26 سنة من الدبلوماسية الملكية دفاعا عن الصحراء المغربية
الملك تدخل مباشرة لضمان تسعة أصوات المطلوبة لتمرير القرار الأممي في غياب أي «فيتو»

صادق مجلس الأمن، يوم الجمعة الماضي، على قرار تاريخي يعتمد مبادرة الحكم الذاتي لحل النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية تحت السيادة المغربية. ويمثل هذا القرار، الذي حظي بدعم 11 دولة عضوا بمجلس الأمن، تتويجا لمسار طويل من العمل الممنهج والدبلوماسية المتأنية، التي قادها الملك شخصيا على مدى 26 سنة. وكرس هذا القرار مشروعية الموقف المغربي وعدالة قضيته، في تجسيد واضح لوجاهة مقترح الحكم الذاتي، المدعوم برؤية تنموية متبصرة على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية، وهو ما جعل من الأقاليم الجنوبية نموذجا رائدا في التنمية والازدهار. وكان المغرب قد سلم في سنة 2007 إلى الأمين العام للأمم المتحدة، مبادرة بشأن التفاوض لتخويل الصحراء المغربية حكما ذاتيا. ومنذ ذلك التاريخ، حظيت المبادرة بدعم دولي، باعتبارها المقترح الواقعي ذا المصداقية لحل النزاع المفتعل حول الأقاليم الجنوبية.
إعداد: محمد اليوبي- النعمان اليعلاوي
بوريطة: قرار مجلس الأمن يمثل تتويجا لـ26 سنة من الدبلوماسية الملكية
أكد ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، أن القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن، الذي شكل بشرى للمغاربة وأعلن عنه الملك محمد السادس، يوم الجمعة الماضي، يمثل تتويجا لمسار طويل من العمل الممنهج والدبلوماسية المتأنية التي قادها الملك شخصيا على مدى 26 سنة.
وكشف بوريطة، خلال حلوله ضيفا على القناة الثانية، مساء أول السبت، عن كواليس التصويت على القرار، مشيرا إلى أنه في الخمسة أيام الأخيرة، قبل التصويت على القرار الأممي، تدخل الملك مباشرة لضمان تسعة أصوات المطلوبة ليمر القرار الأممي في غياب أي «فيتو». وأضاف بوريطة: «بعدها كان من السهل إضافة صوتين، لنصل إلى 11 بلدا مؤيدا للقرار الأممي». وكشف الوزير على أنه تم الوصول إلى 10 أصوات، يوم الأربعاء المنصرم، قبل إضافة صوت آخر لاحقا، وكانت هناك محاولات لضم بلد عضو دائم ليصوت مع القرار، لكن ذلك البلد كانت له اشتراطات على أمريكا، ولم يتحقق ذلك. وأكد بوريطة أن المغرب ليست له مقاربة صدامية، بل مقاربة الوضوح، وقال: «ليست لنا دبلوماسية صراعية، وإنما الوضوح الذي يؤكد للشريك أن البلد يريد المضي إلى الأمام».
وأوضح وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج أن تركيبة مجلس الأمن الحالي الأصعب، فهو يضم في عضويته طرفا في النزاع، مؤكدا أنه منذ 4 أكتوبر الماضي، تم إدخال 45 تعديلا على أول مسودة للقرار الأممي، و90 في المائة من التعديلات كانت منتظرة.
وقال بوريطة إن ما تحقق اليوم ليس وليد الصدفة، بل ثمرة مجهود استراتيجي متواصل من الملك محمد السادس منذ نهاية التسعينيات، غير مسار قضية الصحراء المغربية بشكل جذري. وأوضح الوزير أن سنة 1998 كانت نقطة انطلاق هذا التحول، حيث كان المغرب آنذاك يعيش في إطار «مخطط التسوية والاستفتاء»، الذي كان يتضمن خيار الانفصال كأحد الاحتمالات المطروحة. غير أن الملك ومنذ توليه العرش، بدأ الاشتغال على بديل عملي ومستدام تمثل في مبادرة الحكم الذاتي، التي انطلقت ملامحها منذ 2004 وتم تقديمها رسميا سنة 2007 كإطار واقعي وذي مصداقية لحل النزاع الإقليمي.
وأشار بوريطة إلى أن العرقلة التي واجهت هذا المسار من الأطراف الأخرى دفعت الملك إلى تبني مقاربة جديدة قوامها الاشتغال الثنائي مع الدول، من أجل جعل مبادرة الحكم الذاتي مرجعا دوليا، قبل أن تصبح اليوم، كما قال الملك خيارا يؤيده ثلثا الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعدما كانت بضع دول فقط تدعمه في بداياته.
وأضاف أن الاعتراف الأمريكي سنة 2021 بمغربية الصحراء جاء تتويجا لتفاعل مباشر بين الملك والإدارة الأمريكية آنذاك، رغم أن ولاية الرئيس دونالد ترامب كانت في أيامها الأخيرة، مبرزا أن الملك تعامل مع هذا المسار بعزيمة ورؤية بعيدة المدى، إدراكا منه لأهمية اللحظة التاريخية، وتابع بالقول: «الجميع كان يعتقد أن ذهاب ترامب سيطيح بالاعتراف، لكن الملك لم يكتف بالحفاظ عليه، بل عمقه وأرسى دعائمه مع إدارة بايدن، التي اعتبرت من القرارات القليلة التي أبقت عليها بعد رحيل ترامب، لما يتمتع به الملك والمغرب من مصداقية دولية».
وأفاد بوريطة بأن هذا المسار شهد أيضا تحولات نوعية في المواقف الأوروبية، حيث تمكن الملك من إحداث تغيير جذري في مواقف دول محورية على غرار إسبانيا التي غيرت موقفها سنة 2021، وألمانيا في السنة نفسها، وتلتهما فرنسا بعد الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي إلى المغرب في يوليوز 2024 والرسالة التي بعثها إلى الملك، وأخيرا بريطانيا في يونيو 2025.
وأكد بوريطة أن التصويت بمجلس الأمن لم يكن فقط على مضامين قرار أممي، بل كان تصويتا على مغرب الملك محمد السادس، وعلى الإصلاحات التي قادها، وأكد الوزير أن هناك مقاربة ملكية متكاملة في إدارة التحديات الداخلية والخارجية، ترتكز على رؤية بعيدة المدى وأهداف استراتيجية واضحة منذ سنة 1999، حيث وضع الملك نقطة الوصول منذ البداية، في تعامله الجديد مع ملف الصحراء المغربية.
وأوضح أن هذه المقاربة قائمة على «التأني الاستراتيجي الذي يتيح للأفكار والنضج السياسي أن يتبلورا في الوقت المناسب»، وأضاف: «ربما بدا للبعض أن الوقت يضيع، لكن الحقيقة أن الملك كان يهيئ الأرضية لتثمر في اللحظة المناسبة، وها نحن اليوم نجني الثمار»، وأبرز بوريطة أن مقاربة الملك محمد السادس تعتمد على المصداقية والالتزام، وأنه «حين يلتزم، يفي بما وعد به»، مشيرا إلى أن هذه الثقة هي ما جعلت الولايات المتحدة وغيرها من القوى الكبرى تحافظ على مواقفها الداعمة للمغرب.
وأكد بوريطة أن المرحلة التي تلت الاعتراف الأمريكي مع إدارة ترامب شهدت انتقالا نحو العمل على الدول المؤثرة في أوروبا، فتم مباشرة بعد ذلك تغيير مواقف إسبانيا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، وهي القوى التي تدرك جيدا العمق التاريخي والجيوسياسي لقضية الصحراء المغربية.
كما تطرق الوزير إلى البعد الإفريقي في الدبلوماسية الملكية، مذكرا بأن عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 كانت ثمرة معركة سياسية ودبلوماسية قادها الملك بنفسه، مشيرا إلى أن الملك قام بزيارات إلى تسع دول كانت تعترف بـ«الجمهورية الوهمية»، مثل إثيوبيا، تنزانيا، نيجيريا، زامبيا، جنوب السودان وغانا، واستطاع إقناعها بتغيير مواقفها.
واعتبر بوريطة أن هذا الانخراط الإفريقي منح المغرب دفعة قوية داخل القارة، وأعاد ترتيب أوراقه من موقع قوة، ليصبح اليوم فاعلا مؤثرا في قرارات القارة السمراء ومحيطها الإقليمي والدولي، مشددا على أن قرار الأمم المتحدة الأخير هو تتويج لمسار طويل من الدبلوماسية الملكية الرصينة.
وبخصوص إمكانية فتح حوار مع الجزائر، قال بوريطة إن المملكة ترى أن لا حاجة إلى الوساطات مع الجزائر لحل المشاكل العالقة بين البلدين، وتحدث وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج عن عوامل القرب الجغرافي والتاريخ، التي تؤكد أن لا حاجة إلى الوساطة بين البلدين، وأضاف: «لا أحد يعرف الجزائر أكثر من المغرب، ولا أحد يعرف المغرب أكثر من الجزائر، ولنا الإمكانية لحل مشاكلنا بأنفسنا»، مؤكدا أن الحوار المباشر بين البلدين أحسن من أي وساطة لحل المشاكل، على أساس أن تتوفر الإرادة السياسية، وأشار الوزير إلى أن العلاقة مع الجزائر وحل قضية الصحراء المغربية، أقرب اليوم من أي وقت مضى.
الأحزاب السياسية تعرب عن ارتياحها للقرار التاريخي لمجلس الأمن حول الصحراء المغربية
أعربت مختلف الأحزاب السياسية عن ارتياحها العميق لمضمون القرار التاريخي، لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حول الصحراء المغربية، والذي يجعل من الحكم الذاتي الإطار الوحيد لحل هذا النزاع المفتعل.
وأكد حزب التجمع الوطني للأحرار أن “الدبلوماسية الملكية الحكيمة والفعالة في التعاطي مع القضية الوطنية طيلة الـ 26 سنة الماضية، رسخت الاعتراف الدولي المتزايد بسيادة المملكة الكاملة على أقاليمها الجنوبية، وجعلت من مبادرة الحكم الذاتي الحل الأساس والوحيد للتفاوض”.
وأشار إلى أن القرار التاريخي لمجلس الأمن كرس أيضا مشروعية الموقف المغربي وعدالة قضيته، في تجسيد واضح لوجاهة مقترح الحكم الذاتي المدعوم برؤية تنموية متبصرة على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية، وهو ما جعل من الأقاليم الجنوبية نموذجا رائدا في التنمية والازدهار، وعنوانا للوحدة الوطنية الراسخة، تحت القيادة الحكيمة الملك محمد السادس.
وفي هذا الصدد، نوه التجمع الوطني للأحرار بدعوة الملك في خطابه السامي أمس “إخواننا في مخيمات تندوف لاغتنام هذه الفرصة التاريخية، لجمع الشمل مع أهلهم، والمساهمة، بما يتيحه الحكم الذاتي، في تدبير شؤونهم المحلية، وفي تنمية وطنهم، وبناء مستقبلهم، في إطار المغرب الموحد”، كما ثمن الحزب دعوة الملك الرئيس الجزائري إلى “حوار أخوي صادق، بين المغرب والجزائر، من أجل تجاوز الخلافات، وبناء علاقات جديدة، تقوم على الثقة، وروابط الأخوة وحسن الجوار”.
وبدوره، أعرب حزب الأصالة والمعاصرة في بلاغ له عن اعتزازه بالحكمة والتبصر الكبيرين اللذين قاد بهما الملك محمد السادس هذا الملف، والذي جعل من هذه القضية الوطنية أولوية دائمة، “ناقلا برؤيته المتبصرة قضية الصحراء المغربية من محطة التدبير إلى مرحلة التغيير”، وأثنى الحزب على قرار الملك بتحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي، وجعلها إطارا ملموسا على طاولة الأمم المتحدة للتفاوض، باعتبارها الحل الواقعي والقابل للتطبيق، وأعرب الحزب عن فخره واعتزازه بهذا التحول الفاصل في قضية الصحراء المغربية، بعد القرار النوعي والتاريخي الذي اعتمده مجلس الأمن الجمعة الماضي.
ومن جهته، نوه حزب الاستقلال بمضامين الخطاب الملكي الذي وجهه الملك محمد السادس إلى شعبه الوفي بمناسبة صدور قرار مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة بشأن الصحراء المغربية، وعبرت اللجنة التنفيذية للحزب، في بلاغ لها، عن “اعتزازها الكبير بمضامين الخطاب الملكي السامي التاريخي وما حمله من توجهات استراتيجية وتحولات كبرى تؤسس لمرحلة جديدة في مسار المغرب، بالانتقال من منطق التدبير إلى التغيير عبر الترسيخ النهائي للوحدة الترابية للمملكة، في إطار الحل السياسي على أساس مبادرة الحكم الذاتي”.
وفي هذا الصدد، أشادت اللجنة التنفيذية بحكمة وتبصر الملك ورجاحة مواقف الملك في رسم معالم المرحلة المقبلة بروح البناء وسياسة اليد الممدودة بعيدا عن منطق الغالب والمغلوب، و”بالإرادة الملكية الراسخة لاستقبال واحتضان إخواننا في تندوف وتمتيعهم بالحقوق وبكافة شروط الكرامة، على قدم المساواة مع جميع المواطنات والمواطنين”، كما أشادت بتطلع الملك إلى بناء الاتحاد المغاربي بدوله الخمسة، ينعم بالحرية والأمن والاستقرار، والتنمية والمنافع المشتركة بما يعود على شعوبه بالرفاه والعيش الكريم.
وعلى صعيد متصل، ثمن حزب الاستقلال عاليا قرار مجلس الأمن بشأن الصحراء المغربية، الذي يعتبر مخطط الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية تحت السيادة المغربية الأساس العملي والواقعي لحل هذا النزاع المفتعل، معتبرة أنه يكرس “أحد أهم أهداف ميثاق الأمم المتحدة وعقيدتها الراسخة في دعم الاستقرار والأمن والسلم في المنطقة والعالم”، واعتبر أن الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية للمملكة هو إعلان صريح لبداية مرحلة جديدة في مسار الوحدة الوطنية وتكريس الاختيار الديمقراطي، موسومة بالدينامية التنموية وبالمشاريع الهيكلية الكبرى، الاقتصادية والاجتماعية التي تستفيد منها ساكنة المنطقة.
وأشاد حزب التقدم والاشتراكية بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 التابع للأمم المتحدة، بشأن الصحراء المغربية. وذكر بلاغ للمكتب السياسي للحزب أن القرار الأممي “كرس أن مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يشكل الحل الأكثر قابلية للتطبيق كأساس وحيد لطي النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، انتصارا للعدل ولحقائق التاريخ والشرعية والمشروعية”.
وأكد الحزب أن هذه التطورات الحاسمة، في هذه اللحظة الوطنية التاريخية، تشكل، فعلا، “تحولا جذريا ومنعطفا مصيريا في المسار الطويل من نضالات الشعب المغربي في سبيل استكمال وتوطيد وحدته الترابية، باذلا من أجل ذلك، على مدى عقود، الغالي والنفيس، ومواجها بثقة ووطنية وصمود، كل الصعاب والمناورات والمعاكسات”.
وأشار إلى أن الملك محمد السادس أبى في خطابه السامي الذي وجهه إلى الأمة بهذه المناسبة السعيدة والمنعطف الحاسم في تاريخ المغرب الحديث، “إلا أن يتقاسم، بنبرة الحكمة والقوة الهادئة، هذا الإنجاز التاريخي مع الشعب المغربي، بعد خمسين سنة من الكفاح والنضال والتضحيات الجسام في سبيل قضيتنا الوطنية العادلة والمشروعة”.
وفي هذا الصدد، أشاد الحزب بالدور الريادي والطلائعي الذي اضطلع به الملك في قيادة الدبلوماسية الوطنية، منذ اعتلائه العرش، بما أفضى إلى تحولات أساسية في معالجة ملف الصحراء المغربية، منذ تقديم مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007 والتي غيرت الموازين لفائدة المملكة، وجعلتها تمسك بزمام المبادرة والفعل على المستوى الدولي، وشدد على أن هذه المناسبة، التي تبعث على السعادة والفخر، “ستكتب في التاريخ بمداد الاعتزاز والمجد، ونحن على مشارف الاحتفاء الوطني بمرور خمسين سنة على حدث المسيرة الخضراء المظفرة”.
واعتبر حزب الحركة الشعبية أن الإنجاز الذي حققه المغرب في قضية الصحراء هو “ثمرة رؤية دبلوماسية حكيمة واستراتيجية، أسس لها الملك محمد السادس على مدى ربع قرن”. وأوضح الحزب، في بلاغ صدر بمناسبة قرار مجلس الأمن حول الصحراء المغربية، أن هذه الرؤية الملكية “جعلت بلادنا اليوم تحقق هذا الإنجاز الدبلوماسي التاريخي والحاسم في مسار نزاع مفتعل ضد وحدة المملكة المغربية الترابية والوطنية منذ ما يقرب نصف قرن”.
وتابع أنه “على أساس هذا القرار الأممي بعمقه الاستراتيجي، فإننا واعوون كأحزاب سياسية، إلى جانب باقي الوسائط المؤسساتية، بمتطلبات هذا التحول الاستراتيجي الذي أقر الحكم الذاتي في إطار سيادة المملكة المغربية وعلى ضوء وحدة الوطن والتراب بمتطلبات المرحلة المقبلة، ومنها ضرورة تسريع وتيرة تنزيل وتفعيل مخططات الدبلوماسية الموازية كبرلمان وأحزاب ونقابات ومجتمع مدني وفاعليين اقتصاديين لمواجهة مناورات خصوم وحدتنا الترابية المحتملة ضد القرار الأممي، والتعريف بالنموذج التنموي الجهوي في الأقاليم الجنوبية للمملكة”.
وخلص الحزب ذاته إلى أن المرحلة المقبلة “تتطلب من مختلف الفاعليين المؤسساتيين مضاعفة الجهود لتسريع وتيرة تنزيل الجيل الجديد من الجهوية المتقدمة والموسعة على ضوء وحدة الوطن والتراب، وبلورة سياسات عمومية وفق نماذج تنموية جهوية تراعي الخصوصيات المجالية وتترجم بفعالية ونجاعة التوجيهات الملكية السامية في مجال التنمية الترابية المندمجة”.
وأكد حزب العدالة والتنمية أن قرار مجلس الأمن، حول الصحراء المغربية، إنجاز تاريخي كبير وانتصار للشرعية والحق المغربي القائم على روابط البيعة الشرعية المتواترة، وحقائق التاريخ الثابتة، والتلاحم الديني والاجتماعي والثقافي بين أبناء وبنات الوطن الواحد.
واعتبر الحزب في بلاغ له أن قرار مجلس الأمن يشكل “تتويجا لمسيرة الكفاح الوطني طيلة قرون في مواجهة الاستعمار والتدخل الأجنبيين، رفضا للتقسيم ولمشاريع التجزئة، وسعيا لتحقيق التعاون النافع والعمل المشترك بين الشعوب المغاربية الشقيقة”.
وأشاد بلاغ الحزب ب”المجهودات السياسية والدبلوماسية المتواصلة والفاعلة التي قادها الملك محمد السادس بحنكة عالية وحزم كبير في تدبيره لهذا الملف الوطني الاستراتيجي” ، مبرزا أن هذه المجهودات “توجت بسلسلة من الاعترافات الدولية المتواترة بمغربية أقاليمنا الجنوبية، وتجسدت بهذا المنعطف التاريخي بتكريس المقترح المغربي للحكم الذاتي لأقاليمنا الجنوبية الصحراوية تحت السيادة المغربية كحل سياسي وحيد لهذا النزاع”.
أدمينو: الخطاب الملكي وضع خريطة طريق جديدة بعد تبني مجلس الأمن لمقترح الحكم الذاتي
قدّم عبد الحفيظ أدمينو، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، قراءة أكاديمية في الخطاب الملكي الذي ألقاه الملك محمد السادس، مساء الجمعة الماضي، تفاعلا مع القرار التاريخي لمجلس الأمن الدولي المتعلق بقضية الصحراء المغربية، والذي أكد فيه المجتمع الدولي على وجاهة مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل وحيد وواقعي للنزاع الإقليمي.
وقال أدمينو إن الخطاب الملكي جاء في لحظة دبلوماسية فارقة، بعد اعتماد مجلس الأمن القرار رقم 2797 دون أي معارضة، مبرزا أن جلالة الملك حرص على تأطير هذا الإنجاز الدولي ضمن رؤية متبصرة توازن بين الاعتزاز الوطني والمسؤولية الإقليمية. وأوضح أن الخطاب لم يُقدَّم باعتباره «انتصارا دبلوماسيا» فحسب، بل كـ«تحول نوعي» في مسار تدبير ملف الصحراء المغربية، عنوانه التعقل والواقعية السياسية.
وأشار أدمينو إلى أن الملك محمد السادس أعاد، من خلال خطابه، التأكيد على أن مبادرة الحكم الذاتي هي الإطار الوحيد الممكن لتسوية النزاع، مذكرا بأن هذا المقترح الذي قدمه المغرب سنة 2007 يظل اليوم المشروع الأكثر مصداقية في نظر المنتظم الدولي، باعتباره يحقق مبدأ تقرير المصير من خلال ممارسة فعلية للسلطة المحلية في ظل السيادة الوطنية.
وأضاف أن القرار الأممي الأخير جاء ليكرس هذا الطرح المغربي، بعد سنوات من الجهود الدبلوماسية المكثفة، ويؤكد من جديد أن المجتمع الدولي بات يعتبر الاستقلال خيارا متجاوزا وغير واقعي في السياق الإقليمي والدولي الراهن.
وأكد أدمينو أن الملك اختار، بوضوح، لغة الانفتاح والعقلانية في مخاطبة الأطراف الأخرى، وخاصة الجزائر، من خلال دعوته الصريحة إلى «طي صفحة الخلافات» و«فتح حوار صادق وبنّاء»، مشيرا إلى أن هذا التوجه يعكس القيادة الهادئة للمغرب في مقاربة القضايا الاستراتيجية للمنطقة.
وأضاف أن الخطاب الملكي حمل رسائل قوية لقيادة الجزائر مفادها أن المغرب ينظر إلى المستقبل بروح إيجابية، وأنه لا يسعى إلى الغلبة أو التصعيد، بل إلى بناء شراكة مغاربية حقيقية قوامها التعاون والتنمية المشتركة.
واعتبر أدمينو أن الخطاب الملكي جاء لتثمين النجاح الذي حققته الدبلوماسية المغربية بقيادة جلالة الملك في مجلس الأمن، مؤكدا أن «التحرك الملكي المباشر» الذي كشفه ناصر بوريطة، وزير الخارجية، كان له أثر حاسم في حشد التأييد الدولي لمقترح الحكم الذاتي.
وأضاف أن هذا النجاح لم يكن ظرفيا، بل نتاج رؤية استراتيجية متراكمة جعلت المغرب فاعلا إقليميا يحظى بالاحترام والثقة، مشيرا إلى أن القرارات الأممية المتتالية تؤكد اتساق الموقف المغربي مع منطق الواقعية والشرعية الدولية.
وأوضح أدمينو أن الخطاب الملكي يعكس انتقال المغرب من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة، حيث بات هو الطرف الذي يقترح الحلول ويقود النقاش داخل المنتظم الدولي. وأضاف أن الخطاب الملكي أبان عن نضج سياسي كبير في كيفية تدبير ملف حساس مثل قضية الصحراء، من خلال الجمع بين التمسك بالثوابت الوطنية والاستعداد للتعاون والحوار.
وختم أدمينو تصريحه بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة تثبيت لمكاسب القرار الأممي 2797، من خلال تسريع تنزيل نموذج التنمية في الأقاليم الجنوبية، وتعزيز دور المؤسسات المنتخبة بها، بما يجعل الحكم الذاتي واقعا ملموسا ومثالا حيا للحكم الرشيد في المنطقة.
خالد الشيات * :
“قرار مجلس الأمن وضع إطارًا قانونيًا واضحًا ومحددًا للحل النهائي لقضية الصحراء المغربية”
قال خالد الشيات، أستاذ القانون العام بوجدة، في تصريح لجريدة “الأخبار”، إن القرار رقم 2797 لمجلس الأمن الدولي قد وضع إطارًا قانونيًا واضحًا ومحددًا للحل النهائي لقضية الصحراء المغربية، مؤكداً أن هذا القرار يمثل خطوة حاسمة في تثبيت تصور الحكم الذاتي المغربي كإطار وحيد وموحد لحل النزاع.
وأضاف أن هذا الإطار القانوني لا يقيد الأطراف الأخرى، بل يتيح إمكانية تقديم مقترحات إضافية وتصورات فرعية تتوافق مع المبادرة المغربية للحكم الذاتي، موضحًا أن “هناك إمكانية لإيجاد إطار أصغر ضمن الإطار العام، وإمكانية وضع حلول أخرى وتصورات موازية للحل النهائي، مع احترام أسس الحكم الذاتي المغربي”. وأكد أن هذا الأمر يبقي المسألة مفتوحة أمام الدول المعنية، بما في ذلك الجهات الدولية التي قد ترغب في تقديم رؤى جديدة لتسوية النزاع.
وشدد الشيات على أن مجلس الأمن، من الناحية القانونية، تبنى الحل الذي يراه مناسبًا، وهو ما يعكس توافقًا واسعًا على المستوى الدولي، حيث حاز القرار على أغلبية كبيرة داخل المجلس، وقبل ذلك حظي بدعم واسع من مستوى الحكم الذاتي المغربي، إضافة إلى مواقف داعمة من دول عديدة على الصعيد الدولي. وبين أن إعلان جلالة الملك عن توجه المغرب لتحيين مقترح الحكم الذاتي يعكس رغبة المملكة في الحفاظ على مرونة المفاوضات وفتح المجال أمام الحوار مع الأطراف الأخرى.
وأوضح أن الإطار الذي حدده الحكم الذاتي المغربي يمثل سقفًا قانونيًا وسياسيًا يحمي السيادة الوطنية، ويعزز إمارة المؤمنين، ويضمن قوة الدبلوماسية المغربية ومؤسساتها، بما فيها القوات المسلحة، مشيرًا إلى أن هذا السقف لا يغلق المجال أمام تصورات أخرى تتعلق بالتنظيم التنفيذي أو بالاستشارة التشريعية على مستوى البرلمانات المحلية. وأضاف أن هذه التصورات تشمل أيضًا التنظيم الداخلي للمدن والحواضر والقرى، فضلاً عن قضايا الأمن المحلي ضمن إطار شامل للأمن الوطني.
وأكد أستاذ القانون العام أن الهدف من هذا الحل ليس إعلان انتصار أو هزيمة، بل تأسيس واقع جديد يضمن انخراط جميع الأطراف بحسن نية، من أجل تثبيت حلول عملية ومستدامة. وبين أن هذا يشمل أولاً عودة اللاجئين إلى ديارهم في الأقاليم الجنوبية، مع الاستفادة من البرامج الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية التي وفرتها المملكة، والتي تعزز مشاركة جميع المواطنين في تنمية منطقتهم وتحقيق استقرارهم الاجتماعي والاقتصادي.
وأضاف أن الحل النهائي يرتبط أيضًا بإيجاد فضاء إقليمي ملائم، يمكن أن يسهم في نجاح المفاوضات وضمان حسن نية الأطراف المشاركة. وشدد على أن هذا التوجه يتماشى مع دعوة جلالة الملك للسلطات العليا في الجزائر للمشاركة في عملية مصالحة إقليمية جديدة، تهدف إلى تعزيز التنمية والتقدم والاندماج الاقتصادي بين دول المنطقة، بما يتوافق مع تطلعات الشعوب المغربية والمغاربية.
وشدد الشيات على أن الحل المقترح ليس مسألة قانونية فحسب، بل هو عملية سياسية متكاملة تتطلب إرادة مشتركة من جميع الأطراف، مؤكداً أن المغرب مستعد للانخراط في جميع المبادرات البناءة التي تعزز الاستقرار الإقليمي، وتتيح الاستفادة من الموارد البشرية والاقتصادية، وتطوير السياسات المحلية بما يتوافق مع تطلعات المواطنين في الأقاليم الجنوبية. وأضاف أن الحكم الذاتي المغربي يمثل إطارًا مرنًا يسمح بتطوير حلول إضافية وموازية، في حين يحافظ على السيادة الوطنية ومصالح المملكة العليا.
وأوضح أن النجاح في هذه المرحلة يعتمد على الانخراط الإيجابي من جميع الأطراف الدولية والإقليمية، مؤكداً أن حسن النية ضرورة حيوية لضمان تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة، بما في ذلك التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة. وأضاف أن المغرب ملتزم بتقديم الحلول العملية التي تضمن استقرار الأقاليم الجنوبية، وترسخ دعائم التنمية المستدامة، وتعزز الثقة بين الأطراف المعنية.
وأبرز الأستاذ ذاته أن دور المغرب في هذه المرحلة ليس مجرد تقديم مقترحات، بل يشمل أيضًا قيادة العملية السياسية والتفاوضية، مع احترام التزامات المملكة الدولية ومبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان. وأكد أن هذا النهج يضمن إمكانية التوصل إلى اتفاق شامل يحقق مصالح جميع الأطراف، ويضع أسسًا لإطار قانوني وسياسي مستدام يرسخ الحكم الذاتي المغربي ويعزز التنمية والاستقرار الإقليمي.
وفي ختام تصريحه، شدد الشيات على أن المرحلة المقبلة تتطلب تضافر الجهود الدولية والإقليمية، مع الالتزام بالشفافية والانفتاح على المبادرات البناءة، لضمان تثبيت واقع جديد يحقق الاستقرار والتنمية، ويؤكد التزام المغرب بسيادته وحقوق مواطنيه، بما يعكس رؤية الملك في بناء مستقبل أفضل للأقاليم الجنوبية والمغرب عموماً.
3 أسئلة لعتيق السعيد * :
«بفضل الدبلوماسية الملكية.. المغرب يشهد ترسيخا نهائيا لمغربية الصحراء»
- ما قراءتكم لقرار مجلس الأمن الذي ينص على منح الصحراء المغربية حكما ذاتيا حقيقيا تحت السيادة المغربية؟
منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش المجيد، حققت الدبلوماسية الملكية إنجازات كبرى غير مسبوقة في تاريخ المغرب، تُرجمت بشكل فعلي وواقعي من خلال اعتراف عدد كبير من الدول بعدالة الموقف المغربي، وإيمانها العميق بمبادرة الحكم الذاتي كحل جاد وذي مصداقية. وأسهمت هذه الدبلوماسية الحكيمة، التي يقودها جلالة الملك، في تعزيز إشعاع المملكة على المستويين الإقليمي والدولي في مختلف المجالات. اليوم، وبعد خمسين عاما من النزاع المفتعل، يبدأ المغرب فتحا جديدا في ترسيخ مغربية الصحراء بعد قرار مجلس الأمن الذي ينص على منح الصحراء المغربية حكما ذاتيا حقيقيا تحت السيادة المغربية وإنهاء الصراع المفتعل.
وبالعودة إلى الخطاب الملكي السامي، بهذه المناسبة التاريخية، أكد جلالته أن المغرب يعيش مرحلة فاصلة ومنعطفًا حاسمًا في تاريخه الحديث، حدث بات بين سياقين تاريخيين ما قبل 31 أكتوبر 2025 وما بعده، حيث يشهد ترسيخا نهائيا وحاسما لمغربية الصحراء وإغلاقًا تاما لهذا النزاع المفتعل، في إطار حل توافقي قائم على مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الواقعي والعملي لتسوية هذا الملف بشكل نهائي، والتي حققت اجماعا وتوافقا دوليين حول مصداقيتها وقابليتها للتفعيل على أرض الواقع خدمة لعدالة القضية.
الخطاب الملكي السامي استحضر مسار القضية الوطنية وتدبير الملف الذي تم بفعالية عالية وبشكل مشهود له الانتقال في قضية الوحدة الترابية، من مرحلة التدبير إلى مرحلة التغيير، ضامنا للمغرب الوحدة الوطنية الكاملة من طنجة إلى لكويرة، مغرب قوي بحقوقه العادلة والقانونية المشروعة محصنا من اي تطاول لأحد على حقوقه، وعلى حدوده التاريخية، وبذلك يدخل مرحلة الحسم على المستوى الأممي، حيث حدد قرار مجلس الأمن المبادئ والمرتكزات، الكفيلة بإيجاد حل سياسي نهائي لهذا النزاع، في إطار حقوق المغرب المشروعة، فضلا عن أن الدول بالأمم المتحدة أصبحت تعتبر مبادرة الحكم الذاتي الإطار الوحيد لحل هذا النزاع، والمغرب، من جهته، سيقوم بتحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي، وسيقدمها للأمم المتحدة، لتشكل الأساس الوحيد للتفاوض، باعتبارها الحل الواقعي والقابل للتطبيق.
هذا، وعند الحديث عن العلاقات الخارجية للمملكة، جدير بالذكر أن المتتبع للشأن الدولي يجمع حول نجاح المغرب في تحقيق نجاحات دبلوماسية متوالية حظيت بإشادة دولية واسعة، بحيث مكّن هذا المسار الدبلوماسي المتزن والمتبصر من توطيد علاقات استراتيجية مع عدد كبير من الدول، انخرطت بدورها في دينامية افتتاح قنصليات عامة لها بالأقاليم الجنوبية، تأكيدًا لموقفها الداعم للوحدة الترابية للمملكة.
- كيف انتقلت الدبلوماسية الملكية وتدبير ملف الصحراء المغربية من تحصين المكتسبات الى واقع جديد؟
حقيقة قادت الدبلوماسية الملكية بفعالية وتبصر مسارا حكيما من العلاقات القوية بالساحة الدولية، توج اليوم باعترافها بمبادرة الحكم الذاتي وبتفاعل دولي مستمر، قوامهما دعم واضح وصريح لمغربية الصحراء، وإشادة متزايدة بمصداقية وموثوقية مبادرة الحكم الذاتي كحلٍّ نهائي وواقعي وحاسم لهذا النزاع الإقليمي المفتعل. ولم يأت هذا الزخم الدولي من فراغ، بل هو ثمار مسار طويل من العمل الدبلوماسي الجاد والمسؤول، الذي تقوده دبلوماسية ملكية قائمة على الانفتاح والحوار البنّاء، وتقديم الحجج والدلائل القانونية والشرعية والتاريخية التي رسخت أسس الإقناع والتوافق وكذلك الإجماع الدولي بما يتطابق مع الواقع ويستشرف المستقبل.
سيشهد التاريخ، وتتناقل الأجيال المتعاقبة، حكمة الدبلوماسية الملكية التي حسمت نهائياً قضية الصحراء المغربية بعد خمسين عاماً من نزاعٍ مفتعل، دبلوماسية ملكية أكدت في كل المحطات الدولية حكمة في تدبير العلاقات الخارجية للمغرب، استطاعت أن تنتقل بالقضية الوطنية من مرحلة تحصين المكتسبات إلى مرحلة ترسيخ واقع جديد كليا، عنوانه اعتراف نهائي بالحكم الذاتي ودعم دول العالم المتواصل لمغربية الصحراء، اعتراف كبريات الدول بدأ بالولايات المتحدة الامريكية وفرنسا ثم إسبانيا والعديد من الدول التي عبرت عن جدية ومصداقية مبادرة الحكم الذاتي، وهو اليوم واقع عادل ومنصف للقضية الوطنية بعد عقود من النزاع المفتعل.
تُجسّد الدبلوماسية الملكية نموذجًا فريدًا في تحقيق النجاحات المتتالية والاعترافات الدولية بعدالة القضية الوطنية، حيث تمكّنت، في وقت قياسي يحمل دلالات عميقة، من تحقيق مكاسب استراتيجية وانتصارات دبلوماسية ملموسة لصالح قضايا المملكة، سيّما ما يتعلق بوحدتها الترابية. وتُرجم هذا النجاح من خلال الارتفاع اللافت في عدد القنصليات التي تم افتتاحها في الأقاليم الجنوبية للمملكة، ويعكس الطلب المتزايد من عدد من الدول الإفريقية لافتتاح قنصليات تابعة لها في الأقاليم الجنوبية، وفقًا للقوانين المنظمة للعلاقات القنصلية، إيمانًا واضحًا من هذه الدول بمغربية الصحراء واعترافًا بكون هذه الأقاليم تتوفر على مقومات اقتصادية وتنموية تجعلها قطبًا استراتيجيًا للتنمية، وبوابة نحو التنمية القارية، وتترجم هذه الخطوة ، أيضا، نظرة متقدمة للصحراء المغربية باعتبارها مصدر إشعاع إقليمي ونقطة ارتكاز للمملكة داخل القارة التي تنتمي إليها، وتشكل في الوقت ذاته شهادة صريحة على دعم الوحدة الترابية للمملكة، وإقرارًا بواقع الأمن والاستقرار الذي تنعم به الأقاليم الجنوبية في سياق إقليمي يتسم باضطرابات متعددة.
الرؤية الملكية التنموية دفعت نحو إحداث نقلة نوعية بالأقاليم الجنوبية تعززت بإطلاق نموذج تنموي للأقاليم الجنوبية للمملكة مشهود له على الصعيد الدولي بالريادة والفعالية، نهج تنموي مستدام دفع العديد من الدول إلى اتخاذ قرار افتتاح قنصليات عامة. وتشكل هذه العوامل مجتمعة دافعًا قويًا للدول نحو اتخاذ قرار تعزيز حضورها الدبلوماسي والاقتصادي الاستثماري في الصحراء المغربية، لتأكيد دعمها المستمر للموقف المغربي ومساندتها لسيادة المملكة على أراضيها كاملة.
3- هل نجحت الدبلوماسية المغربية في تكوين توافق دولي حول مبادرة الحكم الذاتي؟
بكل تأكيد، توافق وإجماع دوليان على عدالة القضية ومصداقية وقابلية الحكم الذاتي للتطبيق على أرض الواقع باعتباره الأساس الوحيد والنهائي للنقاش. هذا التوافق الدولي يعكس جهود الدبلوماسية المغربية التي قدمت نجاحا تلو آخر واعترافات دولية متتالية بعدالة القضية الوطنية ومكتسبات غير مسبوقة وانتصارات عديدة لصالح قضايا الوطن.
ورغم هذا الإجماع الدولي حول مبادرة الحكم الذاتي، يظل المغرب حريصا على إيجاد حل واقعي ومتوافق عليه، لا غالب فيه ولا مغلوب، بما يحفظ ماء وجه جميع الأطراف. وشدد جلالته على أن المغرب لا يعتبر التحولات التي تشهدها القضية الوطنية انتصارا بالمعنى الضيق، ولا يوظفها لتأجيج الصراعات أو الخلافات، بل يتعامل معها بروح الحكمة، ووجه جلالته دعوة صادقة إلى إخواننا في مخيمات تندوف لاغتنام هذه الفرصة التاريخية من أجل لم الشمل والعودة إلى الوطن، والاستفادة مما يتيحه نظام الحكم الذاتي من إمكانات للمساهمة في تدبير شؤونهم المحلية، والمشاركة الفاعلة في تنمية وطنهم وبناء مستقبلهم داخل إطار المغرب الموحد.
* أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض مراكش، محلل سياسي








