
أعادت الخسائر المادية الجسيمة للفيضانات التي شهدتها العديد من أقاليم المملكة طرح سؤال جوهري حول حيثيات تدبير منازعات الجماعات الترابية، ليس فقط من زاوية التعويضات الضخمة المحكوم بها لفائدة المتضررين، بل من زاوية الحكامة القانونية أيضا وجودة الدفاع عن المال العام، لأنه مع توالي الأحكام القضائية، برزت اختلالات عميقة في تعامل بعض رؤساء الجماعات مع الملفات المعروضة على القضاء، ومحاولات التهرب من المسؤولية، أو القفز على تبعاتها القانونية والمالية.
لقد سجل خلال السنوات الأخيرة، تراكم أحكام قضائية تتعلق بالتعويض عن أضرار الفيضانات، ونزع الملكية، والاعتداء المادي، وأخطاء التدبير والقرارات الانفرادية، لتتحول إلى عبء ثقيل على ميزانيات جماعات ترابية تعاني أصلا من ضعف الموارد المالية، حيث في بعض الحالات لم يكن الإشكال في صدور الحكم فقط، بل في كيفية تدبير النزاع منذ بدايته، أو تفاديه من الأصل.
إن الدفاع عن مصالح الجماعات الترابية ليس إجراء شكليا، بل هو مسؤولية قانونية وأخلاقية ترتبط بحماية المال العام بالدرجة الأولى، لذلك يجب اختيار الدفاع وفق معايير واضحة ترتكز على الكفاءة والخبرة في منازعات القانون الإداري والمالي، لا على اعتبارات شخصية أو سياسية.
كما أن الاتفاقيات المبرمة مع هيئات الدفاع تحتاج إلى تدقيق ومراجعة، من حيث الأتعاب، وطبيعة المهام، وآليات التتبع والتقييم، خاصة مع الجدل المرافق لاستعانة بعض رؤساء الجماعات بنفس دفاع الجماعة في قضايا شخصية، ما يطرح إشكال تضارب المصالح وغموض مسألة تحمل مصاريف الدفاع.
ومن أخطر ما يطفو على سطح بعض الملفات، شبهات تواطؤ بين مشتكين ورؤساء جماعات أو نوابهم، عبر التراخي في الدفاع أو عدم تقديم وسائل الإثبات الكافية، مقابل حصول المشتكين على تعويضات ضخمة يتم اقتسام جزء منها بطرق غير مشروعة، إذ مثل هذه الممارسات إذا ما ثبتت بشكل مادي، تشكل جرائم يعاقب عليها القانون، وتمس في العمق بثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.
ولا تقتصر الاختلالات على مسألة الدفاع في القضايا المرفوعة ضد الجماعة، بل تمتد إلى التقاعس من جهة أخرى عن سلوك المساطر القانونية لمقاضاة المتخلفين عن أداء مستحقات الجماعة والضرائب، أو المتنصلين من التزامات الصفقات العمومية، أو المتسببين في أضرار لممتلكات الجماعة دون متابعة قضائية لاسترجاع الحقوق.
وختاما فإن الموضوع المذكور شائك ومعقد ويعاني التراكمات المكلفة، حيث لا يمكن الإحاطة بكافة جوانبه، سوى التأكيد على أن تهاون بعض رؤساء الجماعات في أداء مهامهم القانونية، أو تسببهم في خسائر مالية نتيجة سوء تدبير المنازعات، يجب أن يخضع للمساءلة الإدارية والقضائية، وفق ربط المسؤولية بالمحاسبة، وحماية المال العام وضمان عدالة التعويض للمتضررين، دون تحميل الميزانيات أعباء ناتجة عن الإهمال أو التواطؤ أو ما شابه ذلك من شبهات الفساد.





