
حسن البصري
أقف أمام محكمتكم مكرها في مشهد من مشاهد المحن.
الماثل أمامكم سيق قهرا إلى محكمتكم، ذنبه الوحيد ارتفاع منسوب الضيافة لديه، وإصراره على أن يتقمص شخصية حاتم الطائي في زمن الجحود والتنكر.
لقد لجأت إلى مسطرة الاستئناف، لأن الأحكام الصادرة عن لجنة الانضباط تفتقد للانضباط، ولأن سوط العقوبات جلد الشاكي والمشتكى به.
سيدي القاضي: ألا تخجل هيئة «الانضباط» من نفسها وهي تصدر عقوبات سالبة للمال وللتباري، تعاقب من خلالها المنتخب الحائز على جائزة الروح الرياضية وتتهمه في الوقت نفسه بانتهاك الروح الرياضية.
إن الأحداث التي رافقت مباراة يوم 18 يناير 2026، بين المنتخب الوطني ونظيره السينغالي، برسم نهائي كأس أمم إفريقيا لكرة القدم، والدفوعات التي قدمها دفاع السينغال، تحتاج إلى رد لما تخللها من تحريف للوقائع وانتحال لصفة المظلوم.
الماثل أمام محكمتكم متهم باستضافة حدث كروي قاري، والإفراط في الترحيب بضيوفه، وفي حضرتهم ردد شاعرنا:
يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا … نحن الضيوف وأنت أهل الدار.
نعترف سيدي القاضي بأننا بالغنا في الترحاب بضيوفنا حد الغباء، لقد جعلناهم يرقصون في بهو الفنادق، قبل أن يرقصوا في الملاعب.
إن الدفوعات التي قدمها دفاع السينغال تحمل بين سطورها إجهازا على جهودنا في إنجاح بطولة سقنا إليها سوقا وأرغمنا عليها إرغاما.
سيدي القاضي: إن محكمتكم التي أصدرت أحكاما قاسية ضد فريق الجيش الملكي وجمهوره، بسبب «ملاسة» من بقايا عتاد البناء، هي المحكمة ذاتها التي غضت الطرف عن مشجعين سينغاليين يحطمون كراسي الملعب ويحاولون اقتحام أرضيته، دون أن يطولهم العقاب.
الماثل أمام محكمتكم الموقرة متهم بمحاولة الاستيلاء على فوطة «مقدسة»، لا يوجد قانون يمنحها قدسية تجعل حاملها والمحمولة إليه ونازعها والمنزوعة منه أظناء.
سيدي القاضي: دعني أعترف بذنبي، وأقر أمام محكمتكم بأنني كنت مغفلا، حين اعتقدت أن نجاح الدورة نجاح لقارة كاملة.
لقد وضعنا ملعب طنجة وفنادق «عروس الشمال» رهن إشارتهم، اسأل دروب السوق الداخل ومغارة هرقل ومقاعد مقهى «الحافة» سيؤكدون أقوالي.
في الامتحان النهائي تنكر لنا الأشقاء، عضوا اليد التي كانت تصافحهم كل صباح.
بصق مدربهم في الطبق الذي تناول فيه حساء طنجة وكسكس الرباط، وقدم للعالم وصلة في العبث بقيم الرياضة، وأصر أن يعيدنا إلى زمن النعرات الإفريقية.
سيدي القاضي: لا تجعلوا من أحكامكم دافعا لمن يهوى هدم حفلات الأفراح وتحطيم المزهريات.
لا تجعلوني ألعن الضيف وألوم المضيف، وأسخر من ابتسامات موظفي الاستقبال، وجلسات حول كؤوس الشاي، وفي وحدتي أعاتب نفسي:
أهو ذنبي، أم فخ «الكاف»؟
لا تجعلوا أحكام محكمتكم الاستئنافية محل سخرية من قضاء محكمة التحكيم الرياضي الدولية.
لا تذبحوا الروح الرياضية في مسلخ الكونفدرالية الإفريقية، بسكاكين من كنا نحسبهم أشقاء إلى أن ظهر العكس في خطبة الاتهام.
إن المستندات التي بين أيديكم سيدي القاضي، تكشف عن تجرد موقظ الفتنة من خصال التيجانيين، حين استبدل التقوى فجورا وحول الملعب إلى ما يشبه حلبة مصارعة الثيران، لعب فيه دور الثور ومروضه.
حين انتظرنا قرارا من محكمتكم يعيد لنهائي «الكان» كرامته المغتصبة، سلطتم عقوباتكم على الجيوب، فانقبضت القلوب ولم يعد فيها متسع للمزيد من الندوب.
أحكامكم سيدي، أشبه بفتوى تبيح كل شيء، فيها من الظلم ما يكفي لتفخيخ الروح الرياضية والدوس على ما تبقى من قيم، وفيها من المهانة ما يكفي لإبادة الكرة الإفريقية وإعدامها رميا برصاص رقيب يتربص بالسلطة.
سيدي القاضي:
لا تكن صدى يردد أحكاما تمهيدية، لا تكن رهينة بين يدي حاكم متنكر في لباس العدالة.
لنا الصبر ولمحكمتكم واسع النظر.





