حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةالملف السياسيسياسية

قبل إسدال الستار على الولاية التشريعية…… قوانين مؤجلة وورش إصلاحات كبرى تنتظر البرلمان المقبل

إعداد: النعمان اليعلاوي

مع اقتراب اختتام الولاية التشريعية الحادية عشرة، يجد البرلمان نفسه أمام حصيلة تشريعية وصفت بأنها من بين الأكثر إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة، ليس فقط بسبب القوانين التي صادق عليها، وإنما أيضاً بسبب حجم الأوراش التي بقيت معلقة دون حسم، رغم الوعود الحكومية بإخراجها إلى حيز الوجود.

ورغم تمتع الحكومة بأغلبية مريحة داخل مجلسي البرلمان، فإن عدداً من مشاريع القوانين ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي والمؤسساتي ظل يراوح مكانه، فيما وصلت نصوص أخرى إلى مراحل متقدمة قبل أن تصطدم بخلافات سياسية أو نقابية أو تقنية حالت دون استكمال مسارها التشريعي.

ويرى متابعون أن الولاية الحالية كرست مفارقة لافتة، إذ نجحت الحكومة في تمرير قوانين أثارت احتجاجات واسعة، من قبيل القانون التنظيمي للإضراب، ومشروعي قانوني المحاماة والعدول، بينما تأخر الحسم في إصلاحات كانت تحظى بإجماع حول ضرورتها.

هل يفقد البرلمان زخمه التشريعي في الأشهر الأخيرة من الولاية؟

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، دخل البرلمان مرحلة تعد الأكثر حساسية في عمر الولاية التشريعية، حيث تتراجع وتيرة العمل التشريعي تدريجياً لصالح الحسابات السياسية والانتخابية، في مشهد تكرر خلال الولايات السابقة، ويطرح تساؤلات حول قدرة المؤسسة التشريعية على استكمال أوراش الإصلاح إلى آخر يوم من ولايتها الدستورية.

ورغم أن الدستور يمنح البرلمان كامل صلاحياته إلى غاية انتهاء الولاية، فإن الواقع السياسي يكشف أن الأشهر الأخيرة تتحول في الغالب إلى مرحلة يغلب عليها الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية، سواء داخل الأغلبية الحكومية أو في صفوف المعارضة، وهو ما ينعكس على طبيعة النقاشات البرلمانية وسرعة معالجة مشاريع القوانين.

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى عدد من النصوص القانونية التي ما تزال تنتظر الحسم، في وقت تتزايد فيه المخاوف من ترحيل جزء من الأوراش التشريعية إلى البرلمان المقبل، خاصة تلك التي تتطلب توافقات سياسية واسعة أو تهم فئات مهنية واجتماعية ذات وزن انتخابي.

من التشريع إلى الحسابات الانتخابية

يرى متابعون أن اقتراب موعد الانتخابات يغير أولويات الأحزاب السياسية داخل البرلمان. فبعد سنوات من التركيز على تمرير البرامج الحكومية، يصبح الهاجس الانتخابي حاضراً بقوة، وتتحول كل مبادرة تشريعية إلى موضوع يخضع لحسابات الربح والخسارة السياسية.

وتحرص الأحزاب، خصوصاً تلك التي تقود الحكومة، على تفادي تمرير قوانين قد تثير غضب فئات واسعة من الناخبين، بينما تسعى أحزاب المعارضة إلى استثمار أي خلاف أو تعثر في الأداء الحكومي لتعزيز خطابها السياسي واستقطاب الرأي العام.

ويظهر هذا التحول بشكل واضح في القوانين ذات الحساسية الاجتماعية أو المهنية، التي تمس قطاعات تضم آلاف المنخرطين والناخبين، مثل المحامين والعدول والأساتذة والأطباء والصيادلة وموظفي الوظيفة العمومية، حيث يصبح التوافق بشأنها أكثر صعوبة كلما اقترب موعد الاقتراع.

برلمان يعمل حتى آخر يوم.. وقوانين مؤجلة بسبب كلفتها السياسية

من الناحية الدستورية، لا يوجد ما يمنع البرلمان من مواصلة عمله التشريعي إلى غاية نهاية ولايته، بل إن مسؤوليته تظل قائمة إلى آخر جلسة يعقدها. غير أن التجربة السياسية المغربية أظهرت أن الوتيرة تختلف بين بداية الولاية ونهايتها.

ففي الأشهر الأخيرة، تتراجع المبادرات التشريعية، وتصبح الجلسات أكثر ارتباطاً بتصفية الملفات المستعجلة، بينما يزداد حضور النقاش السياسي المرتبط بتقييم حصيلة الحكومة والاستعداد للحملات الانتخابية.

كما أن عدداً من البرلمانيين ينشغلون بالعودة إلى دوائرهم الانتخابية، وتكثيف التواصل مع قواعدهم المحلية، وهو ما ينعكس بدوره على الحضور داخل اللجان والجلسات العامة، وعلى وتيرة دراسة النصوص القانونية.

وتشير القراءة السياسية للمشهد البرلماني إلى أن بعض القوانين لا تتأخر بسبب تعقيدها القانوني فقط، بل أيضاً بسبب كلفتها السياسية.

فكلما تعلق الأمر بإصلاحات تمس القدرة الشرائية أو الحقوق الاجتماعية أو مصالح فئات منظمة، يصبح اتخاذ القرار أكثر صعوبة، لأن الأحزاب تدرك أن أي موقف قد تكون له انعكاسات مباشرة على نتائجها الانتخابية.

وقد برز هذا المعطى خلال مناقشة عدد من النصوص التي أثارت احتجاجات واسعة، من بينها قانون الإضراب، ومشروعا قانوني المحاماة والعدول، إضافة إلى ملفات أخرى مثل إصلاح التقاعد، الذي أعلنت الحكومة رسمياً ترحيله إلى الولاية المقبلة، بسبب صعوبة التوصل إلى توافق بشأنه.

هل تتراجع جودة التشريع؟

لا يقتصر تأثير نهاية الولاية على وتيرة المصادقة على القوانين، بل يمتد أيضاً إلى جودة التشريع، إذ يرى عدد من المختصين أن ضغط الزمن يدفع أحياناً إلى التسريع في دراسة النصوص، بما يقلص فرص النقاش والتعديل.

وفي هذا الإطار، يعتبر بوخبزة أن أحد أبرز أعطاب التجربة التشريعية المغربية يتمثل في “إضاعة الزمن التشريعي”، موضحاً أن “المغرب ألف تأجيل عدد من مشاريع القوانين إلى نهاية الولاية، قبل الدخول في سباق مع الزمن لإخراجها”.

وأضاف أن الأغلبية الحكومية، رغم تمتعها بأغلبية مريحة داخل البرلمان، لم تستطع تجنب هذا الإشكال، حيث وصلت عدة مشاريع قوانين إلى البرلمان في وقت متأخر، الأمر الذي أثر على جودة النقاش التشريعي.

وأشار إلى أن “المعيار الحقيقي لا يكمن في عدد القوانين التي يتم التصويت عليها، وإنما في مدى نجاعتها وقدرتها على معالجة الإشكالات المطروحة”، معتبراً أن عدداً من النصوص القانونية التي صودق عليها خلال السنوات الأخيرة “لم ينعكس أثرها بشكل مباشر على حياة المواطنين”.

البرلمان المقبل أمام أوراش مؤجلة

مع اقتراب إسدال الستار على الولاية الحالية، يبدو أن البرلمان المقبل سيكون أمام أجندة تشريعية مثقلة بملفات مؤجلة، سواء تعلق الأمر بإصلاح التقاعد، أو استكمال مراجعة بعض القوانين الكبرى، أو تقييم آثار النصوص التي أثارت جدلاً واسعاً خلال الولاية الحالية.

ويجمع متابعون على أن التحدي لن يكون فقط في إخراج قوانين جديدة، وإنما في تطوير جودة التشريع، وتعزيز النقاش المؤسساتي، وتفادي تكرار سيناريو تكدس مشاريع القوانين في نهاية كل ولاية.

فالمؤسسة التشريعية، باعتبارها إحدى ركائز البناء الديمقراطي، مطالبة بأداء دورها بعيداً عن منطق الظرفية الانتخابية، حتى لا تتحول نهاية كل ولاية إلى محطة لتصفية الملفات المستعجلة، بدل أن تكون تتويجاً لمسار تشريعي متوازن يمتد على خمس سنوات كاملة.

مراجعة مدونة الأسرة خارج الأجندة التشريعية

 

رغم أن إصلاح مدونة الأسرة ظل واحداً من أكثر الأوراش التشريعية إثارة للنقاش خلال السنوات الأخيرة، فإن البرلمان يقترب من إسدال الستار على ولايته التشريعية الحالية دون أن يحسم في هذا الورش، الذي يحظى بمتابعة واسعة من الرأي العام، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بقضايا الأسرة والمرأة والطفل، وباعتباره أحد أبرز الإصلاحات المنتظرة منذ الخطاب الملكي الذي دعا إلى مراجعة المدونة بما ينسجم مع التحولات المجتمعية ويحافظ على ثوابت المملكة.

ورش كبير لم يحسم

مع اقتراب نهاية الولاية التشريعية، يظل ملف مدونة الأسرة ضمن أبرز النصوص التي لم تصل بعد إلى المؤسسة التشريعية، رغم انتهاء المشاورات التي قادتها الهيئة المكلفة بمراجعة المدونة، واستقبالها مئات المقترحات من الأحزاب السياسية والهيئات الحقوقية والمجلس العلمي الأعلى والمجلس الوطني لحقوق الإنسان ومختلف الفاعلين المدنيين.

ويطرح هذا التأخر تساؤلات حول الأسباب التي حالت دون عرض المشروع على البرلمان قبل نهاية الولاية، خاصة أن الحكومة سبق أن أكدت أن مراجعة المدونة تشكل أحد الأوراش الكبرى ذات الأولوية، في إطار تنزيل التوجيهات الملكية الرامية إلى تحديث المنظومة القانونية للأسرة بما يحقق التوازن بين المرجعية الإسلامية ومقتضيات الدستور والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب.

ويرى متابعون أن طبيعة الإصلاح نفسه تفسر جانباً من هذا التأخر، بالنظر إلى حساسية القضايا المطروحة، والتي تشمل الزواج والطلاق والحضانة والنفقة والولاية على الأطفال والإرث وإثبات النسب وغيرها من الملفات التي تثير نقاشاً مجتمعياً واسعاً، وتستدعي قدراً كبيراً من التوافق السياسي والفقهي والمؤسساتي قبل إحالتها على البرلمان.

ويؤكد مختصون أن الحكومة فضلت التريث في إعداد الصيغة النهائية لمشروع القانون، تفادياً لإثارة انقسامات سياسية ومجتمعية في مرحلة تتزامن مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، خصوصاً أن المدونة تمس قضايا ذات حساسية دينية واجتماعية، وتتطلب توافقاً واسعاً يضمن استقرار المنظومة الأسرية.

ويعتبر عدد من أساتذة القانون أن البرلمان، رغم استعداده لمناقشة المشروع متى أحيل عليه، لم يكن مسؤولاً بشكل مباشر عن تأخر الإصلاح، باعتبار أن المبادرة التشريعية في هذا الملف تعود إلى الحكومة، التي لم تحل النص بعد على المؤسسة التشريعية، ما جعل النواب والمستشارين يكتفون بطرح الأسئلة الشفوية والكتابية ومتابعة مستجدات الورش.

22 عاما من التطبيق

في المقابل، ترى فعاليات حقوقية أن طول مدة إعداد المشروع أثار نوعاً من القلق لدى فئات واسعة كانت تنتظر تسريع وتيرة الإصلاح، خاصة في ظل استمرار المحاكم في تطبيق مقتضيات مدونة تعود إلى سنة 2004، رغم التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفها المغرب خلال العقدين الماضيين.

وتؤكد هذه الفعاليات أن عدداً من الإشكالات العملية التي كشفت عنها التجربة القضائية لا تزال قائمة، سواء ما يتعلق بزواج القاصرات أو إثبات الزوجية أو تنفيذ أحكام النفقة أو إسناد الحضانة أو تدبير الأموال المكتسبة أثناء الزواج، وهو ما يجعل الإسراع بإخراج التعديلات مطلباً ملحاً بالنسبة لعدد من الأسر المغربية.

في المقابل، تشدد أصوات محافظة على ضرورة التريث في إدخال أي تعديلات قد تمس التوازنات التي قامت عليها المدونة الحالية، معتبرة أن أي إصلاح ينبغي أن يحافظ على المرجعية الإسلامية والثوابت الدستورية، وألا يخضع لضغوط ظرفية أو مطالب فئوية.

ويبرز هذا التباين حجم الرهانات التي تحيط بالورش، حيث تجد الحكومة نفسها أمام معادلة دقيقة تجمع بين الاستجابة للتوجيهات الملكية، والاستجابة للتحولات المجتمعية، والمحافظة في الوقت نفسه على التوافق الوطني بشأن قضايا الأسرة.

ويأتي تأخر المشروع في سياق حصيلة تشريعية عرفت المصادقة على عدد من القوانين الكبرى، من بينها قانون الإضراب، ومشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة، ومشروع قانون العدول، وقوانين مرتبطة بالاستثمار والمالية، بينما بقيت ملفات أخرى خارج الأجندة التشريعية، وفي مقدمتها مدونة الأسرة، إلى جانب إصلاحات أخرى تتعلق بالقانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية في بعض جوانبه.

ويرى محللون أن قرب نهاية الولاية جعل الحكومة تركز على استكمال النصوص ذات الطابع الاقتصادي والمؤسساتي، بينما فضلت تأجيل بعض الملفات المجتمعية التي تحتاج إلى نقاش برلماني موسع قد يمتد لعدة أشهر، وهو ما لم تعد تسمح به الأجندة الزمنية للدورة التشريعية الأخيرة.

ويحذر مختصون من أن استمرار تأخر إخراج مشروع تعديل مدونة الأسرة قد يطيل أمد النقاش المجتمعي دون حسم تشريعي، في وقت تتزايد فيه المطالب بإيجاد حلول قانونية لإشكالات تعيشها الأسر المغربية بشكل يومي، خاصة أمام المحاكم.

وفي المقابل، تؤكد الحكومة أن هذا الورش لا يخضع لمنطق السرعة، وإنما لمنطق الجودة والتوافق، بالنظر إلى ما يترتب عنه من آثار قانونية واجتماعية تمتد إلى ملايين المغاربة، وهو ما يفرض دراسة دقيقة لكل المقترحات قبل إحالة المشروع على البرلمان.

وتبقى الأنظار متجهة إلى المرحلة المقبلة لمعرفة موعد إحالة مشروع تعديل مدونة الأسرة على المؤسسة التشريعية، وما إذا كان البرلمان الحالي سيتمكن من مناقشته في دورة استثنائية محتملة، أم أن الحسم في أحد أهم الأوراش القانونية بالمغرب سيؤجل إلى الولاية التشريعية المقبلة، ليظل ملف الأسرة ضمن أبرز الإصلاحات التي لم تر النور رغم مرور سنوات على إطلاق ورش مراجعتها.

صراعات اللجان الاستطلاعية تربك الرقابة البرلمانية

 

مع اقتراب إسدال الستار على الولاية التشريعية الحالية، عاد الجدل داخل مجلس النواب بشأن فعالية اللجان الاستطلاعية، بعدما تحولت العديد منها إلى ساحة صراع سياسي بين الأغلبية والمعارضة، وهو ما انعكس على أداء المؤسسة التشريعية في ممارسة إحدى أهم وظائفها الدستورية المتمثلة في مراقبة تدبير المرافق العمومية وتقييم السياسات العمومية.

ورغم أن اللجان الاستطلاعية تعد من أبرز الآليات الرقابية التي خولها الدستور للبرلمان، فإن حصيلتها خلال هذه الولاية ظلت دون سقف الانتظارات، بسبب الخلافات المتكررة حول إحداثها، أو تحديد اختصاصاتها، أو طريقة إعداد تقاريرها، فضلاً عن تأخر مناقشة عدد من الطلبات المقدمة من الفرق البرلمانية، خاصة المعارضة.

 

آلية رقابية تصطدم بالتجاذبات السياسية

أظهرت التجربة البرلمانية خلال السنوات الأخيرة أن عدداً من طلبات تشكيل اللجان الاستطلاعية ظل حبيس رفوف اللجان الدائمة، بينما انتهت لجان أخرى إلى تقارير لم تتحول إلى إجراءات عملية أو إلى محاسبة سياسية واضحة، الأمر الذي دفع عدداً من البرلمانيين إلى انتقاد ما اعتبروه “إفراغاً” لهذه الآلية الرقابية من مضمونها.

ويعتبر متابعون أن قرب الاستحقاقات الانتخابية ساهم بدوره في تعقيد عمل اللجان الاستطلاعية، بعدما أصبحت بعض المبادرات الرقابية تُقرأ بمنظار سياسي وانتخابي أكثر من كونها ممارسة دستورية تهدف إلى الوقوف على الاختلالات واقتراح الحلول، وهو ما أدى إلى تصاعد التوتر بين مكونات المجلس في أكثر من مناسبة.

وتكررت خلال هذه الولاية الخلافات بشأن عدد من الملفات الحساسة، سواء المرتبطة بتدبير مؤسسات عمومية أو ببرامج اجتماعية واستثمارية، حيث طالبت المعارضة بإحداث لجان استطلاعية حولها، بينما اعتبرت الأغلبية في بعض الحالات أن شروط إحداث هذه اللجان غير متوفرة أو أن الملفات تخضع لمراقبة مؤسسات دستورية أخرى، وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات.

وأدى هذا التباين في المقاربات إلى تعطيل عدد من المبادرات الرقابية، في وقت يرى فيه مختصون في القانون الدستوري أن اللجان الاستطلاعية يفترض أن تشكل فضاءً للتوافق المؤسساتي، بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة، بالنظر إلى دورها في تعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ويرى مراقبون أن الإشكال لا يرتبط فقط بالخلافات السياسية، بل أيضاً بضعف الإطار الإجرائي الذي ينظم عمل هذه اللجان، إذ إن طول المساطر المرتبطة بإحداثها، واشتراط توافقات سياسية معقدة، يجعلانها في كثير من الأحيان تفقد عنصر السرعة والنجاعة، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات تفرض تدخلاً رقابياً مستعجلاً.

 

ملفات عالقة وتقارير لم تجد طريقها للتنفيذ

لم يجد عدد من التقارير، التي أنجزتها اللجان الاستطلاعية، طريقه إلى التنفيذ، إذ بقيت التوصيات في حدود التوصيف والتشخيص، دون أن تترجم إلى إصلاحات ملموسة أو إجراءات حكومية ملزمة، وهو ما أثر على صورة الرقابة البرلمانية لدى الرأي العام.

وتشير معطيات برلمانية إلى أن جزءاً من الصراع داخل اللجان يرتبط أيضاً برئاسة هذه اللجان وطريقة توزيع المهام بين الأغلبية والمعارضة، فضلاً عن الخلاف حول استدعاء المسؤولين والوثائق المطلوب الاطلاع عليها، الأمر الذي ينعكس على سير الأشغال ويؤخر إنجاز التقارير النهائية.

وفي المقابل، تؤكد مكونات الأغلبية أن عدداً من اللجان الاستطلاعية أنجز أعماله وفق الضوابط القانونية، وأن البرلمان مارس اختصاصاته الرقابية بشكل طبيعي، معتبرة أن بعض المبادرات التي تقدمت بها المعارضة كانت تحمل أبعاداً سياسية أكثر من كونها تستجيب لحاجة رقابية فعلية.

أما المعارضة، فتعتبر أن الأغلبية استعملت أغلبيتها العددية للحد من تفعيل بعض المبادرات الرقابية، خاصة تلك المرتبطة بقطاعات اجتماعية واقتصادية أثارت جدلاً واسعاً، وهو ما انعكس، بحسبها، على التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.

 

الرقابة البرلمانية تحتاج لإصلاحات

يؤكد أساتذة القانون الدستوري أن اللجان الاستطلاعية تشكل إحدى الآليات الأساسية لتقييم السياسات العمومية، لكنها تحتاج إلى مراجعة الإطار القانوني المنظم لها، بما يضمن تسريع إحداثها، وتعزيز صلاحياتها في الحصول على المعلومات، وإلزام الجهات المعنية بالتفاعل مع توصياتها داخل آجال زمنية محددة.

كما يدعو مختصون إلى منح هذه اللجان استقلالية أكبر عن التجاذبات السياسية، حتى تتمكن من الاضطلاع بدورها الرقابي بكفاءة، خاصة في ظل تنامي حجم الاستثمارات العمومية والبرامج الاجتماعية التي تتطلب مواكبة برلمانية دقيقة.

ويأتي هذا النقاش في وقت يستعد فيه البرلمان لاختتام آخر دورة تشريعية من ولايته الحالية، وسط حصيلة متباينة في المجال الرقابي، إذ طغت على جزء من عمل المؤسسة التشريعية الخلافات المرتبطة بالقوانين الكبرى، مثل قانون الإضراب، وقانون مهنة المحاماة، وقوانين أخرى أثارت انقسامات سياسية ومهنية واسعة، وهو ما انعكس أيضاً على أداء اللجان البرلمانية بمختلف أصنافها.

ويرى متابعون أن التجربة الحالية أبرزت الحاجة إلى مراجعة فلسفة العمل الرقابي داخل البرلمان، ليس فقط من خلال تطوير النصوص القانونية، وإنما أيضاً عبر ترسيخ ثقافة التعاون بين الأغلبية والمعارضة في القضايا المرتبطة بحماية المال العام وتحسين أداء المرافق العمومية، باعتبار أن الرقابة البرلمانية لا ينبغي أن تكون رهينة التوازنات السياسية أو الحسابات الانتخابية.

ومع اقتراب نهاية الولاية التشريعية، يبقى السؤال مطروحاً حول مدى قدرة البرلمان المقبل على تجاوز هذه الأعطاب، وإعادة الاعتبار للجان الاستطلاعية باعتبارها إحدى أهم أدوات الرقابة الدستورية، بما يعزز ثقة المواطنين في المؤسسة التشريعية ويكرس مبادئ الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

إصلاح التقاعد والقوانين الجنائية.. أكثر الملفات تعقيدا

يأتي إصلاح أنظمة التقاعد في مقدمة الملفات التي ستورثها الحكومة الحالية إلى الحكومة المقبلة، بعدما أعلنت نادية فتاح، وزيرة الاقتصاد والمالية، بشكل رسمي أن هذا الورش لن يرى النور، خلال ما تبقى من عمر الولاية.

وأكدت الحكومة أن تعقيد الملف، وتباين مواقف الفرقاء الاجتماعيين، وصعوبة التوصل إلى توافق حول الخيارات الممكنة، كلها عوامل حالت دون اعتماد إصلاح شامل، أو حتى جزئي لأنظمة التقاعد.

ويعد هذا الملف من أكثر الأوراش استعجالا، بالنظر إلى التحذيرات المتكررة بشأن الوضعية المالية لصناديق التقاعد، واحتمالات عجز بعضها عن الوفاء بالتزاماته مستقبلا في حال استمرار الوضع الحالي.

ورغم النقاش الواسع الذي أثاره مشروع مراجعة القانون الجنائي خلال السنوات الماضية، فإن البرلمان لم ينجح في الحسم النهائي في هذا الورش، الذي يتضمن مقتضيات تهم السياسة الجنائية والعقوبات والجرائم المستجدة.

ويعتبر هذا المشروع من بين الإصلاحات التي انتظرها الفاعلون الحقوقيون والقانونيون طويلا، غير أن حساسية عدد من مواده، واختلاف الرؤى بشأنها، جعلا مساره يتعثر أكثر من مرة.

من بين الملفات التي ظلت محل نقاش واسع أيضا مشروع قانون المسطرة الجنائية، الذي أثار جدلا كبيرا بسبب عدد من المقتضيات، خاصة تلك المرتبطة بتقييد صلاحيات جمعيات المجتمع المدني في التبليغ عن جرائم المال العام، إلى جانب مواد أخرى همت صلاحيات الشرطة القضائية والنيابة العامة وضمانات المحاكمة العادلة.

ورغم تقدم مناقشة المشروع داخل البرلمان، فإن الجدل الذي رافقه كشف حجم الانقسام حول عدد من مواده.

مدونة الأسرة وقانون الإضراب.. انتظار الصياغة النهائية

شكل إصلاح مدونة الأسرة أحد أكبر الأوراش المجتمعية خلال هذه الولاية، بعدما أعطى الملك محمد السادس تعليماته بإطلاق مراجعة شاملة للنص.

ورغم انتهاء المشاورات وإعلان التوجهات الكبرى للإصلاح، فإن المشروع النهائي لم يستكمل مساره التشريعي داخل البرلمان، ما يجعل المصادقة عليه من أبرز رهانات المرحلة المقبلة.

ويكتسي هذا الورش أهمية خاصة، بالنظر إلى ارتباطه بقضايا الأسرة والمرأة والطفل والميراث والحضانة والنفقة وغيرها من الملفات التي تثير نقاشا مجتمعيا واسعا.

ورغم أن البرلمان صادق نهائيا على القانون التنظيمي للإضراب، فإن هذا الملف ظل عنوانا بارزا للتوتر بين الحكومة والمركزيات النقابية، التي اعتبرت أن النص لم يستجب لمطالبها.

وأظهر هذا المشروع أن تمرير القوانين داخل البرلمان لا يعني بالضرورة إنهاء الجدل حولها، إذ ما زالت النقابات تعتبر أن عددا من مقتضياته تحتاج إلى مراجعة.

المحاماة والعدول والجبايات… قوانين على إيقاع الاحتجاج

شهدت نهاية الولاية تمرير مشروعي قانوني المحاماة والعدول، غير أن المصادقة عليهما لم تنه الخلاف، بل زادت من حدته.

فالمحامون دخلوا في سلسلة من الاحتجاجات والإضرابات، معتبرين أن القانون الجديد يمس باستقلالية المهنة، قبل أن يحال النص على المحكمة الدستورية للبت في مدى مطابقته للدستور.

أما العدول، فقد واصلوا بدورهم الاحتجاج ضد مشروع القانون المنظم لمهنتهم، معتبرين أن عددا من مطالبهم الجوهرية لم يتم الأخذ بها.

ورغم شروع وزارة الداخلية في إعداد إصلاحات واسعة للجبايات المحلية، فإن المنظومة القانونية المنظمة للضرائب والرسوم المحلية ما زالت تحتاج إلى مراجعة أعمق.

وجاء ذلك في وقت كشفت فيه تقارير رسمية عن اختلالات كبيرة في استخلاص المداخيل المحلية، وضياع مليارات الدراهم، بسبب ضعف التحصيل وغياب قواعد بيانات دقيقة للملزمين.

الشركات الجهوية متعددة الخدمات وإصلاح الوظيفة العمومية

من الملفات التي لم يكتمل تنزيلها أيضا مشروع نقل تدبير خدمات الماء والكهرباء والتطهير السائل إلى الشركات الجهوية متعددة الخدمات.

ورغم انطلاق هذا الورش في عدد من الجهات، فإن إشكالات تقنية وإدارية ما زالت تؤخر استكمال العملية، خصوصا ما يتعلق بنقل المستخدمين والأصول والتجهيزات من الشركات المفوض إليها التدبير إلى الشركات الجهوية الجديدة.

كما بقيت ملفات مرتبطة بإصلاح الوظيفة العمومية دون حسم، وعلى رأسها مراجعة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، وتحديث منظومة تقييم الأداء والترقي، فضلا عن مراجعة عدد من الأنظمة الأساسية الخاصة.

إصلاح التعليم العالي والمنظومة الصحية

في قطاع التعليم العالي، ورغم التوصل إلى اتفاقات مع النقابة الوطنية للتعليم العالي، فإن بعض الالتزامات الحكومية لم يتم تنفيذها، وعلى رأسها احتساب الأقدمية لفائدة الأساتذة الباحثين الذين سبق لهم الاشتغال في قطاعات أخرى بالوظيفة العمومية، بسبب اعتراض قطاعات حكومية أخرى.

ورغم إخراج مجموعة من النصوص المرتبطة بالحماية الاجتماعية، فإن عددا من القوانين التطبيقية المرتبطة بإصلاح المنظومة الصحية ما زالت تنتظر الاستكمال، خاصة تلك المتعلقة بالحكامة الصحية وتنظيم بعض المهن.

كما لم يشهد البرلمان تقدما كبيرا في عدد من النصوص المرتبطة بالتحول الرقمي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي وحماية المعطيات الرقمية، رغم تسارع التحولات التي يعرفها هذا المجال.

 

تقييم للحصيلة التشريعية

يرى محمد العمراني بوخبزة، أستاذ القانون العام بجامعة عبد المالك السعدي، أن الإشكال لا يتعلق فقط بعدد القوانين التي صادق عليها البرلمان، وإنما بمدى نجاعتها وجودتها.

ويؤكد، في تصريح لـ«الأخبار»، أن المغرب «ألف إضاعة الزمن التشريعي»، إذ تتكرر مع نهاية كل ولاية حالة الاستعجال لإخراج النصوص القانونية، في حين كان بالإمكان برمجتها ومناقشتها في وقت مبكر.

ويضيف أن الأغلبية الحالية، رغم أريحية وضعها داخل البرلمان، مرت بعدد من المحطات الصعبة، خصوصا مع القوانين التي مست فئات واسعة، مثل قانون الإضراب، وقوانين المهن القضائية، والتي أثارت نقاشات مجتمعية حادة.

ويرى بوخبزة أن أحد أبرز أعطاب المؤسسة التشريعية يتمثل في تراجع جودة التشريع، موضحا أن «المعيار الحقيقي ليس عدد القوانين التي يتم التصويت عليها، بل مدى قدرتها على معالجة الإشكالات المطروحة وإحداث أثر ملموس في حياة المواطنين».

وأضاف أن عددا من النصوص القانونية لا ينعكس أثرها بشكل مباشر على الواقع، بسبب ضعف الدراسات القبلية، وغياب تقييم حقيقي للأثر التشريعي، فضلا عن محدودية آليات تتبع تنفيذ القوانين بعد دخولها حيز التطبيق.

ويخلص أستاذ القانون العام إلى أن البرلمان المقبل سيكون مطالبا ليس فقط باستكمال القوانين المؤجلة، وإنما أيضا بإعادة الاعتبار لجودة التشريع، واعتماد مقاربة تقوم على الإنصات للفاعلين والمؤسسات والخبراء، بما يضمن إنتاج قوانين أكثر استجابة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية، وأكثر قدرة على تحقيق الأثر المطلوب في الواقع.

 

محمد العمراني بوخبزة*:

«ألفنا إضاعة الزمن التشريعي وضعف جودة القوانين أحد أبرز أعطاب البرلمان»

 

1 – ما أبرز الملفات والقوانين التي ما زالت عالقة في رفوف مجلس النواب مع اقتراب نهاية الولاية التشريعية؟

قبل الحديث عن القوانين العالقة، تنبغي الإشارة إلى ملاحظة أصبحت للأسف تتكرر مع نهاية كل ولاية تشريعية، وهي أننا في المغرب دأبنا، أو إذا صح التعبير ألفنا، إضاعة الزمن التشريعي. ففي بداية كل ولاية يكون هناك حديث عن أولويات كبرى وبرامج تشريعية طموحة، لكن مع مرور السنوات يتبين أن الإيقاع يبقى بطيئا، قبل أن ندخل في سباق مع الزمن خلال الأشهر الأخيرة من الولاية.

هذه الظاهرة أصبحت شبه بنيوية في الممارسة البرلمانية المغربية، رغم أن الأغلبية الحكومية الحالية كانت تتمتع منذ بداية الولاية بأغلبية مريحة داخل مجلسي البرلمان، وكان من المفترض أن ينعكس ذلك على سرعة إخراج النصوص القانونية وجودتها. غير أن الواقع أبان أن توفر الأغلبية العددية لا يعني بالضرورة نجاعة تشريعية، أو قدرة على تدبير الزمن البرلماني بالشكل المطلوب.

لقد تمت المصادقة على عدد من القوانين المهمة، لكنها في المقابل كانت مثار نقاش وجدل واسع، لأنها مست فئات اجتماعية ومهنية كبيرة، كما وقع بالنسبة إلى قانون الإضراب، وقوانين المهن القضائية، وعلى رأسها المحاماة والعدول، وغيرها من النصوص التي خلقت توترا مجتمعيا ومهنيا بدل أن تحقق التوافق المطلوب.

وفي المقابل، ما زالت ملفات وإصلاحات أخرى لم تستكمل بالشكل المطلوب، أو لم تر النور أصلا، رغم أهميتها الاقتصادية والاجتماعية. وهذا يطرح سؤالا حقيقيا حول كيفية ترتيب الأولويات داخل المؤسسة التشريعية، وحول العلاقة بين الحكومة والبرلمان في تدبير الأجندة التشريعية.

ما نلاحظه أيضا هو أن عددا من القوانين يصل إلى البرلمان متأخرا جدا، الأمر الذي يجعل النواب أمام ضغط زمني كبير، فتتقلص إمكانيات النقاش والتجويد، وهو ما ينعكس في النهاية على جودة النصوص القانونية.

 

2 – إلى أي حد يمكن أن يؤثر اقتراب موعد الانتخابات التشريعية على استكمال البرلمان لمساره التشريعي، خاصة بالنسبة إلى القوانين التي تهم فئات واسعة وتشكل خزانات انتخابية للأحزاب؟

لا يمكن فصل التشريع عن السياق السياسي، خصوصا عندما نكون أمام نهاية ولاية تشريعية واقتراب انتخابات عامة. في مثل هذه المراحل تصبح الحسابات السياسية والانتخابية حاضرة بقوة، سواء بالنسبة إلى الأغلبية أو المعارضة.

هناك قوانين تمس فئات اجتماعية ومهنية واسعة، وهذه الفئات تمثل في الوقت نفسه كتلا انتخابية مهمة بالنسبة إلى الأحزاب. لذلك يصبح التعاطي مع هذه النصوص أكثر حساسية، لأن كل قرار قد تكون له كلفة سياسية أو انتخابية.

الأحزاب، سواء داخل الحكومة أو خارجها، تصبح أكثر حرصا على عدم خسارة قواعدها الانتخابية، وقد يؤدي ذلك إلى تأجيل بعض الإصلاحات، أو محاولة تمريرها في ظروف معينة، أو حتى تجنب فتح ملفات تعتبر مكلفة سياسيا.

لكن في المقابل، لا ينبغي أن تتحول الانتخابات إلى مبرر لتعطيل المؤسسة التشريعية. البرلمان مؤسسة دستورية مطالبة بمواصلة أداء وظائفها إلى آخر يوم من ولايتها، وليس فقط خلال السنوات الأولى منها.

الإشكال الحقيقي هو أن مناخ ما قبل الانتخابات غالبا ما يجعل النقاش التشريعي يخضع لمنطق التموقع السياسي أكثر من خضوعه للنقاش المؤسساتي الهادئ. فتكثر المزايدات، وتتراجع فرص التوافق، ويصبح كل طرف منشغلا أيضا بإرسال رسائل انتخابية إلى الرأي العام.

وهذا لا يخدم دائما جودة التشريع، لأن القانون يحتاج إلى نقاش موضوعي بعيد عن الحسابات الظرفية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بنصوص تؤثر في قطاعات حيوية أو تمس حقوق المواطنين ومصالحهم المباشرة.

 

3- برأيكم، ما أبرز الأعطاب التي حالت دون استكمال عدد من القوانين، وما الذي يكشفه ذلك عن واقع المؤسسة التشريعية؟

أعتقد أن الإشكال يتجاوز مجرد تعثر بعض القوانين، لأنه يرتبط بمنظومة التشريع ككل. من بين أبرز الأعطاب التي أصبحت واضحة خلال السنوات الأخيرة، تراجع جودة التشريع مقارنة بحجم التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.

اليوم لم يعد المعيار هو عدد القوانين التي يتم التصويت عليها، وإنما مدى نجاعتها وقدرتها على معالجة الإشكالات التي جاءت من أجلها. وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن نطرحه بعد كل ولاية تشريعية.

للأسف، نلاحظ أن عددا من القوانين، رغم المصادقة عليها، لا يترك أثرا مباشرا وملموسا في الواقع. فالمواطن لا يشعر دائما بأن النصوص القانونية الجديدة انعكست على تحسين الخدمات، أو معالجة الاختلالات، أو تطوير الأداء الإداري أو الاقتصادي أو الاجتماعي.

وهناك أيضا إشكالية مرتبطة بالدراسات القبلية وتقييم الأثر التشريعي. ففي العديد من الحالات يتم إعداد القوانين دون تقييم كاف لانعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية، ثم بعد المصادقة عليها تظهر صعوبات في التطبيق أو احتجاجات من الفئات المعنية.

كما أن العلاقة بين الحكومة والبرلمان تحتاج إلى مزيد من التوازن، لأن البرلمان لا ينبغي أن يتحول فقط إلى فضاء للمصادقة على مشاريع الحكومة، بل يفترض أن يمارس دوره كاملا في المناقشة والتعديل والمبادرة والتقييم.

ومن الأعطاب كذلك ضعف تقييم السياسات العمومية بعد إصدار القوانين. فالممارسة الديمقراطية لا تنتهي عند نشر القانون في الجريدة الرسمية، بل تبدأ بعد ذلك مرحلة قياس أثره، ورصد مكامن القوة والضعف، وإدخال التعديلات الضرورية عند الحاجة.

في النهاية، أعتقد أن تطوير المؤسسة التشريعية لا يرتبط فقط بتعديل النظام الداخلي، أو تسريع وتيرة المصادقة على القوانين، وإنما يتطلب إعادة الاعتبار لجودة التشريع، وللخبرة القانونية، وللإنصات إلى مختلف الفاعلين، حتى تصبح القوانين أكثر استجابة لانتظارات المجتمع وأكثر قدرة على تحقيق الأثر الذي وضعت من أجله.

 

* أستاذ القانون العام بجامعة عبد المالك السعدي

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى