مذكرات مولاي المهدي العلوي…. من سنوات الرصاص إلى العمل بجانب الملك الحسن الثاني
ذكريات من «آقا» في الجنوب المنسي وارتباط القبائل بالصحراء

تقديم عام
في يونيو الماضي، توفي مولاي المهدي العلوي، الذاكرة السياسية للمعارضة الاتحادية.. 96 سنة حافلة بـ «أحداث ومواقف»، وهو العنوان الذي صدرت به صدرت مذكراته في دجنبر 2021، وصفها الصحافي والكاتب سعيد منتسب مُترجما ما اختلج في صدر العلوي، الذي اعتمد على رفيقه محمد بنمبارك ليسعفه حتى لا يضل في دروب الأحداث..
سنة 1929 وُلد مولاي المهدي العلوي في مدينة «سلا»، وأصوله تعود إلى «آقا» في تارودانت..
سبح ضد التيار منذ تأثره الأول بالحركة الوطنية خلال ثلاثينيات القرن الماضي.. سافر إلى فرنسا لاستكمال دراسته، وكانت علاقته بالمهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد لتجعله ينضم دون تردد لتجربة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية..
في هذه المذكرات، يسلط مولاي المهدي العلوي الضوء على الجوانب المعتمة و«المُحرجة» أيضا -وما أكثرها-.. ويتحدث عن المهدي بن بركة وعلال الفاسي وعمر بنجلون و«محن الاتحاد»، ثم مرحلة العمل الدبلوماسي بتعيين الملك الراحل الحسن الثاني له سفيرا، وذكرياته مع المهام الدبلوماسية..
حلقة 1
ذكريات من «آقا» في الجنوب المنسي وارتباط القبائل بالصحراء
يونس جنوحي
أصول مولاي المهدي العلوي، السياسي والدبلوماسي، تعود إلى منطقة الجنوب. حتى أن الفصل المخصص للبدايات الأولى من حياته، حمل عنوان «آقا.. البيت الكبير». فرغم أنه رأى النور في مدينة سلا، وفتح فيها عينيه يوم 10 دجنبر 1929، إلا أنه زار بلدة والده الأصلية، وهو طفل، وتركت تلك الزيارة بصمة خاصة في ذاكرته الشخصية.
«كنت بكر أسرتي المكونة من عشرة أبناء، خمسة منهم فارقوا الحياة صغارا. فقد رأيت النور يوم 10 دجنبر من عام 1929 في الدار رقم 8 بزنقة حركات في حي السور بالقرب من مدرسة «أبناء الأعيان»، وهو البيت الذي سيقيم فيه والدي بعد زواجه من أمي في العام 1927، بعد بضع سنوات من التحاقه بأخيه «مولاي لحسن» بسلا من دوار «الكبابة» ببلدة «آقا»، وعمره ستة عشر عاما.
التحقت في بداية الموسم الدراسي 1936 و1937 بمدرسة أبناء الأعيان التي لا تبعد عن بيتنا إلا ببضعة أمتار، رفقة أحد أقاربي الذي كان يكبرني بأربع سنوات، وكان يقيم معي في البيت نفسه».
هكذا يصف مولاي المهدي العلوي السنوات الأولى من طفولته.
وبدا واضحا أنه بقي مدينا لأصوله من الجنوب المغربي، رغم أن آخر زيارة له إلى «آقا»، معقل من معاقل المقاومة المغربية ضد الاستعمار، كانت سنة 1950. وقال إن عوادي الزمن ومشاغله حالت دون أن يعود إليها.. سرقته السياسة والمتاعب التي عاشها خلال سنوات شبابه، من رحلة أخرى نحو مسقط الرأس. وقد لخص علاقته بمسقط رأسه في جمل تقول كل شيء: «أنا اليوم في عقدي الثامن، وها أنا أحس بنوع من الحنين يجرني إلى تلك الذكريات الجميلة التي بقيت منقوشة في ذاكرتي من دوار «الكبابة» ببلدة «آقا» التابعة لإقليم طاطا بالجنوب المغربي. كان آخر عهدي بزيارة البلدة في العام 1950، إذ منعتني عن زيارتها مشاغل الزمن وعواديه. ومما ما زلت أذكره أن والدي قرر، في صيف عام 1935، أن أسافر معه، لأول مرة، إلى هناك لزيارة والدته رحمها اللٰه بمسقط رأسه بدوار «الكبابة»، وكان عمري حينها لا يتجاوز الست سنوات.
في أيام الصيف تشتد الحرارة في واحات الجنوب المغربي لتُسجل أرقاما قياسية لم نكن معتادين عليها في مدينة سلا، مسقط رأسي. ومع ذلك كنت أستمتع بصفاء الأجواء وهدوئها، وأحس بروح البلدة وعنفوانها وكأني أقرب ما أكون إلى الأرض بنسيمها وعبقها في تلك المناطق البعيدة، وأكثر دُنُوا من السماء بشمسها اللافحة وقمرها الوهاج
ونجومها اللامعة».
كانت طقوس الحياة في البلدة، حاضرة في البرنامج اليومي للعائلة في مدينة سلا، وهكذا فإن مولاي المهدي العلوي كان يحس دائما خلال سنوات طفولته المبكرة، أنه لم يتم اقتلاعه من جذوره..
يصف في هذه المذكرات أيضا، أجواء السفر العائلي الذي مضت عليه الآن تسعون سنة! يقول: «في الليلة التي سبقت سفرنا، كنت فرحا للمغامرة التي سأخوضها، وكنت أتطلع إلى اكتشاف مقطورة القطار أمام العربات، وأتلهف لركوب الحافلة، وإن كنت أشفق لحال والدتي وانشغالها على صغيرها الذي سيتحمل وعثاء السفر طول تلك المسافات.
ما وجدته خلال زياراتي لـ «آقا» في ذلك الصيف من جدتي «للا الهاشمية» من عطف وحنان جعلني أصر على والدي بأن نصطحبها معنا إلى سلا، فما كان من أمرها إلا أن رفضت بشدة قائلة: مانشوف النصارى! (لا أريد أن أرى النصارى!)، بينما كان يتردد أعمامي على زيارتنا بين الفينة والأخرى.
كنتُ أنتظر بشوق حلول فصل الصيف، للسفر إلى «آقا». وكانت عودة والدي من الديار المقدسة فرصة لتقوم العائلة بزيارة جماعية إلى «الكبابة» رفقة والدتي الشريفة للا زهور وإحدى أخواتي التي توفيت رحمها الله.
كانت الرحلة طويلة تمتد من الرباط إلى مراكش عبر القطار، ومن مراكش إلى تارودانت بالحافلة، ومنها إلى آقا، حيث كنت أكتشف، في كل مرة، منطقة أخرى بتضاريسها ومناخها وأهلا البسطاء الكرماء».
تجربة السفر إلى آقا، جعلت مولاي المهدي العلوي يتعرف على جغرافيا البلاد والامتداد التاريخي للمغرب عبر جنوب الصحراء، وهناك سمع عن مدينة العيون والداخلة وعن «تيندوف» أيضا، باعتبارها مناطق مغربية تصل منها قوافل التجارة. وأعطى المثال بالموسم التجاري السنوي إلى تندوف، والذي كانت تحج إليه القبائل، كما يقول، «من كل مكان لشراء المواد الأساسية المدعمة أو ما يعرف بـ«الزون» بسعر مُدعم، يعتبر أقل مما هو عليه في الأسواق الأخرى».





