
هناك من قادته الكفاءة والمشاريع الخاصة والاجتهاد في التجارة إلى تحقيق الثروة، وهناك من كان لا يملك شيئا، فعثر على مفتاح دخول عالم السياسة، وتجريب التسيير المحلي، ودخول المؤسسة التشريعية، والتغلغل داخل الأحزاب والتمكن من قيادتها، ليصبح، بعد سنوات قليلة، من الأعيان الذين يملكون مشاريع متعددة وعقارات واستثمارات، ويشكلون ثروات ضخمة في وقت وجيز.
إن ثروات بعض المنتخبين تحوم حولها شبهات استغلال التسيير في تفويت صفقات عمومية لمقربين وشركات خاصة بطرق ملتوية، والتورط في نهب الرمال وإقامة مقالع عشوائية، والاستثمار في العقار من خلال استغلال سلطة التوقيع، وابتزاز المستثمرين والسمسرة في ملفات بالمليارات، فضلا عن ربط علاقات غير مباشرة مع مبيضي الأموال والأعيان، وإقامة مشاريع تنجح باستغلال المنصب وليس بالجودة والتنافسية داخل السوق.
وطبعا، هناك حالات واضحة لقيادات حزبية كانت لا تملك شيئا عند دخول غمار الانتخابات والفوز بالمنصب، ثم، بعد تسلمها مسؤولية التسيير، شرعت في التغلغل داخل الأحزاب وتشكيل قواعد انتخابية بالرشوة، وضمان دعم لوبيات مستفيدة من الوضع، وتنويع العلاقات داخل مؤسسات متعددة، ما مكنها من خلق ثروة حقيقية من وراء فساد يحمي بعضه بعضا بكل الطرق الممكنة.
حتى إن بعض المجالس المنتخبة تصبح أحيانا دون معارضة حقيقية، وكل صوت منتقد يجري التفاوض معه لشراء صمته، أو معاقبته بطرق أخرى والتضييق عليه، ليكون عبرة لغيره، وتتحول المؤسسات المنتخبة من فضاء للتدبير الديمقراطي والمراقبة إلى مجال مغلق تتشابك داخله المصالح والنفوذ.
وهناك مشاريع قوانين، من قبيل الإثراء غير المشروع، ظلت حبيسة النقاشات الساخنة، بسبب الجدل المرتبط بالتنزيل وكيفية التفريق بين الثروات غير المشروعة والثروات التي جاءت بعرق الجبين. وفي المقابل، تحاول اللوبيات المستفيدة من غياب الصرامة في مراقبة الثروات والتهرب من سؤال: «من أين لك هذا؟» ووضع العراقيل والمطبات أمام أي مشروع قانون قد يهدد مصالحها أو يضيق الخناق على استغلال المنصب السياسي في خلق الثروة.
وطبعا، فإن العديد من المنتخبين الذين تمكنوا من خلق ثروات بعد سنوات من تسيير الشأن العام، يتحدثون عن كون ذلك لم يتم على حساب المال العام. والصحيح هو أنه حتى في حال لم يتم اختلاس المال العام بشكل مباشر، فإن الأمر قد يتعلق باستغلال سلطة التوقيع، أو الرشوة، أو القرارات التعميرية، أو توجيه الاستثمارات، أو تهيئة الطريق للاستفادة من الامتيازات والتراخيص، والتدخل لدى مؤسسات للمصادقة، فضلا عن ملفات خروقات مرتبطة بمقالع الرمال والصخور، واستغلال المعلومة الإدارية، واستعمال النفوذ، وربط علاقات مركزية تخدم المصالح الخاصة.
وفي السياق ذاته، فإن من حقق ثروات غير مشروعة لا يمكنه، بطبيعة الحال، أن يكون متحمسا لمشاريع قوانين تضيق الخناق عليه وتهدده بالسجن أو مصادرة الممتلكات. كما أن من استغل التسيير للانتقال من مهن بسيطة إلى مصاف رجال الأعمال المشهورين جهويا ووطنيا، قد يسعى إلى عرقلة كل تحقيق أو تتبع لمصادر الثروة، والاختباء خلف تخويف المستثمرين، والتحذير من غياب هيكلة القطاعات، واحتمال انكماش الاقتصاد والسيولة المالية، وارتفاع نسبة البطالة وتهديد السلم الاجتماعي.
وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي ليس كيف استطاع منتخب أن يصبح ثريا، وإنما كيف تشكلت هذه الثروة، وهل تتناسب مع مداخيله المشروعة ومساره المهني، وهل جاءت نتيجة الكفاءة والمخاطرة والاستثمار، أم نتيجة النفوذ واستغلال الموقع السياسي؟ فالثروة في حد ذاتها ليست جريمة بل هي الركيزة الأساسية للتنمية، لكن تحول المنصب الانتخابي إلى وسيلة للإثراء غير المشروع هو اعتداء على ثقة الناخبين وعلى مبدأ تكافؤ الفرص، لأن مطلب الشفافية والمساءلة ليس استهدافا للأشخاص بقدر ماهو مدخل أساسي للإصلاح المنشود.





