«مرافعة» نيويورك.. عندما ذكر المغرب السوريين بتضحيات الجنود المغاربة في الجولان

يونس جنوحي
الدقائق تمضي وكأنها ساعات طوال، تحت سقف القاعة التي احتضنت أشغال اجتماع مؤتمر دول العالم الإسلامي في بناية الأمم المتحدة بنيويورك، أكتوبر 1986. لم يكن محمد التازي ليفارق عادته القديمة في تسجيل مداخلاته والاحتفاظ بنسخ خطاباته ضمن وثائق أرشيفه الشخصي.
بعد أن انتهى السفير محمد التازي، بصفته الرسمية في الوفد المغربي، من الرد على الوفد الإيراني الذي دعا صراحة إلى طرد المغرب من منظمة المؤتمر الإسلامي، اتجه صوب الوفد السوري لكي «يُعالجه» بما يناسب.
لقد كان متوقعا، بالنسبة للمغرب، أن تشن بعض الدول حربا «باردة» ضد الموقف المغربي بعد لقاء إفران، خصوصا وأن الرئيس السوري حافظ الأسد كان سباقا إلى إعلان بلاغ للرأي العام يدعو فيه إلى مقاطعة المغرب، رغم أن الداعم الأول للقضية الفلسطينية كان هو المغرب. لكن «المزايدة» التي استمر فيها الرئيس السوري، وتبعه فيها قادة آخرون كانوا ضد الوحدة الترابية للمغرب، تعامت عن حقيقة الموقف المغربي، ومستقبل الصراع العربي- الإسرائيلي في سياق الثمانينيات.
يسجل التازي الجزء المتعلق بالرد على الخارجية السورية، قائلا:
« أما رئيس الوفد السوري، فإني أقدر موقفه، وأعرف حيرته، لأنه لم يكن مقتنعا بما قال، إنه يخشى على منصبه، وعلى أسرته وأقربائه في دمشق، وقد غرر به وزير خارجيته الذي غادر القاعة، وتركه يتحمل وزر ما يقول. إن السيد «الفتال»، مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، قد لا يكون على علم، وهو في نيويورك، بالاتصالات السرية التي تجريها في المدن السويسرية أجهزة المخابرات السورية مع المخابرات الإسرائيلية، وإذا سولت له نفسه أن ينفي ما أقول، فلدي لائحة بأسماء المفاوضين السوريين وأسماء المدن التي تمت فيها الاتصالات، وأضيف إليها صور المفاوضين. هل يريد رئيس الوفد السوري أن يكذبني؟ فليتفضل.
إن المغرب لا يمارس دبلوماسية المخابرات السرية، إنه صريح مع نفسه، صراحته مع غيره، لا يمارس سياسة الشعارات في المهرجانات العامة، ثم يسعى ليفاوض سرا من يحتلون أرضه ويهينون كرامته.
إن رئيس الوفد السوري مضطر ليقول ما أمر بقوله، حتى لا يكون موضوع متابعة في دمشق، أو يضطر إلى البقاء خارج سوريا لاجئا. إنه من عائلة سنية، معروفة بالعلم والتقوى، وهو يسمع ويرى ما يتعرض له المسلمون في حماة وحلب، فلا يريد أن يكون ذلك مصير عائلته.
إنه تحدث عن النظام في المغرب، ولمعلوماته فالمغرب ليس فيه نظام، على نحو النظام السوري، إن في المغرب دولة منذ أربعة عشر قرنا تداولت عليها بضع أسر، وليست نظاما جاءت به دبابة في ليلة مظلمة وأصبح شرعيا بالبلاغ رقم واحد. إن نظامنا لم يؤت به عام 1970 ليخرج المقاومة من الأردن، ويجمعها في لبنان ليسهل عليه اغتيالها في صبرا وشتيلا، ويحتل لبنان بثلاثين ألف جندي، ما يزالون إلى الآن أداة رعب وإرهاب، وليفسح المجال أمام إسرائيل لاحتلال بيروت، في تلك السنة الحزينة سنة 1982، وإخراج المقاومين إلى شتات جديد، ويبقى النظام السوري يحمل لافتة القضية لابتزاز المال العربي بدعوى ضرورة إيجاد التوازن العسكري مع العدو الإسرائيلي..
أما حديثك عن كفاح الجندي المغربي معكم، فقد حرر لكم القنيطرة عاصمة الجولان، وبقي يحميها بعد أن غدرتم به وانسحبتم لتدافعوا عن النظام حين وصل الجيش الإسرائيلي إلى «سعسع» على مشارف دمشق.
هؤلاء، أيها الإخوان، هم الذين يتباكون اليوم على القضية، فمن أولى منا بمغادرة هذه القاعة؟ نحن الصادقون، أم هم المتآمرون المزيفون؟
وساد القاعة صمت مريب، وطلب الوفد الجزائري رفع الجلسة، وتكليف الأمين العام بإجراء مشاورات.
ووافقت الرئاسة، ومرة أخرى لم أر مبررا لرفع الجلسة فطلبت من الرئاسة، تنفيذ النظام الداخلي للمجلس بأن يطرح الرئيس اقتراح سوريا وإيران للتصويت، ولكنه آثر رفع الجلسة للتشاور.. للتشاور على ماذا؟».





