
نعيمة لحروري
أثار تصريح الناخب الوطني وليد الركراكي، حول ضعف البنية التحتية في وجدة استياء واسعا، وجرح كبرياء أهل المدينة الذين لا يرضون أن تختزل عاصمتهم الشرقية في ملعب متداع لا يصلح لاحتضان المباريات الكبرى. لكن، وإن كان التصريح جارحا في ظاهره، فإنه في العمق يعكس حقيقة مرة: وجدة وجهة الشرق عموما تعاني تأخرا بنيويا صارخا، وتعيش على هامش التنمية مقارنة مع باقي الجهات، وكأنها مجرد ملحق جغرافي لمغرب آخر يركض بسرعة أعلى.
لقد قالها ملك البلاد بصراحة: المغرب يسير بسرعتين. وإذا كانت ثمة جهة تختزل معنى «السرعة الأبطأ»، فهي جهة الشرق. فبينما ترصد الملايير لتهيئة ملاعب كبرى مثل ملعب طنجة الذي حظي بمبالغ تفوق ميزانية مدينة وجدة لثلاث سنوات كاملة، نجد أن مشاريع كأس إفريقيا والمونديال لا نصيب للشرق منها، وكأن المنطقة سحبت من الجغرافيا الرياضية والتنموية للبلاد.
إن ما كشفه تصريح الركراكي ليس مجرد «ملعب»، بل هو صورة مصغرة عن هشاشة البنية التحتية التي تعيشها الجهة: طرق مهترئة، مراكز صحية فقيرة، مؤسسات جامعية تختنق أمام أعداد الطلبة، فرص شغل تكاد تنعدم، واستثمارات هاربة تبحث عن بيئة أكثر حيوية في الدار البيضاء أو طنجة أو أكادير. فهل يعقل أن تبقى الجهة الشرقية، بثرواتها البشرية الهائلة وموقعها الاستراتيجي على الحدود، أسيرة تأخر تاريخي يحرم أبناءها من حقهم في التنمية؟؟
وجدة ليست مدينة صغيرة على الهامش، بل عاصمة تاريخية لعبت أدوارا سياسية وثقافية كبرى في تاريخ المغرب. لكنها اليوم تدفع ثمن التهميش، وتعامل كما لو كانت مجرد مدينة حدودية محدودة الأفق. الحدود المغلقة مع الجزائر أرهقت اقتصادها، نعم، لكنها ليست السبب الوحيد. المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على سياسات عمومية عرجاء لم تمنح للجهة ما تستحقه من مشاريع كبرى قادرة على خلق دينامية اقتصادية واجتماعية حقيقية.
كيف نفسر أن جهة الشرق، بمساحتها الشاسعة ومواردها الفلاحية والمعدنية والسياحية، لا تزال عاجزة عن خلق نموذج تنموي خاص بها؟ كيف يعقل أن تتحول وجدة من مدينة العلم والثقافة إلى مدينة يهاجر منها شبابها في صمت نحو مدن الداخل أو نحو البحر بحثا عن فرصة للحياة؟ وكيف يمكن الحديث عن عدالة مجالية بينما تتكدس المشاريع الكبرى في محور الدار البيضاء/ طنجة، ويترك الشرق لمصيره، في مواجهة العزلة والتهميش؟
لقد أبانت التجارب أن الخطابات وحدها لا تكفي. أهل الشرق سئموا الوعود الانتخابية والشعارات الفضفاضة، ويريدون مشاريع ملموسة: مستشفى جامعي يليق بكرامة المواطنين، مناطق صناعية تستقطب المستثمرين بدل أن يفروا، ملاعب رياضية ومرافق شبابية تحتضن الطاقات بدل أن تتركها تذبل. يريدون طرقا ومواصلات حديثة تربط الجهة بباقي المغرب كما يجب، ويريدون رؤية استراتيجية تنصف موقعهم كبوابة طبيعية نحو إفريقيا وأوروبا.
لقد آن الأوان لإدراك أن المغرب لا يمكن أن يبني صورته الدولية، كبلد يحتضن كأس إفريقيا والمونديال، بينما بعض جهاته لا تزال تعيش في زمن «الانتظار». لا يعقل أن نظهر أمام العالم بملاعب فخمة في مدن معينة، فيما وجدة والشرق عامة محرومون حتى من أبسط المرافق الرياضية ذات المواصفات. التنمية لا تجزأ، وإذا كانت العدالة المجالية شعارا وطنيا، فإن أول امتحان لها يبدأ من الجهات الأكثر تأخرا، وفي مقدمتها جهة الشرق.
تصريح الركراكي كان بمثابة صفعة، لكنه صفعة تنبيه. لعلها توقظ المسؤولين، وتعيد إلى طاولة النقاش سؤال التنمية في الشرق، بعيدا عن التبريرات الواهية. فالجهة ليست عبئا على المغرب، بل كنزا مؤجلا. وكل تأخر في استثمار إمكاناتها هو هدر لفرص وطنية كبرى.
وجدة اليوم لا تحتاج إلى خطابات إنشائية، بل إلى إرادة سياسية جريئة تنقلها من «مغرب السرعة البطيئة» إلى مغرب يتنفس التنمية بعدالة. فالمغاربة لا يقبلون أن تبقى عاصمتهم الشرقية مجرد ظل في خريطة وطن يفترض أنه يسير موحدا، وبسرعة واحدة.





