
الممثلة الأمريكية ذات الأصل النمساوي الشهيرة باسم، هيدي لامار Hedy Lamarr، لم تكن فقط نجمة هوليودية شاركت في العديد من الأفلام الخالدة في السينما الأمريكية، مثل فيلم «شمشون ودليلة» الذي أدت فيه الدور الرئيسي، اعتبرتها الأوساط الإعلامية وجها سينمائيا مثّل رمز الجمال والفتنة أبلغ تمثيل، إلى حد أن غلاف مجلة «التايم» الشهيرة تضمن صورة لها تحت عنوان «أجمل امرأة في العالم». لكن هيدي لامار المعروفة بهذا الاسم فنيا لم تكن مجرد نجمة سينمائية هوليودية، بل عالمة رياضيات بارعة وذات اختراعات يشهد لها العالم اليوم بأنها كانت سباقة إلى وضع الأسس لأنظمة التواصل اللاسلكية، أو ما سمته بأنظمة التواصل السري أو أنظمة القفز الترددي رفقة جورج أونتيل، حين وضعت براءة اختراعها الرائد عالميا. هذا الاختراع سيكون النواة الأولى وفاتحة لأنظمة التواصل اللاسلكي عبر الهواتف المحمولة، ونظام الويفي والبلوتوث ونظام تحديد الأماكن «GPS».
فكرة البحث عن طريقة مغايرة للاتصال
بدأت فكرة هذا الاختراع خلال الحرب العالمية الثانية، حين وجدت السفن الحربية والغواصات مشاكل عديدة للتحكم في صواريخ الطوربيد المضادة للسفن والغواصات والقدرة في تغيير مسارها، ولتحقيق ذلك كانت الحاجة الملحة إلى الاتصال بها. لكن الاتصال اللاسلكي لم يكن آمنا، وبإمكان القوات المعادية رصده والتشويش عليه. فكرة هيدي لامار تتلخص في البحث عن طريقة مغايرة للاتصال باستخدام تردد واحد إلى اتصال آخر يعتمد على ترددات متعددة تتغير باستمرار. براءة هذا الاختراع وتصميماته التطبيقية تم تسجيلها باسمها واسم رفيقها الموسيقي جورج أونتيل، وبعد سنوات عديدة أفضى إلى استخدامه في التقنيات الشائعة حاليا في أنظمة الويفي والبلوتوث وتحديد الأماكن. منحت هيدي لامار اختراعها للبحرية الأمريكية، في البداية تم النظر إليه على أن هذه التكنولوجيا الجديدة في الاتصال مكلفة وغير مجدية عسكريا. الحقيقة، أن الجميع اعتبر من الصعوبة بما كان أن تخترع ممثلة سينمائية وموسيقي نظاما تكنولوجيا يمكن الاستفادة منه عسكريا، لكنه كان بالفعل تصميما لجهاز إلكتروني قادر على التحكم في الاتصالات اللاسلكية، ومنع رصدها أو التشويش عليها. لم يتم استخدامه خلال الحرب العالمية الثانية، لكنه أثبت فاعليته أثناء أزمة الصواريخ الكوبية، بعد مضي ما يقرب من عقدين من الزمن. إن اختيار البحرية الأمريكية عدم الاهتمام باختراع هيدي لامار، قد فوّت عليها الاستفادة من هذا الاختراع، لأن صلاحية براءة الاختراع أصبحت في حكم المنتهية قانونيا. لكن تطور الأحداث أثبت أهمية هذا الاختراع الذي كان في حد ذاته ثورة كبيرة وغير مسبوقة في أنظمة الاتصال الحديثة.
عالمة نابغة في ثوب نجمة هوليوود
ولدت هيدي إيفا ماريا كسلر في النمسا، يوم 9 نونبر عام 1914، لأبوين يهوديين ثريين، تعلمت رقص الباليه وعزف البيانو، وحرصت والدتها على تعليمها أكثر من لغة مثل الإنجليزية، والإيطالية، والفرنسية، فضلا عن لغتها الأصلية الألمانية، كانت لديها الكثير من الميول إلى الاختراع ونبوغ مبكر في العلوم والرياضيات. تزوجت بترتيب من والديها فريدريتش ماندل، صانع الأسلحة النمساوي واسع الثراء، حيث كانت ترتاد مصانعه وتزور شركاته، حتى اتسعت معارفها وتعمقت خبراتها عن صناعة السلاح من جوانبها التقنية والتجارية والسياسية على السواء، كرهت هيدي لامار زوجها لعدة أسباب، منها الاشتباه بكونه يتعاون مع النازيين والفاشيين في تزويدهم بالسلاح، وبسبب غيرته الشديدة عليها وكرهه لعملها السينمائي، فجعلها تقريبا حبيسة قصره، فجمعت كل متعلقاتها الشخصية النفيسة من الحلي ومعاطف الفراء، وتنكرت في زي خادمة، ثم هربت إلى العاصمة الفرنسية باريس. تقول عن هذه الزيجة: «عرفتُ في وقت مبكر جدا أنني لن أكون ممثلة، في الوقت نفسه الذي أكون فيه زوجة فريدريش ماندل. لقد كان متحكما بشكل مطلق… وكنت مثل الدمية. كنتُ مجرد شيء، مثل بعض المقتنيات الفنية التي يجب حراستها وسجنها، والتي لا تملك عقلا، ولا حياة خاصة بها». لكن خوفها من نفوذ زوجها وسطوته دفعها إلى الانتقال إلى لندن، حيث حصلت على الطلاق من زوجها، والتقت كذلك بالصدفة مدير الشركة العملاقة في هوليوود للإنتاج السينمائي «مترو غولدن ماير»، الذي تعاقد معها على السفر والتمثيل في هوليوود، لتبدأ رحلتها الفنية التي غطت تماما عن الوجه الآخر من شخصيتها الخفية التي تعمل في النهار في استوديو التصوير بهوليوود، وتنزوي ليلا في مختبرها الصغير بين أبحاثها وأفكارها الرائدة.
رغم كون هيدي لامار لا تولي أي اعتبار لنجوميتها السينمائية، ظلت تقول إن أي فتاة من السهل عليها أن تصبح فاتنة وجميلة في هوليوود، يكفيها قليل من الجمود والكثير من البلاهة، لتصل إلى ذلك، فإن السينما الأمريكية ما زالت إلى اليوم تعدها واحدة من أفضل أيقوناتها السينمائية. البحرية الأمريكية استفادت من نظام التواصل اللاسلكي واختراع هيدي لامار، الذي وظفته في التحريك اللاسلكي لسلاح الطوربيد، بعد الحرب العالمية الثانية، حيث اعتبرته من أسلحتها السرية التي تكفل لها التفوق على أعدائها.
تزوجت هيدي لامار عدة مرات زيجات فاشلة وقصيرة، وعاشت بقية حياتها في عزلة وفقر شديدين، بعد العديد من عمليات تجميل، كما سقطت ضحية المخدرات والأمراض المزمنة، وكادت تدخل السجن، بسبب اتهامها بالسرقة في المحلات التجارية. في عام 1996 منحتها المؤسسة القومية الأمريكية للعلوم الإلكترونية الجائزة السنوية للرواد المخترعين، معترفة بشكل متأخر جدا بفضلها وأحقيتها بهذا الإنجاز العلمي الكبير، ما دفعها إلى القول ساخرة: «طيب، لقد حان الوقت لذلك!»، في سنة 2000 تم العثور على هيدي لامار ميتة في شقتها، بعد أن افتقدها أصدقاؤها القليلون، عقب تعذر الاتصال بمبتكرة أرقى أنظمة الاتصال في هذا العصر.
نافذة:
الجميع اعتبر من الصعوبة بما كان أن تخترع ممثلة سينمائية وموسيقي نظاما تكنولوجيا يمكن الاستفادة منه عسكريا لكنه كان بالفعل تصميما لجهاز إلكتروني قادر على التحكم في الاتصالات اللاسلكية ومنع رصدها أو التشويش عليها





