حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةسياسيةفسحة الصيف

كسر حصار يعانيه الأدب العربي أكاديميا وإعلاميا بأمريكا

كتاب «قراءة في روايات محمد شكري.. جوع في الفردوس» لجوناس البستي

بدأت جامعة ييل تدريس روايات شكري عام 2019، لكن الأمر اتخذ طابعاً أكثر اكتمالاً مطلع عام 2025، إذ أصبحت أعماله جزءاً أساسياً من المنهج الجامعي. مهّد لذلك مؤتمر ضخم نظمته الجامعة عن محمد شكري، تولّى تنظيمه المترجمان المعروفان روجر آلن وجوناس البستي، واستُضيف فيه عدد من الباحثين والأكاديميين الأمريكيين المختصين بأدبه. نُشرت وقائع المؤتمر في كتاب بعنوان «قراءة في الأعمال الروائية والقصصية لمحمد شكري.. جوع في الفردوس»، حرّره البستي وآلن، وصدر باللغة الإنجليزية عن دار «روتليدج» عام 2024.

 

نحو نظرة جديدة للشرق

صدر أول كتاب أكاديمي باللغة الإنجليزية عن الكاتب المغربي محمد شكري بعنوان «قراءات في أعمال محمد شكري» من طرف البروفيسور جوناس البستي، أمريكي الجنسية ومن أصل مغربي، والبروفيسور روجر آلن، طبعة دار النشر البريطانية روتلادج.

يتمتع البروفيسور جوناس البستي بخبرة تقترب من العقدين في التعليم العالي والتوجيه الأكاديمي والاستشارات التنفيذية. حصل على درجة الماجستير في الفلسفة ودرجة الدكتوراه من جامعة كولومبيا وشهادات تعليم تنفيذية من كلية وارتون في جامعة بنسلفانيا، ومدرسة إدارة سولان في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وكلية هارفارد للأعمال.

يدرس البروفيسور البستي في قسم اللغات والحضارات الشرقية القريبة في جامعة ييل، حيث عمل مديرا للدراسات الجامعية لمدة سبع سنوات. وهو حاليًا مدير للدراسات الجامعية في مجلس الدراسات الشرقية الأوسطية ومدير برنامج ييل للدراسة في الخارج بالرباط، المغرب.

تركز اهتمامات البستي البحثية على نظريات الأدب وإشكالية الترجمة الأدبية، والتاريخ الثقافي، وصورة العرب في الروايات الأدبية والإعلامية الأمريكية، أدب المهجر، الشعر العربي المعاصر وحياة وأعمال محمد شكري. صدرت له تسعة كتب والعديد من المقالات الأكاديمية. وتمت دعوة البستي لإلقاء محاضرات رئيسية في العديد من الجامعات من دول مختلفة، بما في ذلك جامعة ستوكهولم، وجامعة لشبونة، وجامعة كوبنهاغن، وجامعة بوخوم، وجامعة تشجيانغ، وجامعة بروكسل، وجامعة دونوريا دي جوس، وجامعة هانغتشو نورمال.. وشارك البروفيسور جوناس البستي في العديد من الندوات الدولية في عدة دول، من بينها إسبانيا، أستراليا، سكوتلندا، إنجلترا، المغرب، ألمانيا، الولايات المتحدة الأمريكية، رومانيا، كندا والسويد، ونال العديد من الجوائز، منها وسام الفنون الفرنسي برتبة فارس.

البروفسور روجر آلن حاصل على الدكتوراه في الأدب العربي الحديث من ‎جامعة أوكسفورد، انخرط في علم أصول تدريس ‎اللغة العربية، وشغل منصب رئيس قسم لغات وحضارات ‎الشرق الأدنى، ومنصبًا أكاديميًا في جامعة بنسلفانيا، وقام في ما بعد بترجمة العديد من الأعمال العربية المعاصرة، منها ترجماته لأعمال نجيب محفوظ التي ‎لعبت دورًا مهمًا في جذب انتباه العالم إليه ‎وفي عملية ترشيحه لجائزة نوبل عام 1988. ‎أنجز آلن ترجمات للعديد من الأعمال العربية المعاصرة لكل من يوسف إدريس وعبد الرحمن منيف، وبن سالم حميش وأحمد توفيق وحنان الشيخ، ونال الوسام الملكي في المغرب.

 

الكتاب والقضية

ضمّ الكتاب مساهمات أكاديميين من عدّة جامعات أمريكية، منهم: قصي العتابي، وحنان بنودي، وإيان كامبل، وأنور التونسي، وتوريا خنوس، وناتالي غزال ومبارك شريفي. وصرّح المشرفون على المنهج الدراسي في الجامعة بأن شكري يُعدّ شخصية محورية في الرواية المغربية في القرن العشرين، واستشهدوا بكلام المسرحي الأمريكي تينيسي ويليامز عن سيرته الذاتية «الخبز الحافي»، التي وصفها بأنها «وثيقة حقيقية لليأس البشري، مُحطِّمة في تأثيرها».

ورغم الانتقادات الرسمية الموجّهة إلى شكري بسبب تصويره للمعاناة الإنسانية، والفقر، والدعارة والمثلية الجنسية، إلا أن نصوصه انتشرت في العالم العربي وألهمت الفنانين والكتّاب، وفق ما أكده الأكاديمي والمترجم جوناس البستي، الذي أضاف: «نظراً لأهمية منجز شكري في الأدب العربي الحديث، قرّرت الجامعة تدريس أعماله لطلابها».

وبعد إدراجها أعمال الكاتب المغربي محمد شكري الروائية والقصصية في مناهجها الدراسية بشكل رسمي، تكون جامعة ييل قد اخترقت حدود النظرة الاستشراقية الضيّقة التي دفعت مفكراً مثل إدوارد سعيد إلى اعتبار الأدب العربي أدباً محظوراً في الولايات المتحدة. جاء ذلك في مقالته الشهيرة «الأدب المحظور» التي نشرها في مجلة «نيشن»، وتحدّث فيها عن الحصار الذي يعانيه الأدب العربي على صعيد النشر والتغطية الإعلامية، حيث كانت تسود لدى دور النشر والمجلات والمؤسسات الأمريكية نظرة موروثة من الاستشراق التقليدي، شبَّهها المترجم روجر آلن بنظرة سريعة إلى منظر طبيعي من الطائرة أثناء العبور فوقه.

وحسب الكاتب فإن الروائي المغربي محمد شكري يُعد علماً بارزاً في المشهد الأدبي العربي، إذ حقّقت رواياته شهرة كبيرة لتمرّدها على المحظور والمحرّم في التجربة الروائية العربية، وانطلاقها نحو الواقع الحي، حيث خلط شكري طحين السرد بخميرة وماء الواقع، فعجن بذلك رغيف النصّ.

ينطلق شكري من المادة الخام إلى الفكرة، ومن مآسي الواقع إلى الكلمة، ما حرّره من رؤية الواقع عبر عدسات الأيديولوجيات والأفكار المسبقة التي تفرض عليه حجاباً. لقد صوّر الواقع عارياً، ومنعه من أن يتستّر حتى حين حاول ذلك. استكشفه من خلال شخصياته المهمَّشة التي لطالما صودرت هويتها وتحدّث الآخرون باسمها. غير أن شكري، من خلال تحريره للغة المهمّش والمكبوت وتناوله مواضيع محرّمة، ضخّ نسغاً جديداً في جذع الرواية العربية، وابتكر لغة سردية وسّعت من أفقها التعبيري.

 

المترجم والباحث المغربي جوناس البستي

قال الأستاذ الجامعي المغربي جوناس البستي، الذي يدرس أعمال شكري في جامعة ييل، ويقوم حالياً بترجمة أعماله الروائية الكاملة إلى الإنجليزية – وصدر منها حتى الآن «وجوه»، الجزء الثالث من السيرة الذاتية، و«حكايات طنجة» الذي يجمع مجموعتي «مجنون الورد» و«الخيمة»، إن الطلاب يتعمقون في نصوص شكري ويحللونها ويركزون على أهميتها الثقافية والسياسية. وأوضح البستي أن قصة حياة شكري تكشف عن جذور شغفه بالكتابة، وتتيح استكشاف ثقافة زمنه والأماكن التي كتب عنها، وأضاف: «من خلال دراسة رواياته وقصصه القصيرة، يعزّز الطلاب فهمهم للبيئة السياسية والاجتماعية التي كتب ضمنها، في ظل النقاشات الجارية حول الهوية، والفقر، والاستبداد والإرث الاستعماري. باختصار، يشمل هذا المقرر الجامعي جميع أعمال شكري ويضعها ضمن سياق التراث الأدبي العربي».

وختم البستي بالإشارة إلى أن تعريف طلاب جامعة ييل بنصوص شكري أمر بالغ الأهمية في سياق تعليمي وأكاديمي، لما يمثله من صوت مختلف يتحدى الرقابة والتهميش. وأوضح البروفيسور ذاته أن تدريس أعمال شكري يساهم في إثراء النقاش حول نزع الصفة الإنسانية، والظلم الاجتماعي والعنف المؤسسي، مضيفا أن الجديد هذا العام هو إدخال عنصر التفاعل الشخصي، إذ استُضيف في الصفوف طارق شكري (ابن أخ محمد شكري)، والروائي محمد برادة (صديق شكري)، والصحافيان المغربيان عبد اللطيف بن يحيى ومحمد بو خراز، وذلك لإتاحة الفرصة أمام الطلاب لطرح الأسئلة ومعرفة تفاصيل لا تتوافر في المصادر الأدبية، وساهم ذلك في جعل التجربة أكثر تفاعلاً وعمقاً، وسجّل لحظة أكاديمية فريدة في تاريخ جامعة ييل الحديث.

هذا وصدر للكاتب نفسه مؤلف بعنوان «حكايات طنجة» يضم مختارات قصصية من أعمال محمد شكري. وقال، في لقاء إعلامي، إن ترجمة شكري إلى الإنجليزية مشروع خاص وشغفٌ قديم. وأضاف: «شغفٌ ذاتي وأكاديمي في الوقت نفسه. شكري شخصية استثنائية وجدت في لحظة تاريخية محددة. أمازيغي ريفي وفد إلى طنجة مع عائلته من جبال الريف هرباً من المجاعة معتقدين أن طنجة فيها خبز، كما قالت والدته في سيرته الذاتية (وهو ما نوهنا له في كتابنا الأكاديمي مع د. روجر آلن «قراءات في أعمال محمد شكري.. الجوع في الفردوس»)، ولكن طنجة كانت مدينة يرثى لها ترزح تحت الوصاية الدولية (إسبانيا -بريطانيا – فرنسا – أمريكا إلخ…) وبسبب الاستعمار عاش شكري مع عدد كبير من سكانها الفقر والحرمان، والتشرد والعنف، والأمية والسجن، وعمل في أسوأ المهن حتى يعيل نفسه إلى أن بدأ التعلم في سن العشرين وانطلق في عالم الأدب.

يضيف البستي: «سمعت عنه أول مرة حين كنت في الثالثة عشرة من عمري في المرحلة الإعدادية، أعماله كانت محظورة في المغرب وخاصة «الخبز الحافي»، لكنه كان شخصية محبوبة في الأوساط المغربية، والكتاب المحظور كان محفوظاً في مكتبة المنزل، وحصلت على نسخة منه حين بلغت الرابعة عشرة من عمري. أبهرني وزاد اهتمامي به عندما اطلعت على سيرته الذاتية، وباكراً قررت أن أتخصص بأدبه وأن أُدرّسَ كتبه في مادة الأدب، في الوقت الذي اهتم به جميع زملائي بدراسة كتاب غربيين اهتممت أنا بتقديم شكري في الجامعات الأمريكية والعالمية. ولا أزال أعمل على أدبه أكاديمياً منذ 15 عاماً بحثاً وترجمةً».

 

أول مؤتمر في أمريكا عن شكري

قال البستي: «قمتُ بتنظيم أول مؤتمر عن شكري باللغة الإنجليزية في جامعة ييل Yale  في أكتوبر 2022. ودرّستُ أول فصل دراسي عنه لطلاب الجامعة في الولايات المتحدة الأمريكية في المراحل الدراسية الأولى، والدراسات العليا. درسنا قراءات في مجمل أعماله، وثلاثية السيرة الذاتية (الخبز الحافي، زمن الأخطاء، وجوه) ثم القصص، المجموعتين (مجنون الورد، الخيمة)، وكل ما كتبه شكري من مذكرات (بول بولز في عزلة طنجة)، (جان جينيه في طنجة)، (تينسي وليامز في طنجة)، أيضاً ألقيت محاضرات عنه في معظم البلدان في الصين والسويد وأستراليا ورومانيا وبلجيكا، (ليس فقط شكري درّست أيضاً ثلاثية أحلام مستغانمي)، معظم الناس يعرفون «الخبز الحافي» لكنهم لا يعرفون بقية أعماله حتى كان يقول: أن «الخبز الحافي» لعنتي، لأنه نشر كتباً مهمة، وهو معروف حتى الآن بصاحب «الخبز الحافي» فقط رغم كل الإنجازات التي قدمها في حياته.

ألقى شكري رواية «الخبز الحافي» شفهياً على صديقه بول بولز فكان يسجلها أولاً ثم يعيد تدوينها وأصدرها أول مرة بالإنجليزية عام 1973 وكان واضحاً فيها البعد الاستشراقي، ثم صدرت بالفرنسية بواسطة الطاهر بن جلون سنة 1980، ولم تصدر بالعربية حتى سنة 1982 في المغرب ومولها من جيبه الخاص. في 2021 كتب الكاتب المعروف محمد برادة رسالة موجهة إلى صديقه شكري بمناسبة ذكرى وفاته وكان قد غادرنا عام 2003، تَرجمتُ الرسالة إلى الإنجليزية ونُشِرت في مجلة «الأدب العالمي اليوم»World Literature Today ، وهي مجلة أمريكية عريقة عمرها يقارب مئة سنة».

نشير إلى أن يونس البستي أستاذ جامعي ومدير للدراسات، إضافة إلى كونه مترجما وناقدا أدبيا. حصل على العديد من الجوائز، بما في ذلك وسام الاستحقاق الوطني الفرنسي من رتبة قائد، ووسام السعفة الأكاديمي، وجائزة Poorvu لعام 2020 للتميز في التدريس في جامعة ييل Yale، فضلا عن تقدير خاص لمساهماته في التعليم من مجلس شيوخ ولاية ماساتشوستس وزمالات بحثية، بما في ذلك زمالة بحثية من المعهد الأمريكي للدراسات المغاربية.

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى