تهيمن عليها الصين حاليا، وارتباطها بمراكز صينية مثل مركز «تشينغداو» و«يانتاي»، يكشف كيف يتم إدخال القارة الإفريقية في نسيج بنية تجارية تتمحور كلها حول الصين، وتجعلها هي المركز.
خليج غينيا، ورأس الرجاء الصالح، تمثل موردا حاسما لمداخيل الصين من الواردات التجارية في مجال الطاقة والتجارة، بقيمة تتجاوز 350 مليار دولار أمريكي. لذلك عملت الصين على ضمان الوصول الدائم إلى هذه الممرات البحرية، خدمة لأهدافها الجيوسياسية طويلة الأمد، وضمان وصولها إلى النفط والغاز والمعادن والسلع الزراعية الإفريقية.
التقرير يثير مخاوف بشأن الآثار الاستراتيجية لهذا النموذج الذي أسسته الصين في القارة الإفريقية.. إذ إن النظم الإيكولوجية الرقمية الصينية المعتمدة، بالإضافة إلى تشجيع الدول الإفريقية على اعتماد المعايير التقنية الصينية، تولد كما هائلا من البيانات التجارية، ما يزيد من احتمال أن تظل المشتريات المستقبلية مرتبطة بشكل أساسي بالبائعين الصينيين.
التقرير أثار، أيضا، أسئلة مهمة حول الشفافية، والالتزامات والديون المترتبة عن استغلال هذه النظم الرقمية الصينية، وهو ما يجعل مستقبل دول بأكملها رهينا بالصين.
وخلص التقرير إلى أن استراتيجية الصين البحرية لم تعد تكتفي ببناء الموانئ، بل مرت إلى التحكم في «الجهاز العصبي الرقمي» الذي يشغل هذه الموانئ، في منطقة يمكن تصنيفها الآن على أنها أسرع المناطق نموا من الناحية الاقتصادية في العالم، بعد عقود من الركود.




