
حسن البصري
علاقتنا بالمكسيك ليست علاقة وجدانية مع المسلسلات المكسيكية، التي عمرت طويلا في تلفزيونات بيوتنا السمينة، قبل أن تخضع للتخسيس.
علاقتنا بتلك البلاد ترجع إلى بداية الخمسينيات، حين حل بها لاعب مغربي اسمه عبد الرزاق الوركة، حمل إلى مدينة ليون شهد الكرة، وقدم للمكسيكيين أوراق اعتماده كسفير لكرة القدم المغربية.
سيرفع العلم المغربي في المدينة نفسها سنة 1970، حين حل بها منتخبنا ممثلا لإفريقيا في مونديال المكسيك.
سيتعرف سكان مدينة ليون، وهم مزيج من الهنود الحمر والإسبانيين، على المغاربة وسيتحولون إلى مشجعين، بل وأهدوا ضيوفهم قبعات «سومبريرو»، التي تعيد إلى الأذهان أبطال أفلام رعاة البقر.
قال لي حارس المرمى الدولي عبد القادر الورياغلي، وهو يستحضر يوميات المكسيك 1970: «اشتريت غيتارة، لأنني كنت أعلم أنني الحارس الثالث في البعثة، وحين كنت أعزف ألحانا أندلسية يتوقف نبض الفندق، فيتحلق حولي مستخدموه، وعندما يكتشفون أنني أتقن اللغة الإسبانية، يطلبون مني تفسير كلمات أغاني عبد الصادق شقارة».
غادر المغاربة المكسيك، ولكنها لم تغادرهم، فقد حملت الكثير من المقاهي اسم هذا البلد، وأصبح لكل مدينة شارع أو زقاق يخلد عبور منتخبنا في مونديال المخاض الأول.
بعد ست عشرة سنة، سيعود المنتخب المغربي إلى حمى المونديال، عبر بوابة المكسيك، حين شارك في نهائيات كأس العالم 1986.
وحتى يستأنس اللاعبون بأجواء مونتيري المكسيكية، قرر المدرب المهدي فاريا تنظيم معسكر طويل المدى في هذه المدينة، تخللته مباريات ودية مع فريق مونتيري.
ولأن القاعدة الأثرية تقول: «من قضى أربعين يوما مع قوم صار منهم»، فإن لاعبي المنتخب المغربي طردوا دهشة المكان واستأنسوا بأجواء بلدة سكنها الهنود الحمر، قبل أن يخترق الإسبان حياتهم.
سيسجل التاريخ أننا أول منتخب عربي وإفريقي عبر إلى شط الدور الثاني من نهائيات كأس العالم، حين هزمنا البرتغال وأوقفنا إنجلترا وبولونيا، بمنتوج صنع في ملاعب المغرب المتربة.
صنع خيري والتيمومي والزاكي وبودربالة وخليفة والبياز… أفراح المغاربة الذين عاشوا فرحة المونديال متحملين آلام «الديكالاج أورير». في مونتيري ووادي الحجارة كتب اسم «موروكو» على الحيطان المشبعة بالرطوبة.
غادر منتخبنا مونتيري منتصب القامة يمشي، مرفوع الهامة يمشي. وفي الدار البيضاء، خصص له ملك البلاد الحسن الثاني رحمه الله، أروع استقبال نقله التلفزيون المكسيكي على الهواء.
حصل هذا قبل أن ينسج المغرب والمكسيك علاقات ود دبلوماسي، لذا كانت الكرة تأشيرة عبور بين بلدين يفرقهما التاريخ والجغرافيا وتجمعهما الرياضة.
لاعبو المنتخب المغربي هم السفراء الأولون للمملكة في دولة المكسيك، هم صناع الدبلوماسية الموازية، وبناة صرح علاقات بدون سفير رسمي معتمد، إلا نجوم هذا الفريق أو ذاك.
قبل خمس سنوات، ظهر لاعب مغربي يدعى أسامة الإدريسي بقميص نادي باتشوكا المكسيكي، جاء الولد حاملا صفة لاعب دولي مغربي بجنسية مغربية هولندية، يا لمكر الصدف.
دخل الولد التاريخ حين خاض مع فريقه نهائيات كأس العالم للأندية في الإمارات، وواجه الوداد المغربي في أولى المباريات.
لكن هذا الفتح المبين لم يفتح شهية وكلاء اللاعبين، ولم يمارس جاذبيته على اللاعبين والمدربين المغاربة، فكان الحضور المغربي في الدوري المكسيكي شبه منعدم، والعكس صحيح.
اليوم يعود اسم المغرب ليسطع في سماء مونتيري، ويطرد الهولنديين من مدينة وطأتها أقدام اللاعبين المغاربة، قبل الدبلوماسيين وقبل رجال الأعمال والعدائين.
نعود إلى المكسيك لنفرض على أهاليها نزع «السومبريرو» والانحناء احتراما ل«أسود الأطلس».. مع وعد بأن يكون المقام طويلا كالمسلسلات المكسيكية.
سجل يا أنطونيو ويا راكيل.





