
في زمن الأزمات والكوارث الطبيعية والحروب، لا يقل التواصل الرسمي أهمية عن التدخلات الميدانية نفسها، بل يشكل في كثير من الأحيان خطا للدفاع الأول والمساهمة في حماية الأرواح والحفاظ على النظام العام، لأن المعلومة الدقيقة في وقتها المناسب قادرة على تبديد الخوف، وتوجيه السلوك الجماعي نحو الانضباط والتعاون، على عكس الإشاعة التي تتحول إلى سلاح خطير ينشر الفزع ويقود إلى تصرفات فوضوية قد تفضي إلى سقوط ضحايا وجرحى، بسبب معلومات كاذبة أو مضللة.
ومن خلال التجارب الدولية في التعامل مع الكوارث والحروب، فإن الإشاعة تعتبر من أخطر ما يواجه المجتمعات أثناء الأزمات، لأنها تنتشر بسرعة أكبر من الحقيقة، خاصة داخل المجتمعات التي تعاني الجهل والأمية وسوء استعمال المنصات الاجتماعية، وتدني نسبة التوعية والتحسيس بالتعامل مع حالات الطوارئ.
ولا شك أن معلومة غير مؤكدة حول فيضان وشيك، أو مزاعم قرب انهيار سد، أو خطر غير محدد المعالم، كفيلة بدفع السكان إلى الهروب العشوائي على سبيل المثال، أو رفض التعليمات الرسمية التي تصدرها لجان اليقظة، أو عرقلة عمليات الإنقاذ، ما يمكنه مضاعفة الخسائر البشرية والمادية لا قدر الله.
وبالنظر إلى ما سبق ذكره، يصبح التواصل الرسمي المنتظم والواضح ضرورة ملحة لقتل الإشاعة في مهدها، ومنع تداولها قبل أن تتحول إلى «حقيقة» متداولة في الفضاء الرقمي، يصعب لاحقا تصحيحها أو احتواؤها، خاصة والتهافت على أموال الأدسنس التي تسيل لعاب مسيري الصفحات دون تقدير للعواقب الوخيمة.
وهنا نسجل بإيجابية تواصل الجهات المسؤولة بشأن وضعية السدود، خاصة ما يتعلق بسد وادي المخازن بالقصر الكبير، الذي أثار في فترة معينة لغطا واسعا وتحليلات متسرعة بُنيت على جهل كبير بالتخصص، وعلى إسقاط معلومات علمية غير دقيقة خارج سياقها التقني والزمني، لأن السدود، بحكم طبيعتها، لا يمكن التعامل معها بمنطق التعميم، إذ تختلف كل منشأة حسب بنيتها، وطاقة استيعابها، والظروف الهيدرولوجية والمناخية المحيطة بها، وأي قراءة خارج هذا الإطار العلمي الدقيق تفتح الباب أمام التهويل، وتغذي الإشاعة بدل طمأنة المواطنين.
ولا تتوقف خطورة الإشاعة عند حدود تخويف الرأي العام، بل تتعداها إلى استنزاف جهود لجان اليقظة والسلطات المحلية، التي تجد نفسها مضطرة إلى تصحيح الأخبار الزائفة، وإقناع السكان بالتهديدات الحقيقية المحتملة، خاصة عندما يتعلق الأمر بتدابير استباقية. هذه التدابير التي يكون هدفها الأول تنزيل التعليمات الملكية السامية القاضية بحماية الأرواح بالدرجة الأولى، تتطلب الصرامة في القرار والسرعة في التنفيذ في ظل إكراه الزمن، وهو ما لا يحتمل التشويش، أو الجدل العقيم الناتج عن معلومات مغلوطة.
وما يزيد الوضع تعقيدا هو لجوء بعض الصفحات على المنصات الاجتماعية إلى ترويج منشورات كاذبة حول الفيضانات، تم تصنيعها باستعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي، أو عبر نشر مواد وصور تعود لدول أخرى وأحداث لا علاقة لها بالمغرب، لنجد هنا أن الهدف في كثير من الأحيان ليس الإخبار، بل إثارة الانتباه، وجلب نقرات الإعجاب والمشاهدة التي تدر أرباح الأدسنس، ولو كان الثمن هو نشر الخوف وتهديد سلامة المواطنين، وهو السلوك الذي يرقى إلى جريمة في حق الصالح العام، ويستدعي الضرب بيد القانون على كل من تسول له نفسه استغلال حالات الطوارئ لغايات شخصية ضيقة.
لقد أصبح من الضروري على الجهات المسؤولة تضييق الخناق أكثر على الإشاعة وتنظيم النشر على المنصات الاجتماعية، ليس فقط عبر المتابعة القانونية وتطوير التشريع، بل أيضا من خلال تعزيز قنوات التواصل الرسمية، وفق معايير المهنية والشفافية والانتظام.
ويظل الحفاظ على حق المواطنين في المعلومة والصورة من الأولويات أيضا، مع ضرورة تجنب الارتباك الذي تحدثه أحيانا العدسات المتطفلة في الميدان، والتي تغيب عنها أدنى اعتبارات حساسية المرحلة، وتستبدل التقدير المهني بالتضخيم والتهويل لأسباب مالية محضة، إذ كلما ضاقت مساحة الإشاعة، وتعززت ثقة المواطن في مؤسساته، سرنا للنجاح في تجاوز كافة الأزمات بأقل الخسائر الممكنة.





