
تستأنف إيران والولايات المتحدة جولة جديدة من المفاوضات، بالعاصمة العُمانية مسقط، في محاولة لبحث مستقبل الملف النووي الإيراني، وسط توتر سياسي وعسكري متصاعد بين الطرفين. وتأتي هذه المحادثات في ظل تمسك طهران بشروطها ورفضها توسيع نطاق التفاوض، مقابل ضغوط أمريكية لفرض قيود أوسع تشمل البرنامج الصاروخي والنفوذ الإقليمي. وبموازاة المسار الدبلوماسي، لا تخفي المؤشرات الجانبية استعداد الطرفين لاحتمالات المواجهة، إذ تواصل الولايات المتحدة تعزيز وجودها العسكري وإجراء مناورات في المنطقة، فيما أعلنت إيران نشر صاروخ باليستي متطور وتأكيد جاهزيتها العسكرية للدفاع عن مصالحها، ما يجعل هذه الجولة اختباراً حقيقياً لإمكانية التوصل إلى اتفاق يخفف حدة التوتر أو يدفع نحو مزيد من التصعيد.
إعداد: سهيلة التاور
انطلقت المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، صباح أمس الجمعة، في العاصمة العُمانية مسقط، وسط تأكيد طهران على التشبث بحقوقها في وجه الضغوط والتهديدات الأمريكية المتصاعدة، وترقب البيت الأبيض لما ستسفر عنه المباحثات.
وقالت مصادر رسمية إيرانية لـ«الجزيرة» إن المفاوضات غير المباشرة مع واشنطن بدأت بلقاء بين وزير الخارجية الإيراني ونظيره العماني، وذلك بعد خبر أوردته هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية بأن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي توجّه إلى مكان إجراء المفاوضات في مسقط.
ويترأس عراقجي الوفد الإيراني، فيما يترأس الوفد الأمريكي مبعوث الرئيس دونالد ترمب إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف. وأفادت صحيفة «وول ستريت جورنال»، نقلا عن مسؤول أمريكي، بأن قائد القيادة المركزية الأمريكية سينضم للمحادثات.
وتأتي هذه التطورات وسط خشية من انهيار المفاوضات التي تجري في ظل ضغوط أمريكية وتوتر متصاعد، حيث تصر إيران على اقتصار المباحثات على برنامجها النووي، بينما تسعى واشنطن لبحث ملفات أخرى، من بينها البرنامج الصاروخي الإيراني.
وكان عراقجي حذّر من أن طرح واشنطن موضوعات خارج ما تم الاتفاق عليه سيكون سببا في تعثر المفاوضات، محمّلا الولايات المتحدة مسؤولية أي فشل محتمل، وذلك قبيل توجهه إلى مسقط.
طهران تدخل المفاوضات بحذر
قبيل انطلاق المفاوضات، أكد عباس عراقجي أن طهران ستفاوض بحسن نية، وتتمسك بحقوقها خلال محادثات مسقط، فيما أكد البيت الأبيض أن ترامب يترقب نتائج المفاوضات، وسط تعزيزات عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط.
وقال عراقجي، الذي وصل العاصمة العمانية مسقط مساء أول أمس الخميس، إن إيران «تدخل المفاوضات بعينين مفتوحتين وذاكرة حاضرة لأحداث العام الماضي».
وأضاف عراقجي: «سننخرط في المفاوضات بحسن نية ونتمسك بحقوقنا»، مشيرا إلى أن «الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة ليسا مجرد كلمات وإنما ضرورة حتمية»، خلال الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
ونقلت وكالة «إرنا»، عن مسؤولين إيرانيين، قولهم إن الاتفاق الذي تريده طهران «لا يتحقق إلا بالالتزام وبالاحترام المتبادل وتجنب التهديدات»، مشيرين إلى أن إيران تسعى إلى اتفاق واقعي ونتائج ملموسة في محادثات مسقط.
وتُعد هذه المفاوضات الأولى منذ الضربات التي شنتها أمريكا على مواقع نووية إيرانية في يونيو الماضي، خلال حرب الأيام الـ12 التي اندلعت عقب هجوم إسرائيلي على إيران.
ثوابت إيرانية تقيّد مسار التفاوض
قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، مساء أول أمس الخميس، إن عراقجي وصل إلى مسقط لإجراء محادثات نووية مع الولايات المتحدة، الجمعة، وفق ما هو مقرر.
وأوضح المتحدث أن إيران ستشارك في المحادثات «بهدف التوصل إلى تفاهم عادل وكريم ومقبول للطرفين بشأن القضية النووية»، في ظل رفض طهران أن تشمل المفاوضات ترسانتها الصاروخية، معربا عن أمله في أن يشارك الجانب الأمريكي في المباحثات «بمسؤولية وواقعية وجدية»، وفق تعبيره.
ومن جانبه، قال المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، إبراهيم رضائي، إن برنامج الصواريخ الإيراني وأنشطة تخصيب اليورانيوم ملفات «غير قابلة للتفاوض» في المفاوضات مع الولايات المتحدة.
وفي تصريح صحفي، شدد رضائي على أنه «لم تتغير الخطوط الحمراء الإيرانية، وإذا أراد الأمريكيون المشاركة في المفاوضات بالأسلوب السابق نفسه، والمطالبة بوقف التخصيب تماما، فيجب اعتبار المفاوضات فاشلة منذ الآن»، في إشارة إلى المفاوضات السابقة التي جمعت البلدين.
شروط ترمب الثلاثة
تضغط إدارة ترمب على طهران للقبول بثلاثة شروط أساسية، يتمثل الأول في الوقف الدائم لعمليات تخصيب اليورانيوم، بما يضمن -وفق الرؤية الأمريكية- عدم امتلاك إيران سلاحا نوويا أو القدرة على إنتاجه مستقبلا.
أما الشرط الثاني فيتعلق ببرنامج الصواريخ، إذ تطالب واشنطن بأن تقبل طهران قيودا صارمة على برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني وتطويره واستخدامه.
ويركز الشرط الثالث على النفوذ الإقليمي لإيران، حيث يشدد ترمب على ضرورة إنهاء الدعم للجماعات المسلحة في المنطقة.
وفي السياق ذاته، صرح وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيت، بأن لإيران «كل الخيارات لإبرام صفقة»، مشددا على أنها يجب ألا تسعى لامتلاك قدرات نووية، ومؤكدا جاهزية البنتاغون لتنفيذ ما يتوقعه الرئيس.
البيت الأبيض يراقب ويُلوّح بالخيار العسكري
قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، للصحافيين إن الرئيس الأمريكي يترقب محادثات الولايات المتحدة وإيران في عُمان، لتحديد ما إن كان سيتسنى التوصل إلى اتفاق مع طهران.
وأضافت ليفيت أنه، «أثناء إجراء هذه المفاوضات، أود أن أذكّر النظام الإيراني بأن الرئيس لديه العديد من الخيارات المتاحة، إلى جانب الدبلوماسية، بصفته القائد الأعلى لأقوى جيش في تاريخ العالم»، وفق تعبيرها.
وأكدت المتحدثة أن المحادثات ستركّز على الدبلوماسية، مشددة على أن ترمب أوضح مطالبه من طهران، وهي ألا يمتلك النظام الإيراني قدرات نووية كاملة.
وأتت تصريحات ليفيت بعد تصريح للرئيس الأمريكي جدد فيه تأكيده أن إيران تتفاوض مع بلاده، وأنها لا تريد أن توجه لها ضربة.
في الأثناء، وصل المبعوثان الأمريكيان ويتكوف وكوشنر، الخميس، إلى العاصمة القطرية الدوحة.
وقال مسؤول في البيت الأبيض إن قطر تعد طرفا محوريا في العمل، ومعها شركاء إقليميون آخرون من بينهم مصر، في محاولة لتسهيل المحادثات بين واشنطن وطهران.
وأكدت كل من الولايات المتحدة وإيران، الأربعاء الماضي، أن المباحثات بين البلدين ستُعقد الجمعة في سلطنة عُمان، على أن يديرها من الجانب الأمريكي المبعوثان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، ومن الجانب الإيراني وزير الخارجية.
وأتى التأكيد بعد ورود تقارير تفيد بأن المفاوضات على وشك الانهيار بسبب خلافات على صلة بمكان اللقاء وصيغته، إذ كان من المقرر أن ينعقد في إسطنبول.
حراك دولي واسع لمنع انفجارالمواجهة
قبل انعقاد المفاوضات، قال نائب وزير الخارجية الصيني إن بكين تدعم طهران في حماية السيادة والأمن والسلامة الإيرانيين، مؤكدا أنه اجتمع، الخميس، مع نظيره الإيراني في بكين.
ومن جانبه، دعا وزير الخارجية الفرنسي، جون نويل بارو، إيران إلى استغلال المباحثات المرتقبة مع الولايات المتحدة في مسقط، وطالب طهران بأن توافق على تنازلات في برنامجها النووي والصاروخي.
أما روسيا فأكدت، في تصريح لوزير خارجيتها سيرغي لافروف، استعدادها للمساهمة في حل قضية مخزون اليورانيوم المخصب في إيران، إذا توصلت واشنطن وطهران إلى اتفاق.
وحذر لافروف من أن الوضع بشأن إيران ينذر بانفجار قد يشمل الشرق الأوسط بأكمله، لافتا إلى أن إيران شريك وثيق لروسيا، مشددا على أن موسكو لن تقف مكتوفة الأيدي حيال تطور التعقيدات الحالية في المنطقة.
ويرى مراقبون أن القوى الإقليمية والدولية، بما فيها روسيا، تسعى إلى تعزيز التفاوض بين طهران وواشنطن ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة، لأن أي فشل في مسقط لن يعني تعثر محادثات فحسب، بل يفتح الباب أمام سيناريوهات تصعيد لا يمكن ضبط مآلاتها.
الجيش الأمريكي يُحذّر
قال المتحدثُ باسم القيادة المركزية للقوات الأمريكية، النقيب تيم هوكينز، إن القوات الأمريكية في المنطقة تنفذ عمليات تدريبية، وإنها موجودة في المنطقة لحماية المصالح الأمريكية، ومستعدة لأيّ مهام تُوكل إليها. وأضاف هوكينز أن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» تقوم حاليا بمهام تدريبية، وستردّ على أيّ قِطَعٍ عسكرية تقترب منها.
وأضاف المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية أن القوات الأمريكية تعاملت مع حادثتي احتكاك مع القوات الإيرانية لحماية وحدات الجيش الأمريكي ومصالحه، وأنها لن تتردد في القيام بأي مهام مشابهة.
استعداد إيراني
قبل ساعات من انطلاق المحادثات الأمريكية- الإيرانية، المرتقبة أمس الجمعة في مسقط، كشفت إيران عن نشر صاروخ باليستي مطور من طراز «خرمشهر 4» في قاعدة صاروخية جديدة تابعة للحرس الثوري الإيراني.
ووصفت وكالة أنباء «فارس» الإيرانية شبه الرسمية الصاروخ «خرمشهر 4» بأنه أحد أكثر الصواريخ الباليستية تطورا، مشيرة إلى أنه أصبح ضمن التجهيزات العملياتية في قاعدة صاروخية جديدة، تابعة للقوة الجوفضائية في الحرس الثوري.
وأوضحت الوكالة أن مدى الصاروخ يبلغ 2000 كيلومتر، ويحمل رأسا حربيا يزن 1500 كيلوغرام، ويتمتع بسرعة تصل إلى 16 ضعف سرعة الصوت خارج الغلاف الجوي، و8 أضعاف داخل الغلاف الجوي.
ولفتت وكالة «فارس» إلى أن نشر هذا الصاروخ يتزامن مع إعلان تغيير عقيدة القوات المسلحة الإيرانية من الدفاعية إلى الهجومية، ويمثل رسالة لمن وصفتهم بالأعداء في المنطقة وخارجها على القدرة الصاروخية وتطويرها، بحسب الوكالة.
وتشهد العلاقات بين طهران وواشنطن توترا متزايدا منذ أسابيع، على خلفية نشر الولايات المتحدة حاملة طائرات ومجموعتها الضاربة في الشرق الأوسط، في أعقاب الاحتجاجات على الظروف المعيشية التي شهدتها إيران نهاية دجنبر الماضي.





