
ناضل الشعب المغربي من أجل العرش العلوي، نضالا مستميتا على مر القرون، من أجل صون وحماية وحدة أراضي المملكة. وقد استمر هذا النضال واشتد منذ الخطاب الملكي التاريخي الذي ألقاه الملك الراحل محمد الخامس عام 1958 في محاميد الغزلان. وهكذا، لم يتوقف المغرب قط عن خوض المعركة لاستكمال والدفاع عن وحدة أراضيه الكاملة، وهو نضال توج بالمسيرة الخضراء المجيدة والتاريخية، هذا الإنجاز العظيم لجلالة الحسن الثاني، صاحب الرؤية الاستراتيجية الثاقبة.
نعود إلى الضغوط الجزائرية التي مورست وتشعبت، منذ إعلان الملك الراحل محمد الخامس عن سعيه الجاد إلى استكمال وحدة التراب الوطني، عام 1958، في فترة زمنية لم تمتلك بلادنا سلطة كاملة الصلاحيات لاستكمال تاريخها وإرثها التاريخي والحضاري والدفاع عنه بشكل مشروع.
مارست الجزائر ضغوطات على الحكومات الموريتانية، انتهت بإجبار موريتانيا على التخلي عن إقليم وادي الذهب، أو «تيرس الغربية»، بالخضوع للطرح الجزائر.
لقد أُجبرت السلطات السابقة في نواكشوط، تحت تهديد حكام الجزائر، على التنازل عن الإقليم لجبهة البوليساريو الانفصالية، بموجب اتفاقية صورية وقعت في شهر 1979 في الجزائر العاصمة، بين ممثلين عن جبهة البوليساريو الوهمية، ووزير الخارجية الموريتاني آنذاك، الكولونيل أحمد سالم ولد سيدي.
كان الهدف من الاتفاقية الصورية، التي دبرتها وفرضتها الحكومة الجزائرية، فصل وادي الذهب عن وطنه، وتحويله إلى كيان تابع يحكمه نظام انفصالي، مطيع وخاضع حسب رغبة النظام. أما جبهة البوليساريو، فكانت تأمل في استخدام وادي الذهب كمنصة انطلاق لعمليات عدوانية ضد بقية الصحراء المغربية.
اعتقد النظام الموريتاني الحاكم أن «تفويت» منطقة وادي الذهب للانفصاليين وترضية الجزائر، سينهي متاعبه الاقتصادية والعسكرية، بعد أن ظل هدفا لهجمات البوليساريو، في محاولة لإجبار هذا البلد على الاستسلام ومغادرة تيرس الغربية، وهو ما حصل.
ما أن علم المغرب بالمؤامرات التي تحاك في الجزائر، بادر بالتحرك، وبدأ سباقا مع الزمن لاستعادة مدينة الداخلة وبقية تراب إقليم وادي الذهب. وهنا أيضا، أثبت جلالة الملك الحسن الثاني دهاءه وفطنته في استعادة هذا الجزء من الأراضي الوطنية، الذي منح لموريتانيا ظلما بموجب اتفاقية مدريد الثلاثية في 14 نونبر عام 1975، ولم يعترض عليه المغرب في حينه، بحكم العلاقات المتينة والتاريخية التي كانت تجمع البلدين.
تم استعادة الجزء الجنوبي من الأراضي الوطنية وفقا لخطة محكمة وضعها جلالة الملك الحسن الثاني، مستبعدا أي تدخل عسكري، على الرغم من تمركز كتيبة من الجيش المغربي في الداخلة كجزء من المساعدة الدفاعية المغربية لموريتانيا. وقد أحبطت الخطة الملكية حسابات الانفصاليين وحلفائهم، الذين كانوا يستعدون لوضع قبضتهم على هذه الربوع.
نفذت العملية وفق خطة محكمة، ومنع أي تدخل عسكري، حيث تمركزت كتيبة من الجيش المغربي في الداخلة، في إطار المساعدة التي قدمها المغرب إلى موريتانيا في الجانب العسكري. أحبطت الخطة الملكية حسابات الانفصاليين وحلفائهم، من خلال إعداد دقيق وسريع وسري لعملية استعادة الأراضي التي كانت موريتانيا تتهيأ للتخلي عنها، كما تم بالموازاة مع ذلك تحضير نحو ثلاثمائة شخص من قبائل وادي الذهب، المعروفين بولائهم الشديد لوطنهم، سرا في أكادير، وتم اطلاعهم على الوضع الراهن لمدة أربع وعشرين ساعة، قبل إرسالهم إلى الداخلة للانضمام إلى سكانها والمطالبة معا بعودة الإقليم إلى وطنه.
سيتم نقلهم ليلا من المطار العسكري أكادير إنزكان، عبر ثلاث طائرات عسكرية «هرقل سي 130» في اتجاه الداخلة عاصمة وادي الذهب. وكان لي شرف المشاركة في تدبير هذه العملية ميدانيا، بقرار يحمل توقيع الملك الحسن الثاني.
أشرف العاهل المغربي على هذا الاستنفار بإحكام، وقبل مغادرة أكادير، في الساعة الثانية من صباح الأول من غشت عام 1979، ارتدى جميع أفراد الوحدة زيا عسكريا، بدون أسلحة أو ذخيرة، وهو زي يهدف إلى منعهم من الخضوع للسيطرة الأمامية الموريتانية، بينما كان المغاربة متمركزون في الداخلة.
ساهم الظلام الدامس الذي لف الداخلة وحولها إلى تجمع سكني هادئ، في نجاح العملية، وتم على الفور إحكام السيطرة على المراكز الاستراتيجية للمدينة، على مستوى المطار والميناء والمنافذ.
في الواقع، لم تكن لدينا، نحن العسكريون «المزيفون»، ونحن في الخمسينيات والسبعينيات من العمر، أدنى فكرة عن كيفية ارتداء الزي العسكري أو الأحذية.





