
سفيان أندجار
في أروقة الملاعب الخضراء، حيث تتلاقى الأحلام بالعرق والإصرار، يبرز اسم محمد وهبي مثل نجم يتلألأ في سماء كرة القدم المغربية. ليس مجرد مدرب، بل مهندس أجيال، صانع إنجازات ورجل يجسد الجسر بين التراث المغربي الأصيل والاحتراف الأوروبي المتقن.
في هذا البورتري، نغوص في عالم هذا الرجل الذي تحول من مدرس هادئ في قاعات الدرس البلجيكية إلى قائد يرفع علم المغرب في أعلى المحافل الدولية. سنركز على نشأته التي شكلت شخصيته، مسيرته المهنية الحافلة بالتحديات والانتصارات، وحياته الشخصية التي يكتنفها التواضع والشغف الذي جعله يبلغ تدريب المنتخب الوطني الأول خلفا لوليد الركراكي.
جذور ريفية في أحضان أوروبا
ولد وهبي في 7 شتنبر 1976، في قلب بروكسل، العاصمة البلجيكية النابضة بالحياة والمتعددة الثقافات. هذا الطفل، ابن أسرة مغربية مهاجرة من جبال الريف، تحديداً من قبيلة بني شيكار في إقليم الناظور. جذوره المغربية لم تكن مجرد ذكريات بعيدة، بل كانت نبعاً يغذي هويته. في مقابلة نادرة خرج وهبي عن صمته ليكشف فخراً بأصوله الريفية، قائلاً إن عائلته انتقلت من جبال قلعية إلى بلجيكا بحثا عن فرص أفضل، ثم إلى أماكن أخرى في رحلة هجرة مليئة بالتحديات. هذه الجذور الأمازيغية غرست فيه قيم الصمود والانضباط، تلك التي تتحدى الرياح والعواصف.
نشأ وهبي في بيئة مزدوجة الثقافة، يحمل جنسيتين: مغربية وبلجيكية. بروكسل، مدينة التنوع، كانت ملعبه الأول. لم يكن وهبي لاعبا محترفا في كرة القدم، بل كان شغفه بها ينمو ببطء مثل شجرة تتغذى من تربة خصبة.
بدأ حياته المهنية مدرسا في مدرسة شارل بولس، حيث كان يعلم الأطفال أساسيات الحياة والمعرفة. هناك تعلم وهبي فن التواصل والصبر، صفات ستكون أساس فلسفته التدريبية لاحقا. تخيل معلماً يقف أمام لوح أسود، يشرح دروساً في الرياضيات أو التاريخ، بينما يحلم بملاعب خضراء. هذه المرحلة من حياته، التي استمرت سنوات، شكلت شخصيته الهادئة والمنظمة. لم يكن يعرف أن قاعات الدرس ستكون بوابته إلى عالم كرة القدم، حيث سيصبح معلما للأجيال الرياضية.
في طفولته، تأثر وهبي بالثقافة البلجيكية التي تركز على الدقة والاحتراف، مع الحنين المغربي إلى الجماعية والروح القتالية. أصدقاؤه يتذكرون طفلاً هادئاً، يفضل التخطيط على الاندفاع. هذه النشأة المزدوجة جعلته جسرا بين عالمين، قادرا على دمج المنهجية الأوروبية مع الحماسة الإفريقية. ومع ذلك لم يكن طريقه سهلا، الهجرة تحمل معها تحديات الهوية، لكن وهبي حولها إلى قوة، كما يروي في تصريحاته النادرة عن فخره بجذوره.
من أكاديمية أندرلخت إلى قمة العالم
كانت نقطة التحول في حياة وهبي عام 2003، عندما انضم إلى أكاديمية نادي أندرلخت البلجيكي، أحد أعرق الأندية الأوروبية في كرة القدم. هنا بدأ رحلة استمرت 17 عاماً، تحول خلالها من مدرس إلى مدرب محترف. بدأ مع الفئات السنية الصغرى، تحت 9 سنوات، ثم تدرج إلى تحت 11، 14، 17، وأخيراً تحت 21 سنة. كان يانيك فيريرا، صديقه القديم من ماكابي بلجيكا، شريكاً في هذه الرحلة. في أندرلخت، طور وهبي مواهب أصبحت نجوماً عالميين: يوري تيليمانس، عدنان يانوزاي، شارلي موسوندا جونيور وليندر ديندونكر. هؤلاء اللاعبون يدينون له بصقلهم، كما لو كان نحاتاً يحول الطين إلى تماثيل.
في موسم 2014-2015 حقق وهبي إنجازا بارزا بقيادة الفريق تحت 21 سنة إلى نصف نهائي دوري أبطال أوروبا للشباب، بعد التفوق على برشلونة الإسباني وبورتو البرتغالي. هذا النجاح جعله يترقى إلى مساعد مدرب الفريق الأول بسنيك هاسي. حصل على رخصة الـUEFA Pro، أعلى شهادة تدريبية في أوروبا، ما عزز مكانته.. لكن الطموح دفع وهبي إلى تجربة جديدة في 2020، حيث انضم ليشغل مهمة مساعد للمدرب فيريرا في نادي الفتح السعودي، لكنه غادر في يناير 2022.
العودة إلى الوطن الأم كانت في مارس 2022، عندما عين مدرباً للمنتخب المغربي تحت 20 سنة، خلفا لعبد الله الإدريسي. واجه انتقادات أولية بعد فشل في كأس إفريقيا 2023، لكنه عاد أقوى. في 2024 فاز ببطولة شمال إفريقيا تحت 20 عاما وفي 2025 قاد «أشبال الأطلس» إلى وصافة كأس إفريقيا بعد أن خسر أمام جنوب إفريقيا بهدف. الذروة كانت في كأس العالم تحت 20 سنة في الشيلي 2025، حيث فاز المغرب باللقب، (أول منتخب عربي وثاني إفريقي بعد نيجيريا). هزم إسبانيا 2-0، البرازيل 2-1، كوريا الجنوبية، الولايات المتحدة، فرنسا وأخيرا الأرجنتين 2-0 في النهائي. هذا الإنجاز جعله «مورينيو إفريقيا»، بفضل أسلوبه الدفاعي المنظم.
في 2025 انتقل وهبي إلى تدريب المنتخب الأولمبي (تحت 23)، مواصلاً بناء الجيل الذهبي. فلسفته تعتمد على الانضباط التكتيكي، التنظيم والصلابة، مع خطة 4-2-3-1. يستند على التركيز الذهني والثقة ويقول: «العمل الجاد يبدد العوائق».
الجانب الخفي في شخصية محمد وهبي
رغم شهرته، تبقى حياة وهبي الشخصية غامضة كسرها تصريحات نادرة. هو رجل هادئ، متواضع، يفضل العمل في صمت. يُوصف بـ«حسن الخلق وقلة الكلام»، يعتمد على الإيمان بالعمل الجاد. شغفه بكرة القدم يأتي من طفولته، لكنه لم يمارسها احترافياً، مفضلاً التدريب وسيلة لصناعة الأبطال. يتقرب من لاعبيه، يتابعهم شخصياً، مثل أب يرعى أبناءه.
أصوله الناظورية تجعله فخورا بتراثه الأمازيغي ويربط نجاحاته بالروح المغربية. لم يذكر زواجه أو عائلته علناً، لكنه يعيش حياة متوازنة بين العمل والخصوصية. في تصريحاته يشكر بلجيكا لتكوينه والمغرب لفرصه. هو مثال للهجرة الناجحة التي تحول التحديات إلى إلهام.
بعيدا عن الأضواء والمؤتمرات الصحفية يعرف محمد وهبي بشخصية متحفظة للغاية. نادرا ما يتحدث عن حياته الخاصة، ويفضل أن يبقى التركيز على عمله داخل الملعب. المقربون منه يؤكدون أن هذا الهدوء ليس مجرد طبع شخصي، بل أسلوب عمل؛ فهو يؤمن بأن المدرب الحقيقي يجب أن يظهر تأثيره في تطور اللاعبين لا في العناوين الإعلامية.
نشأ وهبي في بيئة مغربية بسيطة قبل أن ينتقل إلى بلجيكا، حيث تشكلت ملامح شخصيته المهنية. في تلك المرحلة عاش تجربة الاندماج الثقافي والرياضي، وهو ما جعله يؤمن بقوة التعليم والانضباط في تطوير المواهب الشابة. هذه التجربة الشخصية جعلته مدربا يولي أهمية كبيرة للجانب الإنساني في التعامل مع اللاعبين.
مدرب أقرب إلى «الأب»
محمد وهبي ليس مجرد مدرب، هو رمز للأمل. من طفل مهاجر إلى بطل عالمي، مسيرته تلهم الشباب. إنجازاته، مثل الفوز بكأس العالم 2025، تضع المغرب على الخريطة الكروية. بأسلوبه الإبداعي، يمزج بين الدقة البلجيكية والحماسة المغربية، مخلفاً إرثاً يدوم. في عالم كرة القدم المتقلب، يبقى وهبي شاهداً على أن الشغف والانضباط يصنعان المعجزات.
أحد الجوانب غير المعروفة كثيراً عن وهبي أسلوبه الأبوي في التعامل مع لاعبيه. فهو لا يكتفي بدور المدرب التكتيكي، بل يحاول فهم الظروف النفسية والاجتماعية لكل لاعب. داخل معسكرات المنتخبات الشابة، يخصص وقتاً طويلاً للحديث الفردي مع اللاعبين، ليس فقط عن كرة القدم، بل عن الدراسة والعائلة والضغوط التي يعيشها اللاعب الشاب.
هذا الأسلوب ظهر بوضوح في علاقته مع عدد من اللاعبين، من بينهم الموهبة الصاعدة عثمان معما، حيث عمل على دعمه نفسيا بقدر ما عمل على تطويره تقنيا.
الجانب الخفي الآخر في شخصية محمد وهبي هو طموحه الكبير. رغم حديثه الدائم عن التواضع والعمل، إلا أنه يؤمن بأن المواهب المغربية قادرة على الوصول إلى أعلى المستويات العالمية. لذلك يسعى إلى إعداد لاعبين قادرين على المنافسة في كأس العالم للشباب وفي أكبر الدوريات الأوروبية.
بالنسبة له النجاح الحقيقي ليس فقط الفوز ببطولة قارية، بل إنتاج جيل من اللاعبين القادرين على حمل قميص المنتخب الأول مستقبلاً.
رغم النجاحات التي حققها مع المنتخبات الشابة، يرفض وهبي فكرة تحويل المدرب إلى نجم إعلامي. يفضل العمل في الظل ويترك الأضواء للاعبين.. وحتى في لحظات الانتصار يحاول توجيه الحديث نحو الفريق وليس نحو نفسه.
هذا التواضع جعله يحظى باحترام كبير داخل الأوساط الكروية، حيث يُنظر إليه يوصفه مشروع مدرب طويل الأمد للكرة المغربية وليس مجرد مدرب مؤقت للنتائج.





