قصة مدرسة خصصها محمد الخامس لأيتام الشهداء
«الإسعاف الوطني» جاورت «الكاريان سنطرال» وزارها الرؤساء ثم اختفت

يونس جنوحي
لم يكن عدد تلاميذها يتجاوز 120 تلميذا، كلهم من أبناء أو إخوان الشهداء. أسس الملك الراحل محمد الخامس جمعية «الإسعاف الوطني لأبناء شهداء الاستقلال»، وأطلقت مدرسة بقسم داخلي لإيواء تلاميذ أسر الشهداء..
لم يكن الأمر يتعلق بمدرسة تشكل امتدادا للمدرسة العمومية، بل كان الأمر متعلقا بعطف ملكي خاص على الأيتام. لباس موحد وطباخ خاص ومؤطرون ومشرفون وأساتذة مغاربة وأجانب، ومعايير إقامة لا توفرها إلا المعاهد المرموقة..
كان الملك الراحل محمد الخامس يشرف بنفسه على المدرسة ويزورها دوريا للاطمئنان على التلاميذ، وزارها رؤساء أمثال الرئيس الأمريكي إيزنهاور والمارشال تيتو.. قبل أن تهوي التجربة إلى القاع مع نهاية الستينيات، وتُقبر بطريقة مبهمة، ويختفي أرشيفها دون أن يظهر له أثر!
++++++++++++++++++++++++++++++++
تأسست بمعايير دولية قبل 70 سنة وهذه قصة «إقبارها»
قدماؤها من أبناء شهداء المقاومة وذويهم. تأسست مدرسة «الإسعاف الوطني لأبناء شهداء الاستقلال» سنة 1957، ودرس بها أبناء الشهداء بأمر وتوجيه خاص من الملك الراحل محمد الخامس شخصيا.
ذ. عبد الرحمن السامي، ابن الشهيد العربي السامي، وهو أحد شهداء المقاومة الذي اغتاله أفراد الدائرة الأمنية السابعة المعروفة بـ«الساتيام» -البوليس السياسي- سنة 1956 في إطار تصفية المقاومين، خصنا في «الأخبار» بمعلومات حصرية عن تجربة هذه المدرسة الداخلية التي كان من بين تلاميذها. يقول:
«التحقت بهذه المدرسة في موسم 1958، بعد استشهاد والدي بحوالي سنتين. لم أكن الوحيد من أبناء الشهيد ممن التحقوا بها، فقد التحق بها إخوتي تباعا، واستفدنا من نظامها الداخلي، ويمكنني القول اليوم إن معايير الدراسة والإيواء بها كانت سابقة لزمنها بعقود طويلة.
تأسست هذه المدرسة بجوار «الكاريان سنطرال»، في الحي المحمدي، بجانب ملعب الاتحاد البيضاوي، حيث كنا نتابع المباريات، وعشنا بالقرب من تلك الأجواء.
أما أساتذتنا فقد كانوا كثر، لكني أذكر من بينهم كلا من سي محمد تيمورية، وسي محمد الخطيب. سي تيمورية كان عطوفا ويعاملنا باللين، في حين أن سي الخطيب كان صارما ومهابا.
كانت تشرف علينا أيضا السيدة ماري، هي وزوجها، وكانت تعطف علي كثيرا، بحكم أنها تعرفت على والدتي أثناء الزيارات العائلية التي كانت تنظمها لنا الإدارة، لتتيح للأسر الاطمئنان على أبنائهم في القسم الداخلي.
كما كان يشرف علينا الأخوان كالاتابو.. أما بالنسبة إلى مدرسة البنات فقد كانت تشرف عليها مدرسات فاضلات، أذكر من بينهن «ماما خديجة»، وأم كلثوم..
كان لدينا طباخ إسباني، لكنه ولد في تطوان، كنا نناديه «با سانتوس»، وكان طباخا متمرسا سهر على تأمين وجبات أزيد من 120 تلميذا، كنا جميعا نزلاء بالقسم الداخلي لهذه المدرسة.
أما المشرفون على النظام في القسم الداخلي فهم سي بوعبيد وبوشعيب، وسي الشافعي، وقد كانوا يسهرون على النظام ويتأكدون من التزام الجميع بالبرنامج اليومي الصارم.
كانت هناك سيارة من الحجم الكبير، مخصصة لنقل التلاميذ إلى الجولات أو الخرجات التي تنظمها المدرسة، وأذكرها جيدا، فقد كانت من نوع «فولسفاغن» الألمانية، ولونها أزرق، أما سائقها فهو «با علي» رحمه الله.
ولكي أقربكم من مستوى المدرسة، فأذكر أنه في سنة 1959، وصل خبر رسو بارجة أمريكية ضخمة في ميناء الدار البيضاء. وحجزت لنا إدارة المدرسة يوما كاملا، ونظمت لنا جولة تفقدية لهذه البارجة. وليس هذا فحسب، بل أعطي الأمر لكي تجهز لنا بذلة موحدة جديدة، لكي نلبسها يوم الزيارة. وهذه البذلة كانت عبارة عن زي البحرية الموحد، وحصل كل واحد منا – بدون استثناء- على بذلته، وتوجهنا إلى تلك البارجة، وقضينا يوما كاملا في تفقد أقسامها وآلاتها ومدافعها، وفي المساء عدنا منبهرين إلى القسم الداخلي.
وبما أننا نتحدث عن الأمريكيين، فإن الرئيس الأمريكي إزنهاور زارنا في المدرسة، في زيارته التاريخية إلى المغرب بداية شهر دجنبر 1959، ولا زلت أحتفظ بمشاهد من تلك الزيارة.
لقد عشنا في تلك التجربة لحظات تاريخية استثنائية، وكانت الأنشطة التي استفدنا منها نحن أيتام الشهداء، تعكس المستوى المتقدم الذي امتازت به هذه المدرسة في ذلك الوقت».
يتأسف عبد الرحمن السامي، كغيره ممن استفادوا من هذه التجربة التي لم تعمر طويلا، على النهاية المأساوية التي آلت إليها المدرسة. فقد أغلقت أبوابها أواخر الستينيات، وكان آخر موسم دراسي في أروقتها هو موسم 1969.
هكذا أقبرت ذاكرة تجربة مدرسية استثنائية لم تتكرر
يذكر بعض من عاشوا زمن تأسيس مدرسة أبناء الشهداء، في إطار «الإسعاف الوطني لأبناء شهداء الاستقلال»، أن أول رئيس للمدرسة كانت سيدة مغربية من أنجح النساء المغربيات في زمن الاستقلال. فقد كان ولي العهد الأمير مولاي الحسن، الرئيس الشرفي للمجلس، بينما كانت الأميرة للا عائشة العضو الشرفي الأول. كما أن الملك الراحل محمد الخامس، كان يشرف بنفسه شخصيا على سير الحياة المدرسية، ويتفقد التلاميذ دوريا.
يحكي عبد الرحمن السامي لـ«الأخبار»، من قدماء تلاميذ المدرسة والكاتب العام لجمعية أبناء شهداء الاستقلال التي تأسست سنة 1987: «للأسف لا يحضرني اسم السيدة المديرة، لكن لا أزال أذكر أناقتها، وقوة شخصيتها. فقد كانت تأتي إلى المدرسة، ونلمحها نحن التلاميذ وهي تنزل من سيارتها الفخمة من نوع «فولفو»، وتتجه إلى الإدارة. وكنا أيضا نسمع أنها مديرة فرع شركة «فولفو» في المغرب. كانت شخصيتها قوية ومهابة الجانب، وتحظى بثقة الملك الراحل محمد الخامس الذي عهد إليها برئاسة المدرسة».
يقول ذ. عبد الرحمن السامي إن بداية المأساة كانت عندما انتقل هو إلى القسم الثانوي، أواسط الستينيات.. وكانت تلك اللحظة التي اكتشف فيها شخصيا أن مستوى تلاميذ «الإسعاف الوطني» كان متقدما كثيرا مقارنة مع تلاميذ المدارس النظامية. لكن المؤسف، كما يسجل السامي، أن تلك الفترة عرفت بداية أزمة المدرسة.
ففي الوقت الذي كان فيه جيل عبد الرحمن السامي يلتحقون بالمدارس الثانوية، كان لا يزال يستفيد من القسم الداخلي بمدرسة الإسعاف الوطني، ولاحظ بداية تدهور ظروف الإقامة. وبعد أن غادر القسم الداخلي نهائيا، كانت أخته الصغرى لا تزال تلميذة في المدرسة، وتتابع دراستها في قسم البنات، وتنقل إليه أخبار التراجع الكبير في ظروف الإقامة. وهو ما تأكد لاحقا عندما اختفت لوحات فنية كانت قد أهديت إلى إدارة المدرسة في وقت سابق، وقيل إنها بيعت لتأمين نفقات مطبخ القسم الداخلي.
يقول السامي معلقا عن هذه المرحلة: «حلت المأساة في النصف الأخير من ستينيات القرن الماضي. ولم نصدق ما سمعناه في البداية، لكن تأكد لنا فعلا أن المستوى قد تراجع. فقد عاينت شخصيا وأنا لا أزال تلميذا في المرحلة الثانوية، كيف أن سائق حافلة المدرسة، كان يتجول بين المحلات في الدار البيضاء ويحصل منهم على الحلوى التي لم تُبع في المحلات ويأخذها لإطعام أيتام الشهداء. وتعمقت الأزمة أكثر عندما اختفى الزي الموحد والأنشطة التي طالما استفاد منها جيلنا في السابق.
حاولت رفقة بعض الأصدقاء أن نثير انتباه المسؤولين لهذه المأساة المؤلمة، وتوجهنا إلى مكتب مديرة التعاون الوطني التي آلت إليها مسؤولية إدارة المدرسة في ذلك الوقت، وأخبرت السيدة المديرة أنه يتعين عليها أن تأتي بشكل مفاجئ، لكي تعاين بنفسها الظروف المزرية التي يقيم فيها الأيتام.. لكن للأسف لم يتغير شيء، رغم الشكاية التي تقدمنا بها. ومع نهاية الستينيات كانت المدرسة قد أغلقت أبوابها نهائيا، ولم نتمكن حتى من استرجاع أرشيفها إلى اليوم».
يقول السامي إنه رفقة بعض قدماء المدرسة أسسوا جمعية لأبناء الشهداء سنة 1987، وجرى اجتماع بينهم وبين عامل الدار البيضاء وقتها، وتقدم لهم بوعد شفهي مفاده أنه سوف يمنح مقر المدرسة إلى الجمعية لكي تحوله إلى مقر لها وأيضا لكي يتحول إلى متحف شاهد على هذه التجربة الفريدة، لكن لم ينفذ الوعد نهائيا، كما أن قدماء التلاميذ يتساءلون عن لغز اختفاء الأرشيف الخاص بالمدرسة، وما يشكله الأمر من «عبث بالذاكرة الجماعية»، و«إقبار لمرحلة بأكملها».
+++++++++++++++++++++++++++++++
قصة جمعية حولت «حُلما» راود محمد الخامس إلى حقيقة
في سنة 1957، أعطى الملك الراحل محمد الخامس انطلاقة «الإسعاف الوطني لأبناء شهداء الاستقلال».. وهي إطار جمعوي خرجت من رحمه قصة مدرسة داخلية نموذجية بمعايير دولية، استمرت قرابة عشر سنوات، ثم توقفت بشكل مفاجئ، ومؤسف في آن.
لكن الفكرة لم تكن وليدة لحظتها، بل كانت عصارة «همّ» شخصي حمله الملك الراحل وأسر به للمقربين منه. فقد كان يعطف شخصيا على أسر شهداء الاستقلال، خصوصا وأن أخبار استشهاد بعضهم وبطولاتهم كانت قد وصلت إليه وهو في منفاه هناك في مدغشقر ما بين سنتي 1953 و1955. وهكذا فقد كان الملك الراحل يتعامل مع ملف أيتام شهداء الاستقلال وذويهم بنوع من العاطفة، سيما وأن باب مكتبه كان مفتوحا لعدد من الأسر المعوزة من أبناء الشهداء وذويهم، وكانت تصل إليه عن طريق مقربيه قصص «مآس» إنسانية تعيشها أسر أيتام المقاومة، والشهداء الذين نفذوا عمليات خلال فترة وجوده في المنفى.
عندما اكتملت فكرة «الإسعاف الوطني لأبناء شهداء الاستقلال»، وجه الملك الراحل محمد الخامس خطابا إلى المغاربة، زف فيه خبر إطلاق المجلس، وبدء تجهيزات فتح أول مدرسة في المغرب لإيواء أبناء الشهداء وذويهم.. وقد جاء في الخطاب الملكي الذي سبق موسم 1957 الدراسي:
«لعلنا جميعا نعرف مدى ما أفادته معركة التحرير الوطني من تضحيات أبطالنا المقاومين أولئك الذين اشتروا بدمائهم الطاهرة حرية الوطن، وافتدوا بأرواحهم الزكية كرامة العرش فضربوا بذلك أروع الأمثلة على إخلاصهم المتين، وتفانيهم الكامل في محبة البلاد وحامي حماها. ولقد كانت تضحياتهم في الحقيقة خير تعبير عما يتوفر عليه الشعب المغربي من وعي شامل، وما يسود جميع طبقاته من شعور عميق بما يفرضه الواجب الوطني المقدس. وإذا كان تكتل جميع القوى الشعبية في البلاد وتضافر جهود العناصر الحية كلها أثناء الكفاح قد أثمر عن تحقيق الأماني القومية وانتصار الحق والاستماتة وشرف التضحية والشهادة ابتغاء مرضاة الله والوطن والملك، لذلك فإن أيسر واجب علينا ملكا وحكومة وشعبا تقديرا لمواقفهم العظيمة وإعزارا بأياديهم البيضاء على البلاد أن نولي أبنائهم كامل عنايتنا ونبسط لهم جناح رعايتنا، ونسعى إلى إشعارهم بأنهم واجدون فينا آباء لا يقلون عن آبائهم رأفة وحنانا، وعطفا وإحسانا، ونحمد الله على أن شرح لفهم ذلك صدور ثلة من ذوي الأريحية والغيرة من رعايانا المخلصين، فقاموا بتأسيس جمعية نال مشروعها الذي قدم إلينا رضا واستحسانا وحقق لنا أملا طالما استشرفنا لتحقيقه، مما حدا بنا إلى أن نضفي عليها رداء عنايتنا ونجعلها تحت الرياسة الشرفية لسمو ولي عهدنا، كما أبينا إلا أن تكون الأميرة عائشة في طليعة أعضائها الشرفيين. وقد أطلقنا عليها اسم جمعية الإسعاف الوطني لكفالة أبناء شهداء الاستقلال، وأمرنا بمد فروع لها بمراكش وغيره..».
الملك محمد الخامس كان يزور المدرسة دوريا
الملك الراحل محمد الخامس كان ضيفا دائما على المدرسة. يقول ذ. عبد الرحمن السامي مستعيدا هذه الذكريات:
«أذكر أن الملك الراحل كان يزور المدرسة بانتظام، في إطار جولات تفقدية لأحوال إقامة أبناء الشهداء.
لقد كان رحمه الله يفاجئنا عشرات المرات، منذ التحاقي بالمدرسة في موسم سنة 1957-1959، بزيارات تفقدية لم يكن يستثني منها أي جانب من جوانب المدرسة. سواء تعلق الأمر بالأقسام أو غرف الإيواء، أو المطبخ. ويشرف بنفسه على الوجبات المقدمة لأيتام الشهداء.
وما أثر في نفسي وأنا لا أزال طفلا في سن العاشرة أو الحادية عشرة.. زيارة مسائية للملك الراحل محمد الخامس. كانت ليلة خميس، وزارنا بعد أن انتهينا من تناول طعام وجبة العشاء.
كان المؤطرون بصدد توجيهنا للإيواء إلى أسرّتنا والاستعداد للنوم، فإذا بنا نفاجأ بالملك الراحل محمد الخامس يدخل علينا إلى مكان النوم، بدون أي كلفة، ويسلم علينا، وشرع يمرر يده الكريمة فوق رؤوس التلاميذ الأيتام ويسأل بعضنا عن ظروف الإيواء وسير الدراسة، وخص التلاميذ بحيز وفير من وقت جلالته، قبل أن يودعنا ويوصينا بالاهتمام بالتحصيل العلمي.
استمرت هذه الزيارات إلى آخر حياة الملك الراحل، ولم تتوقف إلا بوفاته رحمه الله».
يقول ذ. السامي، إن الملك الراحل محمد الخامس عندما أعطى الأمر لتأسيس المدرسة، كانت ميزانيتها تأتي أساسا من مؤسسة رئاسة الحكومة المغربية، ولم تكن ميزانيتها السنوية تواجه أي مشاكل. لكن «المأساة» بدأت بعد سنة 1962، أي بعد وفاة الملك الراحل بسنة تقريبا، حيث سجل تراجع كبير في ظروف الإيواء، قبل أن تغلق المدرسة نهائيا مع نهاية الستينيات.
المارشال تيتو أهدى أبناء الشهداء تجهيزات سينما
عندما زار المارشال تيتو المغرب في مارس 1961، كان خبر وصوله إلى الدار البيضاء قد حاز فعلا اهتمام الصحافة الدولية. حظي المارشال القادم من «يوغوسلافيا» في تلك الفترة الحرجة من التاريخ الدولي باستقبال دافئ، وخرج المغاربة إلى الشوارع لرؤية المارشال إلى جانب الملك الراحل محمد الخامس.
تلاميذ «الإسعاف الوطني»، كانوا في الأقسام الداخلية، على موعد خاص مع المارشال. فقد حازت فكرة مدرسة أبناء الشهداء إعجابا كبيرا من طرف المارشال، وقرر أن يهدي التلاميذ تجهيزات سينما متكاملة، وكانت عبارة عن آلة عرض الأفلام، بالإضافة إلى عشرات الأسطوانات التي تحتوي على أفلام عالمية، وحولت الإدارة إحدى القاعات الفسيحة إلى قاعة للسينما بمعايير حديثة. لقد كانت هدية المارشال معتبرة، وخلقت تحولا نوعيا في حياة التلاميذ والأساتذة في آن.
فقد كان التلاميذ يسمعون عن مغامرات حضور عروض السينما في القاعات التي انتشرت في الدار البيضاء، وقصص الأفلام المصرية والأمريكية.. لكن صرامة النظام الداخلي لم تكن لتتيح لهم حرية مغادرة المدرسة لحضور الأفلام في أي وقت يريدون..
وهكذا جاءت هدية المارشال تيتو لكي تشكل «ثورة» بصرية حقيقية في حياة أبناء الشهداء وذويهم من تلاميذ المدرسة. فقد وضعت الإدارة برنامجا لعرض الأفلام، وخلق الأمر تباينا في أوساط التلاميذ، خصوصا وأن بعضهم كانوا يفضلون أفلام «الويسترن» الأمريكية، بينما آخرون يفضلون أفلاما أخرى. وأمام اختيار الإدارة عرض أفلام بعينها دون أخرى، سجلت لأول مرة في تاريخ المدرسة حالة إضراب، خاضها التلاميذ في تلك السنة لكي تحقق لهم الإدارة مطلب مشاهدة الأفلام التي تحظى بشعبية كبيرة في القاعات الأخرى خارج أسوار المدرسة الداخلية.
حكاية انبهار أمريكي بتجربة رعاية أيتام الاستقلال
في سنة 1958، زار المغرب إطار بنكي أمريكي اسمه «د. ثيودور مانهام»، وهو باحث أمريكي اشتغل على عدد من القضايا السياسية والاجتماعية في شمال إفريقيا ما بين سنتي 1959 و1965، وسبق له أن التقى المهدي بن بركة في المغرب، وفي باريس. وقد كان يراسل عددا من المجلات العلمية والنشرات البحثية، ونشر فيها ورقات علمية ومشاريع أبحاث خلال تنقلاته وسفرياته، التي امتدت لقرابة عشرين سنة.
وقبل وفاته سنة 1991، راكم د. مانهام عددا من الدراسات المهمة عن المنطقة المغاربية عموما، لكن أبرز ما تناوله بخصوص المغرب، يتعلق بتجربة فجر استقلال المغرب والانتقال إلى تدبير الشأن العام في ظل حكومة بلافريج. فقد التقى د. مانهام بكل من المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد، ونقل عنهما تصورهما للشأن العام بعد استقلال المغرب، كما التقى وزير الداخلية المغربي إدريس المحمدي. وكتب استطلاعا عن مدرسة أبناء شهداء الاستقلال، التي زارها في يناير 1959، في إطار زيارته الأولى وقتها إلى المغرب، وننقل هنا ترجمة حصرية لإفادة هذا الباحث:
«تلقيت دعوة كريمة في الدار البيضاء لزيارة مقر مدرسة تابعة لجمعية «الإسعاف الوطني لأبناء شهداء الاستقلال». كان مقررا أن ترسل الإدارة من يقلني من الفندق إلى المدرسة. ولم تستمر الرحلة سوى قرابة عشرين دقيقة، عبرت خلالها مركز المدينة في اتجاه «هامشها»..
عندما بدأت تظهر أمامي منازل متواضعة، وأحياء مزدحمة بالراجلين والعربات، فكرت أن المدرسة سوف تنتمي إلى محيطها أيضا. لكن عندما توقف السائق أمام البوابة الحديدية، والتفت إلي مبتسما، في إشارة إلى أننا وصلنا إلى وجهتنا، لاحظت الفرق الكبير بين بناية المدرسة وبين محيطها.. إذ لم يكن يفصلها عن أشهر حي هامشي يؤوي الطبقة العاملة في الدار البيضاء، سوى شارع واحد فقط.
فُتح الباب، وتوقفت السيارة في قلب الساحة، وهنا كانت المفاجأة، فقد وجدت صفوفا متراصة من عشرات التلاميذ، يرددون أغنية وطنية. ملابسهم نظيفة، ويحيط بهم المعلمون من كل جانب.
ما أن انتهت فقرة النشيد، حتى شرع التلاميذ يتوجهون في خطوات منسقة ومحسوبة إلى الأقسام، في حين انتشلني من أفكاري صوت خشن:
-«موسيو.. تفضل من هنا». خاطبني محدثي بفرنسية متكسرة، وعرفت في ما بعد أنه يشتغل في الإدارة، ويتولى مراقبة انضباط التلاميذ بعد الحصص ويسهر على النظام في القسم الداخلي.
بدأت جولتي في الأقسام، حيث اصطحبني أستاذ يتحدث الفرنسية بطلاقة، في حين كنت أبذل مجهودا كبيرا لكي أترجم أسئلتي إلى كلمات فرنسية مقتضبة ومفهومة. لم أجد أحدا يتحدث الإنجليزية.
قال مرافقي إن كل التلاميذ أبناء شهداء قتلوا على يد الشرطة أو الجيش الفرنسي، وبينهم أبناء شهداء نفذت فيهم الحكومة الفرنسية حكم الإعدام قبل 1955. ثم واصل:
-هنا أفضل من منازل أسرهم، لأن أغلبهم ينتمون إلى أسر معوزة، خصوصا بعد استشهاد رب الأسرة. نوفر لهم كل ما يحتاجونه، وبرنامج الدراسة هنا مكثف. وبعد سنوات قليلة فقط سوف يكون لدينا خريجون مؤهلون للدراسة في أرقى الجامعات في الخارج.
كان لدي فضول لكي أرى جناح البنات، فقد سمعت الكثير من القصص «المأساوية» عن منع الفتيات من الدراسة. لكني عاينت في قسم البنات، تجربة تفند هذا الطرح. دخلت إلى قسم خاص بالبنات، ووجدت أستاذة ترتدي الجلباب المغربي، وتخفي وجهها بمنديل مطروز من المناديل المحلية التي ترتديها النساء المغربيات في الشوارع. وتشرح للبنات أسس العمليات الحسابية في الرياضيات.
لاحظتُ أن هناك تفاوتا كبيرا في أعمار الفتيات اللواتي يتبعن شرح المدرسة بخشوع، إلى درجة أنهن لم يلتفتن نهائيا لرؤية الضيف الغريب عن المدرسة. لكن الارتباك بدا واضحا على الأستاذة، قبل أن نغادر».
قصة نوابغ من أيتام الشهداء
كثيرة هي الأسماء التي تخرجت من المدرسة التي أشرفت عليها جمعية إسعاف أبناء الشهداء. يقول ذ. عبد الرحمن السامي في حديثه الخاص إلى «الأخبار»:
«كنا مجموعة من أبناء الشهداء، ومن مختلف الطبقات الاجتماعية. لكن الأغلبية كانوا ينحدرون من أسر معوزة، وتعمقت معاناتهم بعد استشهاد معيل الأسرة. وكانت هذه المدرسة بالتالي فرصة النجاة الوحيدة بالنسبة إليهم.
درستُ إلى جانب كل من عبد الكريم الزرقطوني، وأحمد الزرقطوني -المحامي-، ابن الشهيد وأخوه الأصغر، بالإضافة إلى تلاميذ آخرين من أبناء الشهداء مثل السيد محمد الذهبي، الذي أصبح لاحقا مديرا لجامعة الأخوين، وسي المكي الذي أصبح طبيبا بيطريا..
إلى جانب هؤلاء، كان هناك تلاميذ آخرون، منهم من تخرجوا وأكملوا دراستهم الثانوية، ثم الجامعية، وهناك آخرون لم يكتب لهم أن يبصموا على مسار دراسي مميز، لأسباب متداخلة يطول شرحها.
كان التفوق عنوان هذه المدرسة، وأغلب من مروا من أقسامها كانوا يتوفرون على مستوى تعليمي ممتاز، ومتفوقين مقارنة مع أقرانهم في المدارس الأخرى.
وأذكر أبناء الشهيد المديوني، وهم سي محمد، وأبو بكر، ثم عمر، وأختهم عائشة التي كانت تدرس في قسم البنات. وتجمعني بهم علاقة مميزة، بحكم أننا كنا إخوة في الرضاعة.
لكن أقرب هؤلاء إلي كان هو أبو بكر، وهذا الشخص تحديدا لا يمكنني وصفه سوى بأنه كان «فلتة».. فقد كان موهبة، ويتميز بذكاء خارق.
عندما كنا في المرحلة الابتدائية فقط، كان هو شاعرا، يحوز شعره الإعجاب والتقدير.
أذكر أن المدرسة كانت تنظم لنا مخيما، وكنا نشكل فرقا منافسة. وكنت أنا وهو ومجموعة أخرى من الزملاء من أبناء الشهداء في فريق اخترنا له اسم «صلاح الدين الأيوبي»، وفاجأنا بأن صنع تمثالا لصلاح الدين الأيوبي حاز الإعجاب. لقد شكل التمثال بنفسه بدون مساعدة من أحد، وأبهر الأساتذة والتلاميذ. كما نذكر له أن بعض الأساتذة كانوا يعهدون إليه بتدريس بعض التلاميذ، وكان يحظى بشعبية وتقدير كبيرين، ويساعد التلاميذ في حصص المراجعة.
لقد كان رجلا غريبا، كان مؤسفا أنه لم يحز على مستوى أكاديمي أو علمي مرموق، وتوقف مساره بطريقة درامية ومؤسفة، بعد أن أثر عليه المرض».
يحكي ذ. عبد الرحمن السامي أن هناك لحمة «عجيبة» بين الخريجين، في ما بعد. فقد كانت تجربة هذه المدرسة، والتي لم تستمر طويلا للأسف، مؤثرة في حياة أبناء الشهداء الذين استفادوا منها.
يحكي السامي أيضا عن انتفاء الطبقية بين التلاميذ: «رغم أن المستوى الاجتماعي للتلاميذ كان متباينا، بل وصارخا في بعض الأحيان، إلا أن النظام الداخلي الصارم للمدرسة لم يكن ليظهر فيه هذا التباين. فقد كنا نرتدي اللباس الموحد، ولا يُسمح أبدا بارتداء الملابس التي تأتي بها الأسر. وذلك لضمان المساواة بين الجميع.
لكن عندما ساءت الأمور في المدرسة في منتصف الستينيات، وقد كنتُ حينها قد غادرتها لإتمام تعليمي الثانوي، كنت لا أزال أستفيد من القسم الداخلي، وهالني كيف أن المستوى تراجع كثيرا، وبدأ أبناء الشهداء يعانون من سوء ظروف الإيواء وتراجع مستوى الوجبات الغذائية، وبدا واضحا أن المدرسة صارت تعيش أزمة كبرى، قبل أن يتأكد الأمر لاحقا بإقبار المشروع مع نهاية الستينيات، وإسدال الستار على هذه التجربة الفريدة».





