
يونس جنوحي
كل ما جرى الإعلان عن عزم رئيس فرنسا القيام بجولة إفريقية، حتى يشحذ معارضوه أسلحتهم لإعادة بث الأسطوانات القديمة التي تتكرر منذ الأزمة المالية لسنة 2008 إلى اليوم..
حدة الانتقادات تزداد، وجفاء “ماكرون” يزداد أيضا. حتى الذين طالبوه بالاعتذار عن جرائم فرنسا في إفريقيا خلال القرن الأخير، اكتشفوا أن فرنسا لا تعتذر إلا لكي تُفسح المجال لأفعال أخرى يجب الاعتذار عنها في المستقبل.
سوف يشارك الرئيس الفرنسي في قمة مجموعة العشرين، في جنوب إفريقيا، وقمة بين الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي..
مقارنة تذكرنا بحجم الهشاشة التي تغرق فيها القارة الإفريقية. شركات أوروبية لا تزال تشتغل بمعايير استعمارية، وتحول دولا تعيش في القرون الوسطى إلى مجرد مقالع ينقب فيها المهندسون على المعادن، بالأقمار الصناعية، ويتولى الأهالي الحفر بأثمنة رمزية.. وعندما ينهار المنجم، ينقلون المعدات ببساطة إلى نقطة تنقيب أخرى. لا مشكل.
الاتحاد الأوروبي يتوفر على واحدة من أقوى العملات في التاريخ. بينما حلم العملة الإفريقية الموحدة لا يزال حبيس “الدفتر الوردي”.. بل إن هناك دولا إفريقية لم تستطع إلى اليوم فصل عملتها المحلية عن الفرنك الفرنسي.. وكلما حرك بنكها المركزي جيبه، إلا ونالت فرنسا جزءا من الأرباح.
سوف يواجه الرئيس الفرنسي من جديد غضبا في أوساط مستقبليه في القارة الإفريقية، وقد تثير تصريحاته مزيدا من الجدل، بخصوص مستقبل فرنسا السياسي والاقتصادي وحتى العسكري في عدد من مناطق النزاع.
من المحطات المهمة التي سوف يحل بها الرئيس الفرنسي ماكرون، “موريشيوس”، وهي تجاور جغرافيا منطقة “لارينيون” الفرنسية، وآخر زيارة رسمية يحل فيها رئيس فرنسي في هذه البلاد، تعود إلى سنة 1993.
ماذا استجد لكي يتذكر “الإليزيه” أنه يتعين عليه تعزيز وجوده في بلد بعد ثلاثين سنة من الجفاء؟
الخبراء يقولون إن سبب زيارة ماكرون للمنطقة، يرجع إلى العمليات المرتقبة في المنطقة الجنوبية للمحيط الهندي، لمواجهة عمليات التهريب البحرية وأنشطة القرصنة.
بالنسبة لليمين الفرنسي المتطرف، فإن هذه الدول كلها كانت في السابق تصلح لجعلها منافي لاستقبال معارضي الجمهورية الفرنسية داخل فرنسا وخارجها.. جزر هادئة كانت فرنسا تكافئ دبلوماسييها ومسؤوليها لكي يقضوا السنوات الأخيرة من المسؤولية في مكاتب وقصور تاريخية مطلة على المحيط، وها هي اليوم تصبح من النقط الساخنة التي تحتل صدارة جدول أشغال رئيس دولة بحجم فرنسا.
معارضو “ماكرون” ينتظرون أول زلة منه في مواجهة رئيس جنوب إفريقيا، أو رئيس أي بلد إفريقي آخر من الدول التي يُرتقب أن يحل فيها الرئيس، وهي “موريشيوس”، “جنوب إفريقيا”، “الغابون”، و”أنغولا”.
ملف حقوق الإنسان، وتراخيص الاستغلال التي تستفيد منها الشركات والمستثمرون الفرنسيون، كلها مواضيع حارقة فوق طاولة النشطاء السياسيين الذين قد يلوحون بها في وجه الرئيس ماكرون خلال الخطابات التي قد تُبرمج عند الاستقبال الرسمي.
الغابون التي خرجت للتو من انقلاب وكُتبت عبارة “الفترة الانتقالية”، على الصفحات الأولى لجرائدها طيلة أشهر، لا تزال تئن تحت ثقل مشاكل اقتصادية لا حصر لها. موقعها الجغرافي في وسط إفريقيا، يجعل منها “مدارة” قد تتيح لفريق “ماكرون” أن يرى عمق التحديات التي تخفيها هذه القارة الشاسعة التي لا يأتي إليها رئيس أوروبي في العادة، إلا لكي يتفقد ما إن تبقى هنا ما يمكن استغلاله.. هذا كل ما في الأمر.





