حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

مغرب السيادة الصحية

د. خالد فتحي

 

لم يكن تدشين صاحب الجلالة، الملك محمد السادس نصره الله، للمركب الاستشفائي الجامعي الدولي محمد السادس بالرباط، مطلع هذا الأسبوع، حدثا عاديا في مسار تحديث وتأهيل المنظومة الصحية الوطنية، بل كان محطة دالة في بناء مغرب جديد يعيد تعريف مفهوم الصحة، لا كخدمة اجتماعية فحسب، بل كرافعة للعدالة الاجتماعية والسيادة والتنمية المستدامة.

هذا الصرح الطبي والعلمي يجسد رؤية ملكية متبصرة، تؤمن بأن حق المواطن المغربي في الحصول على الرعاية الصحية اللائقة في وطنه هو أحد أهم دعائم مجتمعنا الرئيسية، ومظهر من مظاهر حضارتنا، وأساس هام لطمأنينة السكان وشعورهم بالسعادة والأمان، وأن بلوغ هذه الأهداف لن يتحقق إلا بالنجاح في إصلاح المنظومة الصحية، الإصلاح الأمثل الذي يقوم وجوبا في عصرنا الحالي على الدمج الذكي بين ثلاثة أبعاد: العلاج والتكوين والبحث العلمي.

المركب، الذي أنجزته مؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة، جاء جوابا عمليا لتطلعات المواطنين إلى جودة الخدمات وعدالة الولوج إليها، وهو في الوقت نفسه أيقونة معمارية وإنسانية تجسد عناية جلالته بالمواطن ورغبته في تمكينه من مؤسسات تحفظ كرامته، ترتقي بطموحاته، وترسخ اعتزازه ببلاده.

على مساحة تفوق 280 ألف متر مربع، سيقف هذا المركب كجيل جديد من البنيات الصحية الذكية التي تضع المريض في مركز الاهتمام، وتمنحه مسارا علاجياً شخصيا ومندمجا متكاملا. يتوفر هذا المستشفى على تجهيزات طبية غير مسبوقة وطنيا وإفريقيا: من الجراحة الروبوتية والتصوير الدقيق والمختبرات الآلية إلى الصيدلية الروبوتية ومركز المحاكاة الطبية. إنها معالم انتقال المغرب من مرحلة التقليد إلى مرحلة الريادة في الطب الحديث.

ولأن تطوير القطاع الصحي وكسب الرهانات الأخرى المرتبطة بهذا التطوير، يتطلب تنمية الرأسمال البشري، فقد شمل المشروع إنشاء جامعة محمد السادس للعلوم والصحة بالرباط لتكوين الأطباء والممرضين والباحثين في تفاعل مباشر مع بيئة الاستشفاء. بذلك، أصبحت الرباط تحتضن قطباً طبياً جامعياً عالمياً يجمع بين مستشفى ابن سينا التاريخي والمركب الجديد في مدينة طبية متكاملة، تزاوج بين الخبرة والتكنولوجيا، وتكرس العاصمة مركزاً للبحث والابتكار الطبي في إفريقيا.

لكن الأثر لا يتوقف عند حدود الطب، فالمركب الجديد هو أيضاً أداة من أدوات القوة الناعمة المغربية. فمن خلال جودة خدماته وتفوق كفاءاته، سيكون قادرا على استقطاب المرضى من إفريقيا، انسجاما مع رؤية جلالة الملك لإرساء سيادة صحية إفريقية بقيادة مغربية، قائمة على التعاون والتضامن جنوب–جنوب. إنها رسالة إنسانية بقدر ما هي دبلوماسية، تعزز حضور المملكة في الفضاء الإفريقي كدولة رائدة في مجالات الطب والعلم.

اقتصاديا، سوف لن يقل المشروع أهمية عن كبريات الأوراش الوطنية في البنية التحتية والطاقة. فهو يخلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، ولسوف يسهم إسهاما في تطوير مهن الصحة والتكنولوجيا الحيوية، كما يفتح آفاقا واعدة للسياحة العلاجية التي أصبحت أحد رهانات الاقتصاد المغربي، خاصة مع تزايد الطلب الإفريقي على خدمات طبية بمعايير عالمية.

أما من زاوية الاستدامة، فقد نال المركب شهادة الجودة البيئية العالية (HQE) بدرجة “ممتاز”، بفضل اعتماده على الطاقة الشمسية وتقليص انبعاثاته الكربونية بنسبة 40 في المائة. وهو ما ينسجم مع الرؤية الوطنية التي تضع الانتقال الطاقي وحماية البيئة ضمن ركائز السيادة المستقبلية للمملكة.

رمزيا أيضا، يمثل هذا الإنجاز امتدادا لعنوان أوسع: الرباط عاصمة الأنوار. فكما أضاءت الرباط مجالات الثقافة والمعمار، ها هي اليوم تضيء مجال الطب والعلم، لتؤكد أنها ليست فقط عاصمة سياسية وإدارية، بل عاصمة للفكر والابتكار والإنسان.

ويتكامل هذا المشروع مع الافتتاح الملكي للمستشفى الجامعي بأكادير، في سياق وطني يسير بخطى واثقة نحو المعايير العالمية استعدادا لتنظيم كأس العالم 2030. فالصحة ركن أساسي في جاهزية الدول الكبرى، والمغرب يبرهن أنه مستعد ليس فقط بالملاعب، بل أيضا بمؤسسات طبية تضاهي أفضل المستشفيات العالمية.

إن تدشين المركب الاستشفائي الجامعي الدولي محمد السادس بالرباط ليس مجرد إنجاز عمراني أو تقني، بل هو إعلان عن ميلاد مغرب السيادة الصحية، حيث يصبح الاستثمار في الإنسان أساس التنمية، والعلم أساس الكرامة، والصحة عنوانا للسيادة الوطنية. إنها خطوة جديدة في مشروع “مغرب الكفاءة والسيادة والتضامن الإفريقي”، الذي يقوده جلالة الملك بثبات نحو المستقبل.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى