حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

كتاب “أجمل بلد في العالم” لشامة درشول يسافر نحو اللغة الفارسية


بقلم: شامة درشول

البداية رسالة على “واتساب” من الناشر الصحافي رشيد نيني…

مساء أحد أيام الخريف في أكتوبر 2016، أجلس في غرفة نومي بمنزل العائلة، يصلني إشعار على “واتساب”، أفتح الرسالة، كانت من ناشر جريدة «الأخبار» الصحافي رشيد نيني، كتب فيها: “مرحبا شامة، أعرض عليك أن تكتبي لجريدتنا مقالات تنشر في الصفحة الأخيرة في عمود اخترت له اسم “مشاهدات عابرة”.

كانت علاقتي بصحيفة “الأخبار” بدأت صيف تلك السنة حين راسلت رشيد نيني ناشرا واقترحت عليه نشر حلقات من كتابي “الطريق إلى الربيع العربي”، أتحدث فيه عن كيف تحول حلمي في دخول عالم الصحافة إلى أن أصبح ليس فقط شاهدة على كيف وقع الربيع العربي، بل جزءا من تلك الأسماء التي برزت في المشرق كـ”الحالمون الجدد” بعالم عربي أكثر حرية.

ولجت عالم الصحافة سنة 2006، لكني دخلتها من باب المشرق وليس المغرب، لذلك أجبت الأستاذ نيني يومها: “لكني لم أعتد الكتابة إلا للقارئ المشرقي، أنا مغربية، لكني لم أكتب يوما للقارئ المغربي، أنا لا أعرف كيف أكتب له”، فأجاب الأستاذ ما يزال عالقا في ذاكرتي “فقط اكتبي بنفس الطريقة التي تنشرين بها على صفحتك على فيسبوك”.

وكتبت…

سنة أولى “مشاهدات عابرة”

أتذكر أن أول مشاهدة كانت بعنوان “نحبوكم برشا”، كتبتها من العاصمة تونس، لتبدأ رحلة الثلاث سنوات مع عمود “مشاهدات عابرة”، نشرت خلالها ما يقارب ال 300 مشاهدة، سافرت خلال هذه السنوات الثلاث داخل وخارج المغرب فقط لأشاهد، وأكتب، كان أخي يسخر قائلا: “الناس تكتب لتحصل على راتب وتسافر، وأنت تصرفين ما تحصلين عليه من مقابل مادي على السفر لتكتبي”.

كتبت “المورو”، من بهو فندق في مدريد وأنا أتابع كيف يتابع المتفرج الإسباني مباراة قدم بين إسبانيا والمغرب في مونديال 2018…كتبت “حمار الليل” من على كرسي في حديقة بغرناطة وكانت الساعة تشير إلى منتصف الليل… كتبت “طروتينيط”، من مقهى بجنيف وأنا أتابع “بطل المشاهدة” يترك سيارته الفيراري لرصيف الشارع، ويختار امتطاء “طروتينيط”، كتبت “سهرة الأربعاء” من مطعم صاخب ببيروت، و”نحن والقمر جيران” كتبتها في الطائرة وأنا أحلق من مطار باريس إلى مطار بيروت، كتبت “الليلة الأخيرة” من مقهى فارغ في ليلة باردة من ليالي مونتريال…

كتبت مشاهدات وأنا أجلس بين المصلين في كنيسة في فلورنسا، أو أركب سيارة أجرة تجوب بي شوارع لشبونة، أو أنصت لأم كلثوم في حي الحسين بالقاهرة وهو يختلط مع صوت المؤذن، ومع كل هذا لا أحب أن تصنف هذه المشاهدات في جنس أدب الرحلة، أفضل أن أصنفها في جنس أدبي جديد اسمه “أدب المشاهدة”، لأن عددا لا يستهان به من المشاهدات ال 300 كتب وأنا أجلس في صالون منزلي أشرد في ذكريات الماضي، وأحلام المستقبل، أو بعد أن أنهيت قراءة كتاب، أو تابعت برنامجا على “يوتيوب”، أو شاهدت فيلما انتهت أحداثه لكن أحداثا جديدة تستكمل حلقاتها في ذهني القلق دائما…

كتبت “مشاهدات عابرة” وأنا أعبر الشارع، وأنا أستحم، وحتى وأنا أهرب من مشاهداتي العابرة إلى غابة هلتون بالرباط لأتمشى، وجدت نفسي أكتب…

كنت أكتب المشاهدة في ذهني فور أن تلتقطها عيني، وبعدها أترك للقلم حرية الحكي… كنت أقول لمن يسألني كيف يخطر على بالك كل ما تكتبينه؟ أنه لست أنا من يكتب، القلم هو من يكتب، لو تدخلت فيه لما كتب حرفا، اسألوني عما أكتبه أنا في ذهني، أما ما يكتبه قلمي، فلا سلطة لي عليه، هو نفسه يفاجئني، ويجعلني أضحك أحيانا، وأحيانا كثيرة يخيفني…

مرت السنة الأولى من مشاهدات عابرة، كنت أستيقظ صباح كل يوم لأتفقد بريدي الإلكتروني الذي كان يمتلئ كل صباح برسائل قراء جريدة «الأخبار» يتفاعلون مع ما كتبته سابقا، كانت الرسائل تصلني من كل مكان في المغرب، وحتى خارج المغرب.

توصلت برسائل ثناء من عرب يقيمون في المغرب، ومن مغاربة يقيمون خارج المغرب، أذكر رسالة لطبيب جراح مغربي يقيم بأمريكا، قال فيها إنه يوجد في غرفة الإقلاع بمطار محمد الخامس بالدار البيضاء وأنه استمتع بقراءة “مشاهدات عابرة” وفخور أن المغرب به نساء يكتبن بهذه الحرية. رسالة أخرى توصلت بها من مغربية تقيم في كندا التي هاجرت إليها في السبعينات قالت فيها إنها لا تقرأ بالعربية إلا نادرا وأنها اعتادت القراءة بالفرنسية لكنها استمتعت بقراء “مشاهدات عابرة” على صحيفة “الأخبار” التي تحضرها عائلتها في المغرب كل صباح وحملتها يوما فقط لكسر الملل لتجد نفسها تبحر في كلمات الصفحة الأخيرة.

كانت الرسائل تمنحني الطاقة للاستمرار في المشاهدة والكتابة، أحبها إلى قلبي كانت تلك التي تصلني من المدن البعيدة، أو القرى النائية، رسالة أخبرني فيها قارئ أنه شاب يعاني البطالة ولا شيء يمنحه الأمل أكثر من مشاهدات عابرة، ورسالة من قارئ أخبرني أن والده قلق علي لأنه لا حظ غيابي عن جريدة «الأخبار» لمدة أسبوع وأنه طلب منه أن يبعث لي رسالة ليطمئن أني بخير، كنت طريحة الفراش وقتها، أجبته أني مريضة، وأن رسالته لي شفاء لكل داء.

القارئ خلف القضبان ينقذ “مشاهدات عابرة”

كل الرسائل كانت جميلة، لكن بعد سنة من المشاهدات العابرة أرسلت إلى الأستاذ رشيد وأنا بالمطار في طريقي إلى إسطنبول طلبا لبعض الراحة، أعتذر منه أني تعبت من المشاهدات، ومن الكتابة، وأني أحتاج إلى بعض الصمت، رد أن جريدة «الأخبار» منزلي، وأن عمود “مشاهدات عابرة” هي غرفة التي يمكن أن أعود لفتحها متى شئت.

غبت شهرا، واستيقظت ذات يوم، وكان يوم عيد ميلادي، السادس عشر من مارس، ووجدت على حسابي على “فيسبوك” رسالة تقول:”أنا فلان، خرجت من السجن قبل أيام، أنا كنت أقرأ “مشاهدات عابرة” وأنا في السجن، منذ بدأت أقرأها بدأت أشعر أني حر، لقد كنت أحلق معك خارج أسوار السجن في كل بلد تسافرين إليه” وأضاف في الرسالة: “أنا أهوى الرسم بقلم الرصاص، رسمت صورتك وأنا في السجن، أرجو أن تتقبليها هدية مني على شعوري بالحرية رغم ألم السجن”.

ذرفت الدموع وأنا أقرأ هذه الرسالة، واعتقدت أنها استثناء، لكني فوجئت بعد أيام بتوصلي برسالة من سجين في مدينة أخرى، خرج لتوه من السجن، وأرسل لي هذه المرة على حسابي على “انستغرام”، وقال:” أرجو أن تطلعي على الصورة المرفقة مع هذه الرسالة، أنا أشكرك كثيرا، لقد أثرت في طريقة تفكيري، وأٌقسمت أن أبدأ حياة جديدة حال خروجي من السجن، أريد أيضا أن أبلغك دعوات والدتي، وشكرها لك على الأثر الكبير لقلمك على رؤيتي للحياة”.

اطلعت على الصورة التي أوصى أن أنتبه إليها، كانت لدفتر “كناش”، أعاد فيه كتابة ما أنشره في عمود “مشاهدات عابرة”، ووجدته أسفل الصورة كتب يقول:”لقد كانوا ينزعون منا الصحف بسرعة، وأنا لم أكن قد شبعت من “مشاهدات عابرة” على “الأخبار”، فكنت بدل أن أقرأها، وتختفي باختفاء الجريدة، أستنتسخها على دفتر ورقي، فتظل لي، أقرأها وقتما أشاء، وكيفما أشاء، وبعدد المرات التي أشاء”.

يوم توصلت بهذه الرسائل، بعثت إلى الأستاذ رشيد أخبره أني سأعود إلى بيتي، وافتتحت غرفتي بمشاهدة بعنوان “عيد ميلاد سعيد”.

لقد ولدت من جديد من رسائل قادمة من قارئ جديد لم أكن أعرف عنه شيئا اسمه “القارئ خلف القضبان”. وبفضل هذا القارئ عدت للكتابة، لسنتين، وأكملت ثلاث سنوات، وحين أكملت المشاهدة ال 300 قررت أن أتوقف، بعثت للأستاذ رشيد رسالة: “يفترض أن المرء يعتزل وهو في قمة شهرته”.

وهكذا أصدرت قرار الموت الرحيم في حق “مشاهدات عابرة” حتى لا تخنق شامة درشول، وفتحت صفحة جديدة في عالم الكتابة واخترت منصة “فيسبوك”، وكان هذا العالم هو مجال اشتغالي الذي كنت أتكتم عليه وهو صناعة التأثير من خلال عالم الصحافة والإعلام، ورغم مرور سبع سنوات على إعدام مشاهدات عابرة لازلت أجد تعليقات ورسائل على صفحة على فيسبوك تسألني: “متى تعودين إلى مشاهدات عابرة على الصفحة الأخيرة من جريدة «الأخبار»؟”.

 إلى معرض القاهرة…

بناء على نصيحة الأستاذ رشيد قمت بتجميع المشاهدات العابرة في مؤلف واحد، لكني لم أكن مقتنعة بإصدارها في كتاب، طلبت من صديق هو من القراء الأوفياء لي منذ كنت أكتب على منصة “الجزيرة توك” في قطر، ولأنه كان من قراء مشاهدات عابرة أن يتكلف بتجميع هذه المشاهدات، هذا الصديق اسمه يوسف عثمان وهو يقيم بمدينة كرسيف شرق المغرب، وتطوع أن يطبعها ويقوم بتجميعها في كتاب، وسألني: “ماذا تريدين لها كعنوان؟”، فأجبته بدون تردد “أجمل بلد في العالم”، كانت هذه العبارة هي التي أصف بها المغرب في كتاباتي، ومن كرسيف ولد “أجمل بلد في العالم”، دون أن أعرف أنه سيجد طريقه إلى معرض القاهرة الدولي للكتاب، فما بالك أن أتخيل أنه سيترجم للغة الفارسية، وسترخص له وزارة الإرشاد الإيرانية بطبعه في طهران، وأن القارئ الإيراني سوف يحمل بين يديه كتابا وصل إلى طهران.

كيف حدث هذا؟ لا أعرف

ما أعرفه أن حملات التشهير التي باتت كابوسا يهدد كل من جادت قريحته في مجتمعنا بصوت مختلف عن السائد، والمسموح به، هي نفسها قد تكون المرآة التي تعيد بها النظر إلى نفسك، وتكتشف بعين خصومك ما لم يلفت انتباه عينيك.

وهذا ما حدث معي… لقد أنقذني “أجمل بلد في العالم” من أن أسقط في فخ الضحية، واختار أن أرتدي لباس “الناجية”، وفهمت أن حملات التشهير والاغتيال المعنوي لا تحقق هدفها إلا حين تسمح لها أنت بذلك، وأنا رفضت أن تنتصر علي.

في أوج الأزمة، وصلتني رسالة من صديق مصري يقيم في لندن سبق وحدثته عن “أجمل بلد في العالم” اقترح علي أن يطبعه في دار نشر مصرية، لأشارك به في معرض القاهرة الدولي لسنة 2024، بل اقترح أن أغادر المغرب إلى القاهرة بعيدا عن الضغط، وهذا ما فعلته. وهكذا أنقذني “أجمل بلد في العالم”، وحين سألني الناشر لمن أريد إهداء الكتاب قلت له” للقارئ خلف القضبان… للقارئ في السجون”.

في ماي 2025 سافرت إلى باريس، وهناك في الحي اللاتيني، غير بعيد عن الدائرة الخامسة حيث كنت أقيم، كنت أتجول بين مطاعم الحي أبحث عن مكان أتناول فيه الغداء بعد أن حطت بي الطائرة بمطار شارل ديغول ظهرا، لمحت مطعما علقت عليه لافتة تقول إنه مطعم إيراني، ولجته مترددة، اكتشفت المطبخ الإيراني حين كنت أقيم بواشنطن، كان هو ملاذي حين تتعب معدتي من الأكل الأمريكي، وأشتاق لترف بلدان الشرق، ومع ذلك كنت مترددة وأنا ألجه، ذاكرتي كانت تحمل العلاقة القوية بين فرنسا وإيران حتى في عهد نظام الثورة الإسلامية، لم أكن أعرف من سأجد في ذاك المطعم الصغير، هل الهاربون من الثورة إلى حرية أمريكا كأولئك الذي التقيت بهم في واشنطن، أم إيرانيون أكثر تحفظا فتحت لهم الدولة العلمانية في فرنسا أذرعها نكاية في أمريكا؟

استقبلتني في باب المطعم شابة جميلة تتحدث الفرنسية بطلاقة، تذكرت في ملامحها زوجة شاه إيران فرح ديبا والتي وجدت ملاذها في مدينة تارودانت، كانت بدورها طالبة إيرانية في فرنسا، وفي سفارة طهران بباريس التقت زوجها الشاه رضا بهلوي، وعاشت معه لذة الحكم، وألم زوال العز.

اتخذت مجلسا بين الزبائن الذين لم يكن يتجاوز عددهم العشرة، وفي زاوية المطعم وضعت معدات موسيقية وقف بجوارها خمسيني بنظارات كبيرة وغرة شعره الأسود الناعم تغطي عينيه أكثر مما غطته نظاراته الطبية، كان يحمل بين يديه ميكروفون، ويطلب من الزبائن أداء أغنية إيرانية، تقدمت مني النادلة وهي تحمل لائحة الطعام، طلبت لحما مفروما متبلا على الطريقة الإيرانية، وأرزا بالزعفران، وسألتها أن تساعدني في اختيار الحلويات، اختارت طبقا لا أذكر اسمه، لكنه كان واحدا من ألذ أطباق الحلويات التي ذقتها في حياتي. المطبخ سفير لا يعترف بقواعد العلاقات الدولية، ثم وصلني إشعار على هاتفي يخبرني أني توصلت برسالة على “مسنجر”، فتحتها، فوجدت رسالة من معصومة التميمي، أرسلت لي بها من طهران، تقول فيها: “نريد أن نترجم كتابك “أجمل بلد في العالم” إلى الفارسية، والمشاركة به في معرض طهران الدولي للكتاب.

هل كان صدفة أن تصلني الرسالة وأنا في باريس أتناول طعامي في مطعم إيراني؟

لا أعرف، لكن الحياة علمتني أن أومن بالقدر لا بالصدف…

قابلت أول إيراني وأنا في المكسيك، في مؤتمر للأممية الاشتراكية، كان والده من قادة الثورة الإسلامية لكن الابن اختار أن يكون علمانيا، لجأ إلى المكسيك، وهناك أصدر دواوينه الشعرية بالفارسية، طلبت منه أن يرافقني إلى الكنيسة الشهيرة في ساحة القديس خاسنتو في العاصمة المكسيكية، وهناك التقطت صورة رفقته ومازحته قائلة: “سنية وشيعي في كنيسة مسيحية، يا لعظمة المغاربة”، بعدها التقيت بالعديد من الإيرانيين، في بروكسيل، باريس، جنيف، وواشنطن، وفي السنة التي حاولت فيها السفر إلى طهران لأكتشف الإيرانيين على أرضهم، عاد التوتر بين المغرب، وإيران، ولم تكن هذه أول مرة يقف فيها التوتر الجيوستراتيجي بيني وبين اكتشاف أرض غريبة عن المغرب.

حين أعددت كتاب “أجمل بلد في العالم” لأرسله إلى المترجمة معصومة التميمي في طهران لكي تبدأ رحلة القراءة لكاتبة مغربية وتحاول نقل المجتمع المغربي كما تراه إلى القارئ الفارسي، وقعت حرب الـ12 يوما، وكلما هدأت الأوضاع وقلت أن الكتاب سيصدر أخيرا كانت تعود لتشتعل من جديد، وكانت حرب إيران يوم ال28 فبراير 2026 بعثت رسالة إلى معصومة التميمي أقول فيها: “كل ما أتمناه أن تكوني وأهلك بألف خير”، وبعد شهور ردت معصومة برسالة صوتية قالت فيها: “أنا آسفة على تأخري عن موعد إنهاء ترجمة الكتاب، كان لدينا مشكل في الأنترنت، والكهرباء، والأوضاع الآن أفضل، انتهيت من ترجمة الكتاب، وأنتظر أن تعود المطابع لتفتح من جديد لكي أتمكن من طبع نسخة يجب تقديمها للجهات المسؤولة قبل الحصول على رقم ترخيص توزيع الكتاب في إيران، وبعدها سيصبح جاهزا وسيسعد القارئ الإيراني باكتشاف المجتمع المغربي بعيون “أجمل بلد في العالم”.

حصلت على الترخيص أسبوعا قبل توقيع اتفاقية السلام بين أمريكا وإيران في قصر فيرساي بفرنسا، ولأن نفق الألم لا يمكن أن ينتهي إلا بشمس الحرية، وصلتني رسالة على “واتساب” من معصومة التميمي تخبرني فيها بصدور غلاف الكتاب وأن الكتاب بات جاهزا للتوزيع يوم فوز المغرب على هولندا في موقعة مونتيري المكسيكية…

 

 

كلمة المترجمة

 

 

كتبت معصومة التميمي، المترجمة باللغتين العربية والفارسية وأستاذة اللغة في جامعة الزهراء بطهران ومديرة دار “أريام للنشر”، والتي أشرفت على ترجمة الكتاب:
يقال إن الإنسان لا يترجم اللغات، بل يترجم الثقافات. ولعل هذه المقولة تختصر طبيعة العلاقة الثقافية التي نشأت بين المغرب العربي وإيران عبر الترجمة. فقد كان للفكر المغاربي حضور بارز في المشهد الفكري الفارسي الحديث، وأسهمت ترجمة عدد من الأعمال الفكرية المغاربية، ولا سيما المغربية، إلى اللغة الفارسية في تعريف القارئ الإيراني بتيارات فكرية عربية معاصرة.
ومن خلال هذه الترجمات، تعرّف القارئ الفارسي إلى الأفكار النسوية التي قدّمتها فاطمة المرنيسي، وإلى مشروع نقد العقل العربي الذي بلوره محمد عابد الجابري، وإلى القراءات النقدية للتراث والفكر الإسلامي التي قدّمها محمد أركون. وقد شكّلت هذه الأعمال جسرًا للحوار الثقافي، وأسهمت في توسيع آفاق النقاش حول قضايا الحداثة والدين والهوية وحقوق المرأة في الأوساط الفكرية الإيرانية.
وقد حالفني الحظ بأن أترجم “الفكر الترجمي” لعيساني بالقاسم وديوان الهايكو العربي «عصافير تحلّق في الأعماق» للشاعر المغربي سامح درويش، ثم اكتملت فرحتي بترجمة كتاب «أجمل بلد في العالم» للكاتبة شامة درشول، وهو مجموعة من النصوص الساخرة والتأملية التي تقدم قراءة ناقدة للحياة اليومية في المغرب، بأسلوب ممتع ومتميز يدفع القارئ إلى الضحك والتفكير في آن واحد.
ولعل هذا التميز والريادة الفكرية والنقدية التي يتميز بها عدد من المفكرين والكتّاب المغاربة تجد جانبًا من تفسيرها في الإرث العقلاني الذي مثّله ابن رشد. كما ورد في فصل من الكتاب أعيدها أنا وأقول إن المغاربة محظوظون بوجود نخبة عقلانية أخضعت الأفكار للنقد والتمحيص، وهو إرث ما زال أثره حاضرا في كثير من الإنتاج الفكري والأدبي المغربي.
ومن أكثر ما لفت انتباهي أثناء ترجمة هذا الكتاب توظيف الكاتبة للهجة المغربية في التعبير الدقيق عن هوية ثقافية محلية، من خلال تعابير مثل: «طاح بالعظام»، و«التحيار»، و«المرساوي»، وغيرها من المفردات ذات الحمولة الثقافية الخاصة. وقد اضطررت في كثير من المواضع إلى اللجوء إلى الهوامش التوضيحية للحفاظ على هذه الخصوصية الثقافية ونقلها إلى القارئ الفارسي دون أن تفقد روحها.
وحتى في تصميم غلاف الكتاب، سعينا إلى المزج بين العناصر الحضارية المغربية والفارسية، إيمانا مني بأن الترجمة ليست نقلا للكلمات فحسب، بل هي بناء لجسر ثقافي يسهم في تعزيز التفاهم والسلام بين الشعوب، ويفتح آفاقًا أرحب للعلاقات الإنسانية.
ورغم حرب فبراير والقصف وما رافقهما من قلق وحيرة تجاه المستقبل، وجدت في ترجمة هذه المشاهدات والرؤية النقدية مساحة من السكينة والانشغال بما هو أجمل. لم تكن الترجمة بالنسبة إلي مجرد نقل للكلمات، بل كانت ترجمة لثقافة كاملة، ولرؤية نقدية متميزة قدّمتها كاتبة وإعلامية جريئة تمتلك صوتا خاصا.
وفي الختام، أتوجه بالشكر إلى المغرب، وإلى الكاتبة شامة درشول على رقيها في التعامل، وثقتها، وتعاونها طوال مراحل هذا العمل. كل المحبة والتقدير لها، ولناشر جريدة «الأخبار» الأستاذ رشيد نيني على وقوفه خلف هذا العمل الجميل الذي أتاح لنا هذا اللقاء بين ثقافتين ولغتين. وأتمنى لكتاب «أجمل بلد في العالم: مشاهدات عابرة» مزيدا من الانتشار والنجاح.

(معصومة التميمي. 4 یولیوز 2026)

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى