حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةالملف السياسيسياسية

ملف الصحراء المغربية.. دقت ساعة الحسم

أمريكا تعتزم فتح قنصلية في الصحراء وروسيا تغير موقفها 

يعرف ملف الصحراء المغربية تطورات متسارعة تنذر باقتراب ساعة حسم هذا الملف الذي عمر طويلا، وتأتي هذه التطورات في ظل تزايد مواقف الاعتراف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية من طرف مختلف دول العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أعلن مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشؤون إفريقيا والشرق الأوسط،، أن أمريكا تستعد لافتتاح قنصلية في الصحراء المغربية، مؤكدا أن هذا القرار يأتي في سياق استمرارية الموقف الأمريكي الداعم لسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، والذي سبق أن أعلن عنه أكثر من مرة وبكل وضوح. كما أكد الاتحاد الأوروبي سيادة المغرب على صحرائه، من خلال التوقيع على الاتفاق الفلاحي المعدل الذي يشمل منتجات الأقاليم الجنوبية. وتزامنا مع ذلك، تتجه روسيا إلى تغيير موقفها من النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، وذلك بالاعتراف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وبمبادرة الحكم الذاتي كحل للنزاع بتوافق بين كل الأطراف، ومن المنتظر أن يتم الإعلان عن هذا الموقف رسميا خلال الأيام المقبلة، بعد إعلان روسيا أن المغرب شريك مهم في القارة الإفريقية، بمناسبة انعقاد  اللجنة المشتركة المغربية الروسية، نهاية الأسبوع الماضي، بالعاصمة موسكو.

 

إعداد: محمد اليوبي – النعمان اليعلاوي

روسيا تغير موقفها من قضية الصحراء المغربية وستصوت ضمنيا لصالح المغرب بمجلس الأمن

 

 

تزامنا مع التطورات الأخيرة التي عرفها ملف الوحدة الترابية، تتجه روسيا لتغيير موقفها من النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، وذلك بالاعتراف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وبمبادرة الحكم الذاتي كحل للنزاع بتوافق بين كل الأطراف، وسيتم الإعلان عن هذا الموقف رسميا بعد انعقاد اللجنة المشتركة المغربية الروسية في نهاية الأسبوع الجاري بالعاصمة موسكو، بحضور وفد حكومي مغربي رفيع المستوى.

وأفادت المصادر، بأنه تأكيدا لهذا الموقف ستصوت روسيا بالامتناع في الجلسة التي سيخصصها مجلس الأمن لملف الصحراء، في نهاية الشهر الجاري، وهو تصويت ضمنيا لصالح المغرب، وفي هذا الصدد، أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، يوم الاثنين الماضي بموسكو، أن خطة الحكم الذاتي التي اقترحها لإيجاد حل لقضية الصحراء تعتبر أحد أوجه تقرير المصير.

وأضاف لافروف في ندوة صحفية حضرتها وسائل إعلام من مختلف الدول العربية، أن بلاده «ترحب بحل مناسب لهذا النزاع الذي عمر طويلا تقبله كافة الأطراف»، مؤكدا أن الموقف الروسي بشأن هذا الملف يرتكز على قرارات الأمم المتحدة التي تسعى لحل هذا النزاع الذي عمر طويلا لأكثر من 50 عاما ولا يزال قائما.

وأشار وزير الخارجية الروسي إلى أن أعضاء مجلس الأمن كانوا يدعمون في السابق تنظيم استفتاء لتقرير مصير بالصحراء، ولم يشكك أحد في ضرورة هذا الاستفتاء، وأضاف أن الجميع كان يعمل على تفاصيل تضمن تصويتا نزيها لجميع ساكنة الصحراء، وكل طرف كان يقترح سيناريو أو خطة لتنظيم هذا الاستفتاء، وتابع لافروف بالقول «لكن الآن الوضع تغير، ونحن نعلم أن المغرب لا يرفض فكرة تقرير المصير، لكنه يرى أن هذه الفكرة يمكن تجديدها على شكل حكم ذاتي».

وفي هذا السياق، أكد لافروف قائلا «بالنسبة لنا كموقف روسي فإن الحل المقبول هو الحل الذي يُرضي جميع الأطراف. وقد تم تأكيد هذا التوجه في قرار مجلس الأمن»، وبخصوص الموقف الأمريكي بالاعتراف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، أكد لافروف أن الولايات المتحدة الأمريكية اختارت مسارا مختلفا، حيث اعترفت خلال الولاية الرئاسية الأولى لدونالد ترامب بأن الصحراء جزء من المملكة المغربية، واعتبرت حينئذ أن المسألة في هذا الملف محسومة.

وأضاف «بالنسبة لنا، كموقف روسي، الموضوع لا ينتهي بمجرد اعتراف دولة واحدة، بل يجب أن تؤكد جميع الأطراف المعنية بأن الحل ينبغي أن يتحقق على أساس توازن عادل في المصالح»، وخلص لافروف إلى أن قرار مجلس الأمن الحالي يعكس هذا الوضع.

ومن جهة أخرى، أكد وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، يوم الخميس الماضي بموسكو، أن المغرب وروسيا متفقان على أنه لا يمكن تأويل القانون والمبادئ الدولية بشكل يعرقل التقدم نحو تسوية قضية الصحراء المغربية.

وقال بوريطة، في ندوة صحفية أعقبت مباحثاته مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، أن هذا اللقاء شكل فرصة للتطرق إلى القضايا الإقليمية والدولية، وعلى رأسها ملف الصحراء المغربية، وأضاف، في السياق ذاته، «نحن متفقون على أن الحلول يجب أن تكون مطابقة للقانون الدولي وللمبادئ الدولية، ولكن متفقون كذلك على أن تلك المبادئ لا يمكن استغلالها أو تأويلها بشكل يعرقل التقدم نحو الحلول».

وبعد ما سجل أن روسيا ترأس مجلس الأمن لشهر أكتوبر، والذي سينظر في هذه القضية، أبرز أنه «حان الوقت اليوم للأخذ بعين الاعتبار الدينامية التي يشهدها الملف على المستوى الدولي بفضل الزخم الذي أضفاه الملك محمد السادس والتغيرات التي عرفتها مواقف مجموعة من الدول»، مؤكدا أن «روسيا فاعل أساسي في هذا الملف كعضو في مجموعة الدول الأصدقاء، وكعضو دائم في مجلس الأمن وكرئيس حالي لمجلس الأمن وسنستمر في نقاشنا حول هذا الموضوع خلال الأيام المقبلة».

وشدد وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج على أن المغرب يعتبر روسيا فاعلا مهما في الساحة الدولية، باعتباره عضوا دائما وفاعلا مؤثرا في مجموعة من الملفات والقضايا الدولية، مبرزا أن «الحوار القائم بيننا ستكون له نتائج إيجابية، فهو حوار ليس ضد أحد بل حوار لتعزيز السلم والاستقرار الإقليميين».

وخلص الوزير إلى أن لكل من روسيا والمغرب دور يضطلع به في المنطقة العربية وفي إفريقيا، وحوارنا سيجعلنا نشتغل لتقريب وجهات النظر ولتعزيز الاستقرار في هاتين المنطقتين.

من جهته، أكد وزير الخارجية الروسي أن البلدين «يتقاسمان الموقف الذي يعتبر أن هذه المبادئ الدولية يجب ألا تفسر بشكل انتقائي (…) بل ينبغي تطبيقها واحترامها بشكل كلي ومترابط».

وتجدر الإشارة إلى أن الأمم المتحدة أدرجت، باقتراح من روسيا الاتحادية التي تتولى الرئاسة الدورية لمجلس الأمن، ملف الصحراء المغربية ضمن برنامج عمل المجلس لشهر أكتوبر الجاري، في ثلاث محطات أساسية متصلة ببعثة «المينورسو» الأممية، وقدم المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، يوم الجمعة الماضي، إحاطة شاملة حول مستجدات النزاع، متضمنة تفاصيل جولاته الأخيرة واتصالاته الثنائية مع الأطراف المعنية، إضافة إلى الخطوات المرتقبة لإعادة بعث المسار السياسي، وفي نفس اليوم قدم الروسي ألكسندر إيفانكو، رئيس بعثة المينورسو، تقريرا تقنيا بشأن التحديات الميدانية التي تواجه عناصر البعثة شرق وغرب الجدار الرملي، وما تم رصده من إكراهات ميدانية مرتبطة بالمهام الموكولة إليها.

وسينهي مجلس الأمن مناقشاته بشأن الملف في جلسة ستنعقد يوم 30 أكتوبر الجاري، باعتماد القرار الجديد الخاص بتجديد ولاية بعثة المينورسو، وسط ترجيحات أممية باحتمال تقليص الولاية إلى ستة أشهر بدل سنة كاملة، لإبقاء الملف حاضرا بانتظام على جدول أعمال المجلس، وضمان استمرار النقاش الدوري حول تطوراته، ويرى متابعون أن هذا التوجه يروم ممارسة ضغط إضافي على الأطراف المعنية لدفعها إلى الالتزام بالقرارات الأممية السابقة، واستئناف المفاوضات المباشرة المتوقفة منذ سنوات، بما ينسجم مع دعوات دي ميستورا لإحياء العملية السياسية.

وتأتي هذه المستجدات في سياق متزايد من الاهتمام الدولي بالملف، خاصة من الجانب الأمريكي، حيث أجرى مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس السابق دونالد ترامب، لقاءات مع أطراف مؤثرة، في وقت تواصل فيه الإدارة الحالية تثبيت اعترافها بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية. كما تتقاطع هذه التحركات مع المواقف الأوروبية الداعمة، خصوصا من فرنسا وبريطانيا وإسبانيا، التي تعتبر مبادرة الحكم الذاتي المغربية تحت السيادة الوطنية الحل الأكثر جدية وواقعية للنزاع.

قرارات مجلس الأمن تكرس الواقعية وتدفع نحو حسم ملف الصحراء المغربية

 

يبدو أن مجلس الأمن الدولي بات اليوم، أكثر من أي وقت مضى، منسجما مع المقاربة المغربية في معالجة ملف الصحراء، بعدما تبنت قراراته الأخيرة منهج الواقعية السياسية في التعاطي مع هذا النزاع المفتعل، بما يجعل الحل المقترح من طرف المغرب، القائم على الحكم الذاتي تحت السيادة الوطنية، الخيار الوحيد الممكن لإنهاء هذا الملف بشكل نهائي ومستدام.

فمنذ سنوات، تشهد لغة قرارات مجلس الأمن تحولا تدريجيا يعكس تغير ميزان الفهم الدولي لطبيعة النزاع، إذ انتقل الخطاب الأممي من التركيز على «تقرير المصير» إلى الدعوة إلى «حل سياسي واقعي وعملي ودائم». وهي الصيغة التي باتت تتكرر في كل قرارات المجلس منذ عام 2018، لتبلغ في القرارات الأخيرة وضوحا أكبر من أي وقت مضى. هذا التحول لم يكن معزولا عن الدينامية التي قادها المغرب دبلوماسيا وميدانيا، من خلال ترسيخ الأمن والاستقرار في الأقاليم الجنوبية، وإطلاق مشاريع تنموية كبرى واستقطاب استثمارات دولية عززت شرعية الموقف المغربي على الأرض.

وأكد القرار الأخير لمجلس الأمن، رقم 2703  الصادر في أكتوبر 2024، أن الحل المنشود لقضية الصحراء يجب أن يكون واقعيا ومستداما ويقوم على التوافق، وهو تأكيد جديد على أن المجتمع الدولي أصبح يعتبر مبادرة الحكم الذاتي، التي تقدم بها المغرب سنة 2007، الإطار الأكثر جدية ومصداقية لمعالجة النزاع. فقد وصف القرار المبادرة المغربية بأنها «أساس جدي وواقعي للحل»، وهو تعبير يعكس بوضوح اقتناع الدول الأعضاء، بما فيها القوى الكبرى، بأن هذا المقترح يجسد الإرادة الحقيقية للتسوية ويأخذ بعين الاعتبار مصالح ساكنة الأقاليم الجنوبية واستقرار المنطقة بأكملها.

وفي مقابل هذا الموقف الواضح، تتراجع أطروحة الانفصال يوما بعد يوم، حيث لم يعد المجلس يتعامل مع جبهة «البوليساريو» إلا كطرف مشارك في العملية السياسية، دون أن يولي أي اعتبار لمطالبها المنفصلة عن الواقع. فضلا عن أن المجلس لم يعد يشير إلى خيار الاستفتاء، الذي كان يشكل، لعقود، محور النقاش، بعدما تبيّنت استحالة تطبيقه قانونيا وعمليا في ظل الظروف الحالية. وبذلك طويت صفحة «الاستفتاء» نهائيا لصالح مقاربة جديدة عنوانها التسوية السياسية الواقعية في إطار السيادة المغربية.

أحد أبرز ملامح التطور في مواقف مجلس الأمن يتمثل كذلك في تأكيده المتكرر على دور الجزائر كطرف رئيسي في النزاع، بعدما كانت لعقود تحاول تقديم نفسها كـ«بلد جار محايد». فقد نصت قرارات المجلس الأخيرة، خاصة القرارين 2602 (2021) و2654 (2022)، على ضرورة مشاركة الجزائر في الموائد المستديرة التي يشرف عليها المبعوث الأممي، وهو تأكيد ضمني على أن الحل لا يمكن أن يمر دون انخراطها الفعلي. هذه الإشارة المتكررة من مجلس الأمن تحمل دلالة سياسية عميقة، إذ تعني تحميل الجزائر جزءا من المسؤولية في استمرار النزاع، باعتبارها الداعم والممول والمحتضن لجبهة «البوليساريو».

ويأتي هذا الموقف الأممي الجديد بعد أن أظهرت التطورات الأخيرة أن الجزائر هي الفاعل المباشر في تأزيم الوضع، سواء من خلال خطابها الدبلوماسي التصعيدي أو عبر رفضها حضور الاجتماعات التي دعا إليها المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا، الذي وجد نفسه أمام واقع جديد في المنطقة، حيث لم يعد النزاع محكوما بتوازنات الحرب الباردة، بل بميزان الشرعية الواقعية على الأرض. فزيارات دي ميستورا إلى مدينتي العيون والداخلة أكدت أن الأمم المتحدة باتت تتعامل مع هذه المدن كجزء طبيعي من السيادة المغربية، وليست مناطق متنازع عليها كما كان يُصوَّر في السابق.

وأشار المبعوث الأممي، في إحاطاته الأخيرة، إلى الدينامية الاقتصادية والتنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية، وهو ما يُفهم منه أن الأمم المتحدة تأخذ بعين الاعتبار اليوم التحولات الميدانية التي أحدثها المغرب في المنطقة، سواء على مستوى البنيات التحتية أو التنمية الاجتماعية، ما جعل الحديث عن أي حل خارج السيادة المغربية أمرا متجاوزا وغير واقعي.

على المستوى الدولي، تعززت هذه المقاربة بفضل مواقف داعمة من قوى كبرى داخل مجلس الأمن، أبرزها الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة، التي أكدت جميعها أن مبادرة الحكم الذاتي تمثل الإطار الواقعي والوحيد للحل، علما أن دولا مؤثرة مثل الصين وروسيا، التي ظلت في السابق تتبنى مواقف أكثر تحفظا، امتنعت عن أي اعتراض على القرارات الأخيرة، في إشارة إلى قبولها الضمني بالتوجه الجديد نحو الحسم التدريجي لصالح المغرب.

في المقابل، لم يعد للمطالب الجزائرية أو الدعوات الانفصالية أي وزن داخل المجلس، بعدما رفضت الدول الأعضاء مقترحات توسيع صلاحيات بعثة «المينورسو» لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، وهو مطلب لطالما استخدمته الجزائر أداة للمناورة السياسية ضد المغرب. وبذلك حافظ المجلس على طبيعة مهام البعثة في حدودها التقنية، أي مراقبة وقف إطلاق النار فقط، دون الخوض في قضايا خارج نطاق ولايتها الأممية.

هذا التحول المتراكم في قرارات مجلس الأمن يُترجم مسارا جديدا في معالجة الملف، يقوم على ثلاث ركائز أساسية: الأولى إسقاط فكرة الاستفتاء بشكل نهائي؛ الثانية تثبيت مبادرة الحكم الذاتي كخيار واقعي وذي مصداقية؛ والثالثة تحميل الجزائر مسؤولية سياسية مباشرة عن استمرار النزاع. وهي ركائز تجعل الموقف الدولي اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى تصور المغرب للحل، الذي يجمع بين احترام السيادة الوطنية وضمان تدبير محلي ديمقراطي لشؤون المنطقة.

ولعل ما يعزز هذا التوجه هو أن المغرب لم يكتف بالتحرك الدبلوماسي فقط، بل دعم موقفه بحقائق ميدانية على الأرض، من خلال مشاريع استراتيجية ضخمة في الأقاليم الجنوبية، مثل ميناء الداخلة الأطلسي والطريق السريع تزنيت- الداخلة، إلى جانب الاستثمارات المتنامية في مجالات الطاقة والسياحة والصيد البحري. هذه الدينامية التنموية أعادت تشكيل صورة الصحراء المغربية، في نظر المنتظم الدولي، كمنطقة واعدة ومستقرة وليست بؤرة نزاع أو توتر.

وفي ضوء كل هذه التطورات، يمكن القول إن مجلس الأمن الدولي بات اليوم يدير ملف الصحراء بمنطق الحسم التدريجي، إذ لم يعد يتعامل مع القضية كملف تصفية استعمار، بل كقضية سياسية إقليمية تتطلب تسوية واقعية تحفظ الاستقرار وتكرّس السيادة المغربية. ومع تزايد عدد الدول التي فتحت قنصليات لها في العيون والداخلة، واعترافات دولية متنامية بمغربية الصحراء، أصبح المسار الأممي نفسه يسير في اتجاه تثبيت هذا الواقع القانوني والسياسي الجديد.

إن التحولات الأخيرة في مواقف مجلس الأمن لا تمثل مجرد انتصار دبلوماسي للمغرب، بل تعكس، أيضا، نضج رؤيته الاستراتيجية في إدارة ملف ظل لعقود رهينة التجاذبات. فاليوم أصبح هذا الملف يقترب من نهايته الواقعية، في ظل توافق دولي متزايد على أن مغربية الصحراء لم تعد موضع نقاش، بل حقيقة سياسية وقانونية راسخة تنتظر فقط الإخراج النهائي عبر تسوية أممية منسجمة مع مبادرة الحكم الذاتي التي قدمتها المملكة كحل نهائي وعادل ودائم.

 

الاتحاد الأوروبي يؤكد سيادة المغرب على صحرائه من خلال الاتفاق الفلاحي المعدل

 

علمت «الأخبار»، من مصادرها، أن الدبلوماسية المغربية تمكنت من إجهاض محاولات قام بها خصوم المغرب، من أجل إجهاض الاتفاق الفلاحي المعدل بين المغرب والاتحاد الأوروبي. وأكدت المصادر أن كل المناورات والتحركات التي قامت بها الجبهة الانفصالية داخل البرلمان الأوروبي، بدعم من الجزائر، باءت بالفشل.

وجاء الرد صريحا من المفوضية الأوروبية، التي أكدت أن توقيع الاتفاق الفلاحي المعدل بين المغرب والاتحاد الأوروبي، من شأنه أن يعزز شراكة طويلة الأمد بين الرباط وبروكسيل. وأوضحت المفوضية، في بلاغ لها، أن الاتفاق الفلاحي المبرم مع المغرب يهدف إلى توسيع نطاق المعاملة التعريفية التفضيلية لتشمل جهات الصحراء، مشيرة إلى أن الاتفاق دخل حيز التنفيذ بشكل مؤقت اعتبارا من 3 أكتوبر الجاري، بما يضمن الاستمرارية والأمن القانوني للفاعلين الاقتصاديين.

وأشارت المفوضية الأوروبية، في هذا الصدد، إلى أن مناقشات ستُجرى قريبا داخل مجلس الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي حول هذا الموضوع، وأضافت أن نص الاتفاق ينص على أن يشير إثبات المنشأ ووضع علامات المنتج بوضوح إلى جهات الإنتاج (الداخلة والعيون)، مع الحرص على أن تُمنح المزايا فعليا للمستفيدين المعنيين.

وأعرب الجهاز التنفيذي الأوروبي عن ارتياحه لـ«عمق الصداقة» و«التعاون المتين ومتعدد الأبعاد»، الذي تم إرساؤه على مر السنين بين الرباط وبروكسيل، مشيرا إلى أن الجانبين يتطلعان إلى تعميق هذه العلاقة أكثر خلال الأشهر المقبلة، سيما من خلال إبرام اتفاق شراكة استراتيجية.

ومن جهته، أكد ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، أن «المملكة المغربية والاتحاد الأوروبي اختتما بنجاح، وبروح شراكة وتوافق، المفاوضات المتعلقة بتعديل الاتفاق الفلاحي الذي يربط الطرفين»، وأوضح بوريطة في تصريح أن «التوقيع سيتم قريبا ببروكسيل»، وأنه في انتظار استكمال الإجراءات الداخلية، «سيتم التطبيق المؤقت للاتفاق بمجرد التوقيع عليه».

وأبرز الوزير أن الاتفاق المعدل «يقدم التوضيحات اللازمة، في احترام للثوابت الوطنية للمملكة»، ويندرج في إطار روح وفلسفة تبادل الرسائل الموقعة بين الطرفين سنة 2018، كما أنه يظل وفيا لجوهره العام.

وأضاف في هذا الصدد أن «الاتفاق يؤكد تطبيق التعريفات التفضيلية التي يمنحها الاتحاد الأوروبي بموجب اتفاقية الشراكة مع المغرب، بالأقاليم الجنوبية للمملكة»، مبرزا أنه «بشكل عام، فإن شروط الولوج إلى السوق الأوروبية المطبقة على منتجات الشمال، ستطبق أيضا على منتجات الصحراء المغربية».

وأكد بوريطة أن النص يتضمن أيضا تعديلات تقنية مرتبطة بإعلام المستهلك بمنشأ المنتجات، حيث سيتم وضع ملصق يشير إلى جهات الإنتاج في جنوب المملكة – «العيون- الساقية الحمراء» و«الداخلة- وادي الذهب»- على المنتوجات الفلاحية.

وأشار الوزير، من جهة أخرى، إلى أن النص يذكر بالموقف الذي عبر عنه الاتحاد الأوروبي سنة 2019 بشأن قضية الصحراء المغربية، وسجل فيه بإيجابية الجهود الجادة وذات المصداقية التي يبذلها المغرب. وأضاف أن النص يحيل أيضا على المواقف الوطنية اللاحقة لعدد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، التي عبرت عن دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، في إطار الدينامية التي أطلقها الملك محمد السادس.

وقال بوريطة إنه «بطبيعة الحال، لا يتعلق الأمر باتفاق سياسي، وإنما باتفاق قطاعي وتجاري وعملياتي. غير أنه يبعث أيضا بإشارات قوية وواضحة»، وفي هذا الصدد، أبرز الوزير الرؤية المستنيرة للملك محمد السادس، التي أضحت بفضلها «الصحراء المغربية منطقة للتنمية والربط والازدهار تفرض مكانتها كقطب للاستقرار والتنمية الإقليمية».

وأوضح بوريطة أن هذه الدينامية تفسر «اهتمام القوى العالمية والإقليمية الكبرى بالأنشطة الاقتصادية في الصحراء المغربية، ورغبتها في تشجيع التجارة والاستثمار في المنطقة، لجعل الصحراء حلقة وصل بين أوروبا وإفريقيا، وبين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي».

واستحضر الوزير في هذا الصدد، على سبيل المثال، «الإعلان القوي للولايات المتحدة الأسبوع الماضي»، و«المنتدى الاقتصادي المغربي- الفرنسي المرتقب انعقاده بالداخلة يوم 9 أكتوبر الجاري»، و«المبادرات التي تعتزم الوكالة البريطانية لتمويل الصادرات القيام بها».

وأبرز بوريطة أن الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي «يقدم مساهمة نوعية على الصعيد الوطني»، من خلال مساهمته في الناتج الداخلي الخام الفلاحي، وخلق فرص الشغل والحفاظ عليها، سيما في منطقة الصحراء المغربية.

وقال: «بطبيعة الحال، هذا الاتفاق يعزز الشراكة الاستراتيجية العريقة والمتينة بين المغرب والاتحاد الأوروبي»، مبرزا أن المغرب شريك موثوق وذو مصداقية، يجري معه الاتحاد الأوروبي أكبر حصة من مبادلاته التجارية في إفريقيا والعالم العربي، بمبلغ سنوي يتجاوز 60 مليار أورو، تشمل المنتوجات الصناعية والتجهيزات والمنتوجات الفلاحية.

كما أكد أن «الملك لطالما أراد أن تتجسد الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي في أعمال مشتركة وملموسة»، مبرزا أن «المجالين التجاري والفلاحي مهمان بالتأكيد، بالنظر إلى مكانتهما في اقتصاد المملكة، لكن شراكتنا (مع الاتحاد الأوروبي) تمتد أيضا إلى مجموعة واسعة من المجالات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والبيئية، وكذا قطاعات الهجرة والتنقل، والأمن، والرقمنة، والثقافة». وقال الوزير إنه في سياق إقليمي معقد، أصبحت فيه الأزمات هيكلية، يتيح هذا التقدم المطرد للمغرب والاتحاد الأوروبي بحث مستقبلهما المشترك بهدوء وبلورة مسار طموح وواعد.

وخلص بوريطة إلى أنه «أصبحنا اليوم قادرين على تسخير مؤهلاتنا القائمة، سواء تعلق الأمر بالتحضير للاستحقاقات المشتركة، أو بتحفيز دينامية أطرنا السياسية، مثل مجلس الشراكة، وعلى إرساء أسس شراكة استراتيجية أكثر عمقا، من شأنها أن توجه علاقاتنا خلال السنوات المقبلة».

تطورات ملف الصحراء.. اعترافات دولية تكرس مسار حسم القضية

 

 

يشهد ملف الصحراء المغربية خلال السنوات الأخيرة تحولات استراتيجية غير مسبوقة على المستويين الدبلوماسي والسياسي، بعدما تمكن المغرب من تثبيت مواقفه الراسخة إقليمياً ودولياً بخصوص وحدته الترابية، وفرض مقاربته الواقعية القائمة على مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الجدي والوحيد القابل للتطبيق من أجل تسوية هذا النزاع المفتعل الذي عمر لأزيد من أربعة عقود.
فمنذ الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية في دجنبر 2020، تعززت المواقف الدولية المؤيدة للوحدة الترابية للمملكة بشكل متسارع، وهو ما ترجمته سلسلة من المواقف والقرارات لدول وازنة عربياً وإفريقياً وأوروبياً وأمريكياً لاتينياً، أكدت جميعها دعمها الصريح للمقترح المغربي واعتبرته الحل الواقعي والوحيد الممكن للنزاع.

لقد شكل الاعتراف الأمريكي نقطة تحول كبرى في مسار الملف، ليس فقط لما تمثله واشنطن من ثقل سياسي ودبلوماسي، بل لأن هذا الاعتراف فتح الباب أمام دول أخرى لإعادة تقييم مواقفها من قضية الصحراء. فقد سارعت عشرات الدول إلى فتح قنصليات عامة في مدينتي العيون والداخلة، كرمز سياسي ودبلوماسي صريح للاعتراف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية. وتعد هذه القنصليات، التي تجاوز عددها الثلاثين، مؤشراً واضحاً على التحول الجيوسياسي في المنطقة، وعلى تزايد قناعة المجتمع الدولي بأن الصحراء مغربية في الواقع والممارسة.

هذا، وأعلن مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشؤون إفريقيا والشرق الأوسط، مسعد بولس، أن الولايات المتحدة الأمريكية تستعد لافتتاح قنصلية في الصحراء المغربية، مؤكداً أن هذا القرار يأتي في سياق استمرارية الموقف الأمريكي الداعم لسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، والذي سبق وأعلن عنه أكثر من مرة وبكل وضوح.

وقال بولس جوابا عن سؤال حول ما إذا كانت واشنطن تستعد لفتح قنصلية لها بالصحراء المغربية: “أكيد إن شاء الله، هذه الصحراء مغربية.. نحن نعرف أن الرئيس ترامب أكد وبشكل رسمي سيادة المغرب على الصحراء، وأكد ضرورة إيجاد حل دائم لهذا الموضوع”. وأضاف مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن خطاب الملك محمد السادس في عيد العرش، والذي جدد فيه مد يده للجارة الجزائر، ودعاها لحوار “صريح ومسؤول”، كان “تاريخياً وواضحاً” في دعوته إلى حل نهائي ومتوافق عليه، مشيداً بالنهج الهادئ والحكيم الذي يقوده العاهل المغربي في معالجة هذا الملف.

إلى جانب هذا الزخم الدبلوماسي، تمكن المغرب من ترسيخ موقعه كشريك استراتيجي موثوق في قضايا الأمن والتنمية والاستقرار الإقليمي، وهو ما جعل عدداً من القوى الدولية تعتبر أن دعم المغرب في ملف الصحراء هو دعم للاستقرار في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء، خاصة في ظل تزايد التهديدات الأمنية العابرة للحدود وعودة النزعات الانفصالية في بعض المناطق الإفريقية.

إفريقياً، كان لافتاً أن الاتحاد الإفريقي بدأ يتجه تدريجياً نحو موقف أكثر واقعية في التعامل مع النزاع، بعدما ظلت جبهة “البوليساريو” تستغل وجودها داخل المنظمة لمحاولة فرض أطروحتها الانفصالية. إلا أن الموقف المغربي، القائم على التعاون والشراكة جنوب-جنوب، أضعف قدرة خصوم الوحدة الترابية على المناورة، خاصة مع توسع دائرة الدول الإفريقية التي أعلنت دعمها الصريح لمغربية الصحراء.

دول وازنة مثل نيجيريا، غانا، السينغال، الغابون، كوت ديفوار، وتوغو، باتت تعتبر أن المقترح المغربي للحكم الذاتي هو الحل الأنسب والأكثر واقعية، انسجاماً مع قرارات مجلس الأمن التي تدعو إلى “حل سياسي واقعي وعملي ودائم” للنزاع. كما أن فتح قنصليات لدول إفريقية عديدة في الأقاليم الجنوبية عزز حضور المغرب كفاعل قاري في العمق الإفريقي، وكرّس عزلة الجبهة الانفصالية التي فقدت الكثير من دعمها التقليدي.

أما على مستوى أوروبا، فقد شهدت مواقف العديد من الدول الأوروبية تحولات ملحوظة، وإن بصيغ دبلوماسية حذرة. فإسبانيا، الجار والشريك الاستراتيجي للمغرب، أعلنت في مارس 2022 دعمها الصريح لمقترح الحكم الذاتي واعتبرته “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” لحل النزاع. هذا الموقف الإسباني شكل انقلاباً في السياسة الخارجية لمدريد، التي كانت لعقود تتبنى موقف “الحياد”.

كما أن دولاً أخرى مثل ألمانيا وهولندا والبرتغال وسويسرا عبرت عن مواقف مشابهة، معتبرة أن مبادرة الحكم الذاتي تمثل أساساً جدياً للنقاش داخل الأمم المتحدة. حتى فرنسا، رغم تريثها في إعلان موقف رسمي مماثل، ظلت تؤكد على “الدعم الثابت” للمغرب ومقترحه للحكم الذاتي، وهو ما ترجمه الموقف الفرنسي داخل مجلس الأمن، حيث دافعت باريس باستمرار عن ضرورة التوصل إلى حل سياسي في إطار سيادة المغرب ووحدته الترابية.

وعلى مستوى الأمم المتحدة، حافظت قرارات مجلس الأمن خلال السنوات الأخيرة على روح الواقعية، إذ جدد المجلس في كل قراراته منذ سنة 2007 الإشادة بالجهود الجادة وذات المصداقية التي يبذلها المغرب في إطار مبادرة الحكم الذاتي، وهو ما يشكل اعترافاً ضمنياً من المجتمع الدولي بوجاهة المقترح المغربي. كما أكد المجلس على حصر العملية السياسية في أطراف النزاع الحقيقية، أي المغرب والجزائر و”البوليساريو” وموريتانيا، وهو ما وضع الجزائر في قلب المعادلة بعد أن كانت تحاول التنصل من مسؤوليتها في افتعال واستمرار النزاع.

المبعوث الأممي الحالي، ستافان دي ميستورا، واجه بدوره واقعاً جديداً في الملف، إذ بات ملزماً بالتحرك في سياق دولي واضح المعالم، عنوانه الأبرز أن أي حل لا يمكن أن يتجاهل السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية ولا الدينامية التنموية والاقتصادية التي تعرفها المنطقة، وفي موازاة المكاسب الدبلوماسية، واصل المغرب تنزيل النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، الذي أطلقه الملك محمد السادس سنة 2015، ويهدف إلى جعل الصحراء المغربية مركزاً اقتصادياً محورياً يربط المغرب بعمقه الإفريقي. وقد تم إنجاز مشاريع كبرى في مجالات البنية التحتية والطاقة المتجددة والصيد البحري والسياحة والتعليم والصحة، فضلاً عن ميناء الداخلة الأطلسي الذي يُتوقع أن يكون رافعة استراتيجية للاندماج الإقليمي.

هذه الدينامية الميدانية جعلت سكان الأقاليم الجنوبية ينخرطون بقوة في الحياة السياسية والمؤسساتية، من خلال المشاركة المكثفة في الانتخابات المحلية والجهوية والتشريعية، وهو ما يعكس تشبثهم بالوحدة الوطنية ورفضهم القاطع للأطروحات الانفصالية.

في المقابل، تجد الجزائر نفسها اليوم في وضع حرج بعد أن أصبحت معزولة دبلوماسياً في ملف كانت تراهن عليه لسنوات كأداة للضغط الإقليمي. فالمجتمع الدولي بات يدرك أن النزاع لا يمكن حله إلا عبر تفاهم مباشر بين الرباط والجزائر، وهو ما ترفضه الأخيرة رغم دعوات المغرب المتكررة للحوار. أما جبهة البوليساريو، فقد تراجع حضورها الميداني والسياسي، في ظل الانقسامات الداخلية وفضائح الفساد التي لاحقت قياداتها، إضافة إلى تضييق الخناق عليها داخل المنظمات الإقليمية والدولية.

ويبدو أن المغرب يسير بخطى واثقة نحو تثبيت الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء وتحويلها إلى واقع سياسي وقانوني دائم. فالمملكة تراهن اليوم على الدبلوماسية الفاعلة والتعاون الاقتصادي كآلية لترسيخ قناعات الدول بشراكة مربحة قائمة على الاستقرار والتنمية. كما أن دعم العديد من القوى الكبرى لموقف المغرب بات يضفي طابعاً نهائياً على النزاع، الذي أصبح يعيش لحظاته الأخيرة في ظل تآكل المساندة الانفصالية.

 

 

عتيق السعيد*

 

“إحداث لجنة عمل مغربية روسية سيعزز تعميق العلاقات الثنائية والتعاون المشترك”

 

 

  1. ما دلالات الإعلان عن إحداث لجنة عمل مغربية-روسية، والتوقيع على مذكرة لتعميق العلاقات الثنائية، في سياق تطوير الشراكة الاستراتيجية بين المملكة المغربية وروسيا الاتحادية؟

تشهد العلاقات المغربية الروسية تطورًا مستمرًا قائما على الثقة والاحترام المتبادلين تعززا عبر مراحل تاريخية متعاقبة، أسسا لقاعدة صلبة من التقارب والتفاهم المشترك بين البلدين. فمنذ الزيارة الرسمية التي قام بها جلالة الملك محمد السادس إلى موسكو سنة 2002، عرفت العلاقات الثنائية بين المملكة المغربية وروسيا الاتحادية دينامية جديدة تجسدت في إرساء شراكة استراتيجية، تقوم على تعدد مجالات التعاون في مجالات مختلفة.

هذا التأطير للعلاقات الثنائية بين البلدين يصادف السنة المقبلة الذكرى العاشرة للإعلان المشترك الذي تم توقيعه على أعلى مستوى بشأن تعميق الشراكة الاستراتيجية بين المملكة المغربية وروسيا الاتحادية. وتكتسي هذه الذكرى دلالات رمزية وسياسية عميقة، تعكس متانة العلاقات بين البلدين وحرصهما على الارتقاء بها إلى مستويات أكثر شمولًا. ومن المنتظر أن تشهد هذه المناسبة سلسلة من الفعاليات المشتركة، تشمل تبادل الزيارات بين القطاعات الوزارية، وتكثيف الاتصالات بين البرلمانيين، إلى جانب تنظيم أيام للثقافة الروسية بالمغرب، بما يسهم في تعزيز التفاهم المتبادل وتوطيد أواصر الصداقة والتعاون بين الشعبين.

التعاون الثنائي بين المغرب وروسيا يشكل عاملًا أساسيًا في دعم التوافق حول العديد من القضايا الإقليمية والدولية، إذ ينظر المغرب إلى روسيا باعتبارها فاعلا محوريا ومؤثرا في الساحة الدولية، نظرا لعضويتها الدائمة في مجلس الأمن ودورها البارز في معالجة عدد من الملفات الدولية المعقدة. ومن هذا المنطلق، فإن لكل من المغرب وروسيا دورا استراتيجيًا في تعزيز الأمن والاستقرار داخل المنطقة العربية والقارة الإفريقية، ويسهم توطيد التعاون بين البلدين في تقريب وجهات النظر، وتطوير شراكة متوازنة تعزز الاستقرار والتنمية في المنطقتين معا.

ارتباطا بذات السياق، أعلن الوزير ناصر بوريطة ونظيره الروسي سيرغي لافروف عن إحداث لجنة عمل مغربية-روسية وذلك من خلال التوقيع بموسكو على مذكرة تفاهم بغية تعميق العلاقات الثنائية واستشراف مستقبلها، هذه الخطوة هي دفعة قوية للعلاقات الثنائية، إذ من شأنها أن ترتقي بسبل التعاون إلى مستويات عملياتية تحقق التفاعل في مختلف المجالات ذات الاهتمام المشترك وبالتالي فإحداث لجنة العمل المشتركة سيُمكن من تحويل الإرادة السياسية إلى مشاريع ومبادرات بما يسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية بمختلف أبعادها.

 

  1. ما تأثير هذا على موقف روسيا من قضية الصحراء المغربية ؟

بدايةً، وكما ورد في إعلان المباحثات الثنائية التي أجراها وزيرا الخارجية، تم التأكيد على تطابق موقفي روسيا والمغرب والاتفاق على أن الحلول يجب أن تكون مطابقة للقانون الدولي وللمبادئ الدولية، وعلى أن تلك المبادئ لا يمكن استغلالها أو تأويلها بشكل يعرقل التقدم نحو الحلول، وبالتالي، تعبر هذه الرؤية من الجانب الروسي عن إرادة صريحة لدعم المبادرة المغربية التي أصبحت، بفضل الرؤية الملكية الحكيمة، تحظى بإجماع دولي واسع حول مصداقيتها وواقعيتها ومشروعيتها القانونية والتاريخية.

روسيا تأخذ بعين الاعتبار الدينامية التي يشهدها ملف الصحراء المغربية على المستوى الدولي بفضل الزخم الذي أضفاه جلالة الملك والتغيرات التي عرفتها مواقف مجموعة من الدول، بدءا من افتتاح مجموعة من القنصليات بالأقاليم الجنوبية للمملكة، في إطار الدينامية القوية التي تعرفها قضية الصحراء المغربية عبر مبادرة تستند قانونيا للمعايير والممارسات الديبلوماسية طبقا لاتفاقية فيينا حول العلاقات القنصلية لسنة 1963، التي تواكب أهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بسيادة المساواة بين الدول وصيانة السلم والأمن الدوليين، ونمو العلاقات الودية بين الأمم، لاسيما المادة 2 و4، حيث تنص المادة الثانية من الاتفاقية بشكل واضح وصريح على أن إنشاء العلاقات القنصلية يتم بين الدول بالاتفاق المتبادل بينها، كما تدعم هذا الإجراء المادة 4 من نفس الاتفاقية، تجسيدا قانونيا لسيادة المغرب على أراضيه وفقا لما هو متعارف عليه في القانون الدولي.

أيضا اعترافات مجموعة من الدول الكبرى بمغربية الصحراء ودعمها القوي لمبادرة الحكم الذاتي، وفي مقدمتها، قرار الولايات المتحدة الأمريكية الاعتراف لأول مرة في تاريخها، بسيادة المملكة المغربية الكاملة على كافة الصحراء المغربية معززاً بإصدار مرسوم رئاسي، بما له من قوة قانونية وسياسية ثابتة، وبأثره الفوري، أيضا اعتراف إسبانيا بمغربية الصحراء وبمبادرة الحكم الذاتي واعتبارها بمثابة الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية من أجل تسوية الخلاف المتعلق بالصحراء المغربية، ثم اعتراف الجمهورية الفرنسية بعدالة القضية الوطنية ومصداقية مبادرة الحكم الذاتي، وهي كلها مواقف تاريخية تعكس مسار الدعم الدولي الذي يشكل توافقا وإجماعا دوليا على عدالة القضية وشرعيتها القانونية وبالحقوق التاريخية للمغرب.

 

  1. هل هذا يعزز التوافق الدولي حول مصداقية مبادرة الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية ودينامية الدعم المتواصلة للقضية الوطنية؟

المغرب بقيادة جلالة الملك محمد السادس يحقق انتصارات دبلوماسية غير مسبوقة ويحصد ثمرة جهوده الدبلوماسية الناجعة التي مكنت من توطيد دينامية مكثفة من الاعترافات الدولية لمغربية الصحراء قدم هندستها جلالة الملك عنوانها البناء والنماء بالأقاليم الجنوبية، وقد تأكدت بحكم الواقع التنموي والاستقرار السياسي وبقوة القانون والشرعية الدولية وسيادة المغرب الكاملة على صحرائه، عبر دينامية قوية وتفاعل دولي مستمر قوامه الدعم الواضح، والكامل والصريح والمطلق لمغربية الصحراء ومبادرة الحكم الذاتي كما يجسد انتصارا مشهودا له لنجاعة وحكمة العلاقات الخارجية والسلك الدبلوماسي المغربي الذي استطاع الانتقال من مرحلة تحصين المكتسبات بخصوص القضية الوطنية، إلى مرحلة فرض واقع جديد، قوامه اعتراف دولي متزايد بمشروعية مبادرة الحكم الذاتي كحل واقعي ومستدام لهذا النزاع المفتعل.

تُشكّل المواقف والمبادرات الدولية الداعمة للقضية الوطنية بوابة لفتح آفاق جديدة لحل نهائي تقوده المملكة المغربية، ويؤكده دعم وتأييد مختلف دول العالم. كما تتيح هذه المبادرات فرص التعاون والاستثمار التنموي في الأقاليم الجنوبية للمملكة، وهو ما يُعد مدخلاً متعدد الأبعاد لحل تنموي مبتكر، يبرز بجلاء فعالية ونجاعة الدبلوماسية المغربية في إدارة هذا الملف على الصعيدين الإقليمي والدولي.

وفي الختام، لا بد من الإشارة إلى أن المغرب، منذ اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس العرش المجيد، شهد إطلاق مشاريع تنموية كبرى في الأقاليم الجنوبية، جسّدت أمام المجتمع الدولي بشكل ملموس قدرة الصحراء المغربية على التوفر على كافة المؤهلات الضرورية لتصبح قطبًا اقتصاديًا وتنمويًا، وبوابة استراتيجية تربط المملكة بالقارة الإفريقية جنوبًا والقارة الأوروبية شمالًا، ومصدر إشعاع إقليمي ونقطة ارتكاز استراتيجية تمثل عمقها الجغرافي والاقتصادي. ومن ثم، تُعد قرارات الاعتراف الصادرة عن عدد من الدول الكبرى بسيادة المغرب على صحرائه شهادة واضحة وإقرارًا صريحًا بجهود المملكة في تنمية أقاليمها الجنوبية، التي باتت نموذجًا للاستقرار والأمن والتنمية .

 

*أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش

 

 

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى