
يونس جنوحي
عشرون طلقة مدفعية في السماء احتفاء بـ«انتصار» الجيش السلطاني على «بوحمارة» ودحره إلى خارج مدينة تازة.
هكذا استقبلت طنجة وتطوان، كما جاء في أرشيف مراسلات المفوضية البريطانية في طنجة الدولية، خبر انتصار المهدي المنبهي على بوحمارة.. لكن هذا الابتهاج لم يكن سوى بداية المواجهة.
صُدم المهدي المنبهي عندما تلقى خبر انبعاث بوحمارة وعودته إلى الهجوم من جديد، حتى قبل أن يتمكن الوزير من الاحتفاء بانتصاره على بوحمارة. ولم يحل منتصف شهر ماي 1903، حتى كان الوزير المنبهي موقنا أنه لم ينتصر على بوحمارة، إلا إذا وقعت مُعجزة.
على طريقة «الثوار»..
عندما وصل خبر طرد بوحمارة إلى خارج مدينة تازة، نظم ممثلو المخزن في عدد من المناطق، من بينها مراكش والجديدة، احتفالات «الفروسية».. لكن العارفين بتقلبات الأحوال، وحقيقة وضع جيش المنبهي، كانوا أقل حماسا لانتصار تلته هزائم متتالية.
دخول المنبهي إلى تازة ونجاحه في طرد بوحمارة شرقا أكسبا المْخزن بعض الوقت.. وهو ما كان يحتاجه الوزير تحديدا ليلتقط أنفاسه بعد ثلاثة أشهر من الضغط الرهيب الذي عاشه في الإعداد للمواجهة مع بوحمارة.. إلا أن الأخير كان مدركا أن المنبهي يُناور فقط، وأن اندفاعه إلى الأمام لم يكن سوى وسيلة دفاعية.. بحكم أن الجيش كان غارقا في المشاكل. كانت الأخبار التي تصل إلى «بوحمارة» عن طريق جواسيسه تؤكد أن المنبهي فشل في إقناع السلطان بتخصيص ميزانية أكبر للجيش. و«غطرسة» المنبهي نفسه، عندما ألزم زعماء القبائل بتوفير المؤونة للجيش، في عز الجفاف والأزمة، جرت عليه نوعا من الامتعاض في صفوف القياد وشيوخ القبائل.. ما عجّل بالنهاية.
انقلاب قاده «بوحمارة»، على طريقة الثوار المخضرمين، انبعث في آخر لحظة، وألحق بالمنبهي هزيمة شنيعة، وصل خبرها إلى فاس.. ووقتها فقط، أدرك المنبهي أن منصبه، «العلاف الكبير»، سيصبح لا محالة من الأرشيف، إن بقي حيا ليسمع بأذنه خبر الإقالة، فعاد إلى فاس.
الوزير المهزوم
كان طبيعيا أن تُشحذ السكاكين انتقاما من المنبهي بعد تأكد فشله في مواجهة «بوحمارة». فرح لأيام، أعقبه ترقب لأسابيع، ليتضح أن «بوحمارة» كان وقتها أكبر من أن تهزمه «حْركة» واحدة بقيادة وزير الحرب.
أصدقاء المنبهي في طنجة الدولية، وعلى رأسهم الوزير المفوض البريطاني، تابعوا بقلق مآل صديقهم الوزير. التخوف البريطاني كان نابعا من تبعات تعيين مسؤول مخزني آخر في منصب وزير الحرب. فقد كان الإنجليز يراهنون على المنبهي لضمان مكان مريح في الترتيب، متفوقين على فرنسا في إطار التنافس الاستعماري.
في مراسلة تعود إلى بداية يونيو 1903، كان الوزير المفوض البريطاني ينقل إلى لندن التطورات في فاس. وجاء في المراسلة أن الوزير المفوض ليس متفائلا بخصوص مستقبل فاس، ونصح مسؤولي بلاده بألا يبعثوا أي وفد رسمي إلى فاس في تلك الظروف، وقال لهم بالحرف إن «البلاد ليست مستقرة»، وأن قوات بوحمارة تجعل السفر من طنجة إلى فاس، محفوفا بالمخاطر.. وأن المخزن لم يعد قادرا على حماية الأجانب من «بوحمارة» وحلفائه.
في المقابل كان المهدي المنبهي نفسه يحصي خطواته إلى فاس متثاقلا. فقد كان يعرف، أكثر من غيره، أن الوزراء لم يضيعوا فرصة تاريخية ليقنعوا السلطان بضرورة استبدال المنبهي بمسؤول آخر على رأس الجيش.
وهؤلاء الوزراء لم يكونوا مستعدين لتقبل تبريرات المنبهي، بخصوص صعوبة تمويل الجيش، وعرقلة دفع أجور الجنود وتراجع معنوياتهم أثناء المواجهة الأخيرة مع قوات بوحمارة.. بل كانوا مستعدين، بالمقابل، للتضحية بالمنبهي، وإثبات وجهة نظرهم للسلطان: المنبهي يجب أن يرحل!
كان المولى عبد العزيز فوض للمنبهي صلاحيات واسعة. فبالإضافة إلى أنه كان وزيره المفضل، كان لديه إذن من السلطان بدخول القصر الملكي ولقاء السلطان دون موعد مسبق، في حين أن الوزراء كانوا يلتزمون بالنظام الصارم، ويلزمهم إذن الحاجب السلطاني ليظفروا بلقاء مع السلطان خارج أوقات اجتماع الوزراء.. لكن هذا كله لم يشفع للمنبهي عند السلطان عندما عاد من «الحْركة» الأخيرة ضد بوحمارة.
تتقاطع روايات المؤرخين المغاربة مع وثائق أرشيف المفوضية البريطانية في هذا الجانب. كلاهما يؤكد أن المنبهي عاش ساعات عصيبة، بعد عودته إلى فاس، إذ إن السلطان المولى عبد العزيز لم يكن مستعدا لسماع تبريراته، ولا لسماع ملخص عن حقيقة الأوضاع ما بين فاس وتازة.
كان المنبهي يحتاج إلى فرصة أخيرة مع السلطان ليقنعه بأن الجيش يحتاج إلى تمويل أكبر ليطفئ ثورة بوحمارة، إلا أن السلطان كان قد اتخذ قراره النهائي بإعفاء المنبهي وقرار السلطان لم يكن موضوع أي مراجعة. سُمح للمنبهي بالمثول أمام السلطان، وهو اللقاء الذي استمر لدقائق، لم يتوقف خلالها المنبهي عن الحديث، في مناورة أخيرة منه لاستعادة ثقة السلطان، لكنها «مرافعة» بدون جدوى. المنبهي لم يعد وزيرا!





