تحديات تواجه الحكومة في آخر ولايتها
إصلاح التعليم والصحة وتعديل مدونة الأسرة وإنقاذ أنظمة التقاعد من الإفلاس

على بعد أشهر قليلة، من نهاية عمر ولايتها، تواجه الحكومة عدة تحديات في استكمال تنزيل مجموعة من الأوراق والإصلاحات، التي تفرض ذاتها؛ فبعدما نجحت الحكومة في تكريس الدولة الاجتماعية، خلال السنوات الأربع الأولى من هذه الولاية، من خلال تعميم الحماية الاجتماعية على جميع المغاربة، وتخصيص دعم مالي مباشر للأسر المعوزة، ما زالت هناك إصلاحات اجتماعية أخرى مهمة تنتظر التنزيل والتفعيل، من قبيل إصلاح أنظمة التقاعد المهددة بالإفلاس في مطلع سنة 2028. وهو إصلاح يهم ملايين المغاربة، سواء المتقاعدين حاليا أو الموظفين الذين سيحالون على التقاعد في السنوات المقبلة. بالإضافة إلى إصلاح قطاعي التعليم والصحة، وهما من القطاعات الاجتماعية الاستراتيجية، التي تتطلب إرادة سياسية حقيقية. وهناك ورش آخر لا يقل أهمية، وهو تعديل مدونة الأسرة، تفعيلا للتوجيهات الملكية، باعتبار الأسر تشكل نواة المجتمع، لكن يبدو أن هناك خلافات عميقة جعلت هذا الإصلاح يتأجل إلى أجل غير مسمى.
إعداد: محمد اليوبي – النعمان اليعلاوي
خلافات تؤجل ورش تعديل مدونة الأسرة إلى أجل غير مسمى
علمت «الأخبار»، من مصادرها، أن ورش مراجعة مدونة الأسرة لن يكون مطروحا على جدول أعمال مجلس النواب، خلال الدورة التشريعية الحالية. ولم تستبعد المصادر تأجيل الحسم في التعديلات المقترحة إلى الولاية التشريعية المقبلة، أي بعد الاستحقاقات التشريعية التي ستجرى، قبل نهاية السنة الجارية، وتشكيل الحكومة التي ستنبثق عن هذه الانتخابات.
وأوضحت المصادر أن مشروع القانون المتعلق بمدونة الأسرة غير جاهز في الوقت الراهن، بسبب عدم الحسم في المسائل الخلافية. وتجدر الإشارة إلى أن الهيئة المكلفة بمراجعة المدونة انتهت من عملها داخل الأجل المحدد لها، ورفعت مقترحاتها إلى الملك محمد السادس، في جزأين، الأول يهُم «مقترحات تتعلق بمدونة الأسرة»، والثاني خاص بـ«مقترحات ذات صبغة عامة»، لا ترتبط مباشرة بنَص المدونة، لكن يتوقف عليها حسن تطبيقها، وتم تقديم 139 مُقترح تعديل، شَملت الكُتب السبعة للمدونة.
وأكد أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، خلال جلسة العمل التي ترأسها الملك محمد السادس، بالقصر الملكي بالدار البيضاء، والتي خصصت لموضوع مراجعة مدونة الأسرة، في عرض قدمه بين يدي الملك، أنه بعد تفضل أمير المؤمنين، وفق قراره السديد، بإحالة سبع عشرة مسألة على النظر الشرعي، فقد جاء رأي المجلس العلمي الأعلى مطابقا موافقا لأغلبها، وموضحا سبل إمكان موافقة البعض الآخر منها لمقتضى الشريعة، ومبينا أن ثلاثا منها تتعلق بنصوص قطعية لا تجيز الاجتهاد فيها، وهي المتعلقة باستعمال الخبرة الجينية للحوق النسب، وإلغاء العمل بقاعدة التعصيب، والتوارث بين المسلم وغير المسلم.
وأضاف الوزير، بصفته عضوا بالمجلس العلمي الأعلى، أن المجلس أبدى موافقته الشرعية على مقترحات الهيئة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة في ما يخص إمكانية عقد الزواج، بالنسبة إلى المغاربة المقيمين بالخارج، دون حضور الشاهدين المسلمين في حال تعذر ذلك، وتخويل الأم الحاضنة النيابة «القانونية» عن أطفالها، واعتبار عمل الزوجة المنزلي مساهمة في تنمية الأموال المكتسبة خلال قيام العلاقة الزوجية، ووجوب النفقة على الزوجة بمجرد العقد عليها، وإيقاف بيت الزوجية عن دخوله في التركة، وجعل ديون الزوجين الناشئة عن وحدة الذمة على بعضهما، ديونا مقدمة على غيرها بمقتضى الاشتراك الذي بينهما، وبقاء حضانة المطلقة على أولادها، بالرغم من زواجها.
وتابع أن العلماء فوضوا للملك النظر في ما أبدوه من الآراء وذلك من زاوية «المصلحة» التي هي المقصد الأسمى للدين، والتي يعتبر ولي الأمر أحسن من يقدرها، لثقتهم بالتبصر الذي يميز الإمامة العظمى، وحرص أمير المؤمنين على التوفيق في المسيرة الإصلاحية التي يقودها، بكل حكمة وبعد نظر، بين المحافظة على الثوابت الدينية والوطنية، والسعي لتحقيق المزيد من الكرامة والعزة والإنصاف لرعاياه الأوفياء، في مراعاة للتطورات التي يعرفها المجتمع المغربي.
وأكد عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، أن مضامين مراجعة مدونة الأسرة تهدف إلى تجاوز بعض النقائص والاختلالات، التي ظهرت عند تطبيقها القضائي، ومواءمة مقتضياتها مع تطور المجتمع المغربي وديناميته، وما تفرضه متطلبات التنمية المستدامة، وكذا ملاءمتها مع التطورات التشريعية، بما في ذلك الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب.
وأشار وهبي إلى مراجعة جوهرية لنص مدونة الأسرة تستجيب للمبادئ والمرجعيات، كما حددتها الرسالة الملكية السامية، ووفق الضوابط والحدود التي وَضَعتها؛ غايتها إنجاز صيغة جديدة لمدونة الأسرة تُناسب مغرب اليوم، قادرة على الاستجابة للتطورات المجتمعية التي يشهدها، في حرص شديد على أن تكفل مقتضياتها، في الآن ذاته، تعزيز مكانة المرأة وحقوقها، وحماية حقوق الأطفال، والمحافظة على كرامة الرجل.
من بين التعديلات المقترحة على المدونة إمكانية توثيق الخِطبة، واعتماد عقد الزواج لوحده لإثبات الزوجية كقاعدة، مع تحديد الحالات الاستثنائية لاعتماد سماع دعوى الزوجية، وتعزيز ضمانات زواج الشخص في وضعية إعاقة، مع مراجعة للإجراءات الشكلية والإدارية المطلوبة لتوثيق عقد الزواج، وإمكانية عقد الزواج، بالنسبة للمغاربة المقيمين بالخارج، دون حضور الشاهدين المسلمين في حال تعذر ذلك.
وهناك تعديل حول تحديد أهلية الزواج بالنسبة للفَتى والفَتاة في 18 سنة شمسية كاملة، مع وضع استثناء للقاعدة المذكورة، يُحدد فيها سن القاصر في 17 سنة، مع تأطيره بعدة شروط تضمن بقاءه، عند التطبيق، في دائرة “الاستثناء”، وتعديل يتعلق بإجبارية استطلاع رأْي الزوجة أثناء تَوثيق عقد الزواج، حول اشتراطها عدم التزوج عليها، من عدمه، والتنصيص على ذلك في عقد الزواج. وفي حال اشتراط عدم التزوج عليها، فلا يحق للزوج التعدد وفاء منه بالشرط، وفي حال غياب هذا الاشتراط، فإن “المبرر الموضوعي الاستثنائي” للتعدد، سيُصبح محصورا في إصابة الزوجة الأولى بالعقم، أو بمرض مانِع من المعاشرة الزوجية، أو حالات أخرى، يُقدرها القاضي وفق معايير قانونية محددة، تكون في الدرجة نفسها من الموضوعية والاستثنائية؛
وتتضمن المدونة الجديدة تعديلات تتعلق بإحداث هيئة، غير قضائية، للصلح والوساطة، يكون تدخلها مطلوبا، مبدئيا، في غير حالة الطلاق الاتفاقي، مع حصر مَهَمتها في محاولة الإصلاح بين الزوجين، والتوفيق بينهما في ما يترتب عن الطلاق من آثار، وجعْل الطلاق الاتفاقي موضوع تعاقد مباشر بين الزوجين، دون الحاجة لسلوك مسطرة قضائية، وتقليص أنواع الطلاق والتطليق، بحكم أن التطليق للشقاق يُغطي جُلها، وتحديد أجل ستة أشهر كأجل أقصى للبت في دعاوى الطلاق والتطليق.
وتضم المدونة تعديلا يتعلق بتأطير جديد لتدبير الأموال المكتسبة أثناء العلاقة الزوجية، مع تثْمين عمل الزوجة داخل المنزل، واعتباره مساهمة في تنمية الأموال المكتسبة خلال قيام العلاقة الزوجية، وكذلك اعتماد الوسائل الالكترونية الحديثة للتبليغ في قضايا الطلاق والتطليق، مع قَبول الوكالة في هذه القضايا باستثناء مرحلة الصلح والوساطة.
ومن بين التعديلات المقترحة اعتبار حضانة الأطفال حقا مشتركا بين الزوجين أثناء قيام العلاقة الزوجية، مع إمكانية امتداده، في حال الاتفاق، بعد انفصام العلاقة الزوجية، وتعزيز الحق في سُكْنى المحضون، بالإضافة إلى وضع ضوابط جديدة في ما يخص زيارة المحضون أو السفر به، بالإضافة إلى عدم سقوط حضانة الأم المطلقة على أبنائها بالرغم من زواجها، مع وضع معايير مرجعية وقيمية تُراعى في تقدير النفقة، وكذا آليات إجرائية تساهم في تسريع وتيرة تبليغ وتنفيذ أحكامها.
وجاء مشروع المدونة بتعديل ينص على جعل “النيابة القانونية” مشتركة بين الزوجين في حال قيام العلاقة الزوجية وبعد انفصامها. وفي الحالات التي لا يَتَأتى فيها الاتفاق بين الزوجين، على أعمال النيابة القانونية المشتركة، يُرجع، في ذلك، إلى قاضي الأسرة للبت في الخلاف الناشئ، في ضوء معايير وغايات يحددها القانون، وتعديل يتعلق بتحديد الإجراءات القانونية التي يتعين على المحكمة سلْكها من أجل ترشيد القاصر، وتعزيز الحماية القانونية لأمواله، وفرض الرقابة القضائية على التصرفات التي يُجريها وليه أو وصيه أو المقدم عليه، مع التنصيص على حق الزوج أو الزوجة بالاحتفاظ ببيت الزوجية، في حالة وفاة الزوج الآخر، وفق شروط يحددها القانون.
وسيتم تفعيل مقترح المجلس العلمي الأعلى، بخصوص موضوع “إرث البنات”، القاضي بإمكانية أن يهب المرء قيد حياته ما يشاء من أمواله للوارثات، مع قيام الحيازة الحُكمية مقام الحيازة الفِعلية، مع فتح إمكانية الوصية والهبة أمام الزوجين، في حال اختلاف الدين، وبالنظر إلى أن الأمر يتعلق بمراجعة عميقة لمدونة الأسرة، فسيتم تبني صياغة بعبارات حديثة، من خلال استبدال بعض المصطلحات سيما إذا تَوقف العمل بها في منظومتنا القانونية والقضائية.
الحكومة لم تحسم ملف إصلاح التقاعد في آخر سنة من ولايتها
علمت «الأخبار»، من مصادرها، أنه رغم الوعود التي قدمتها وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح، الأسبوع الماضي، بمجلس النواب، بالشروع في إصلاح أنظمة التقاعد، من خلال إطلاق اجتماعات اللجنة الوطنية المكلفة بإصلاح أنظمة التقاعد، فإن الحكومة ما زالت لم تحسم هذا الملف، وبالتالي لن يكون مدرجا في أجندة العمل الحكومي لما تبقى من عمر الولاية الحالية.
وأفادت المصادر بأن الأغلبية الحكومية قررت تأجيل الإصلاح لأنه سيتزامن مع آخر سنة من عمر الولاية الحكومية، وستكون سنة انتخابية، حيث تتخوف أحزاب الأغلبية من تأثير قرار الإصلاح على شعبية هذه الأحزاب، خاصة أن السيناريو المقترح، وفق دراسة أنجزتها وزارة الاقتصاد والمالية، يهدف إلى رفع سن التقاعد والزيادة في نسبة الاقتطاعات، من أجل معالجة مشكل العجز ونفاد الاحتياطيات المالية.
وكان عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، ترأس اجتماعا للجنة الوطنية لمتابعة ملف التقاعد، انعقد تبعا لخلاصات اجتماع دورة أبريل 2025 للجنة العليا للحوار الاجتماعي، وذلك بحضور الوزراء المعنيين ومسؤولين عن مؤسسات عمومية مسؤولة عن تدبير صناديق التقاعد وممثلين عن المركزيات النقابية والاتحاد العام لمقاولات المغرب والكونفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية.
وذكر بلاغ لرئاسة الحكومة أن هذا الاجتماع خصص لمناقشة الوضعية الحالية لأنظمة التقاعد، والاتفاق على آليات الاشتغال والمقاربة التي سيتم اعتمادها بشكل توافقي، من أجل وضع إطار ملائم لهذا الملف. وستسهر اللجنة التقنية المنبثقة عن اللجنة الوطنية، التي تضم ممثلين عن المركزيات النقابية وأرباب العمل والقطاعات الحكومية والصناديق المدبرة، على إعداد مقترح وتصور سيكون مدخلا لضمان ديمومة أنظمة التقاعد، ومن المنتظر أن تنطلق أشغال اللجنة التقنية خلال شهر شتنبر المقبل.
وفي مستهل الاجتماع، يضيف البلاغ، ثمن أخنوش المكاسب المحققة في إطار دورات الحوار الاجتماعي السابقة، سيما على صعيد تحسين الدخل والرفع من القدرة الشرائية للطبقة الشغيلة، مشيرا إلى أن هذه المكاسب تعد دليلا على النجاح في بناء ذكاء جماعي في صناعة الحلول بشكل توافقي وتقوية دور الشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين.
وجدد رئيس الحكومة التأكيد على أن الحكومة تحدوها إرادة قوية لمعالجة هذا الملف الاجتماعي الهام وفق منهجية تشاركية مبنية على الثقة وتشكل اختيارا استراتيجيا للحكومة، إذ تأتي في سيرورة تنزيل إصلاحات جوهرية تراعي حقوق الموظفين والأجراء والمتقاعدين وتحافظ على تنافسية المقاولات، وتضمن التوازن المالي لأنظمة التقاعد واستدامتها وتساهم في تعزيز السلم الاجتماعي الذي حرصت الحكومة على تحقيقه.
وأفادت مصادر حكومية بأن وصفة إصلاح أنظمة التقاعد أصبحت الجاهزة، حيث من المنتظر أن يتم عرضها على المركزيات النقابية لإبداء الرأي بشأنها، قبل إحالة المشروع على المجلس الحكومي للمصادقة عليه. وأكدت المصادر أن الإصلاح الاستعجالي لأنظمة التقاعد أصبح يفرض نفسه على الحكومة، بعدما فشلت الإصلاحات التي أطلقتها الحكومات السابقة في الحفاظ على التوازنات المالية لصناديق التقاعد، التي أصبحت مهددة بالإفلاس مع حلول سنة 2028.
وسبق لرئيس الحكومة، عزيز أخنوش، أن تعهد أمام البرلمان، بالشروع في تنزيل إصلاح منظومة التقاعد خلال السنة الماضية، حيث شرعت لجنة إصلاح أنظمة التقاعد، في عقد اجتماعات من أجل التوصل إلى السيناريوهات المقترحة لتجاوز أزمة صناديق التقاعد، لبلورة مشروع قانون سيحال على المؤسسة البرلمانية للمصادقة عليه، وخلصت إلى ضرورة ضمان ديمومة المنظومة على المدى الطويل، والحد من تأثير الإصلاح على ميزانية الدولة وتعبيد الطريق للمرور نحو نظام أساسي موحد.
وترأست نادية فتاح، وزيرة الاقتصاد والمالية، بمقر الوزارة، عدة اجتماعات للجنة إصلاح أنظمة التقاعد التي تندرج في إطار تنفيذ مخرجات الاتفاق الاجتماعي والميثاق الوطني للحوار الاجتماعي الموقعين في 30 أبريل من السنة الماضية، ما بين الحكومة والمركزيات النقابية والمنظمات والجمعيات المهنية للمشغلين.
وأعدت وزارة الاقتصاد والمالية وصفة الحكومة لإصلاح أنظمة التقاعد، بناء على الدراسة المنجزة من طرف أحد مكاتب الدراسات، خلصت إلى ضرورة ضمان ديمومة المنظومة على المدى الطويل، والحد من تأثير الإصلاح على ميزانية الدولة وتعبيد الطريق للمرور نحو نظام أساسي موحد. ومن أجل التوفيق بين كل هذه الأهداف، المتناقضة أحيانا، تقترح الحكومة اعتماد سقف موحد للنظام الأساسي يساوي مرتين الحد الأدنى للأجور بكل من القطب العمومي والقطب الخاص، وذلك لتسهيل المرور مستقبلا نحو نظام أساسي موحد، وتقترح، كذلك، تقليص نسب الاستبدال لأصحاب الأجور المرتفعة في القطاع العمومي، وتجميد الحقوق المكتسبة في الأنظمة الحالية وعدم إعادة تقييم المعاشات على مدى العشر سنوات القادمة، مع رفع سن التقاعد إلى 65 سنة بما في ذلك القطاع الخاص، ورفع نسب الاشتراكات بما في ذلك القطاع الخاص.
وقدمت الوزيرة، أمام أعضاء اللجنة، تشخيصا وتحليلا للوضعية الراهنة، وذلك بعد تنزيل الإصلاح المقياسي لسنة 2016، حيث سيستنفد نظام المعاشات المدنية لاحتياطياته (68 مليار درهم) بحلول سنة 2028.
وللوفاء بالتزاماته بعد ذلك، سيحتاج الصندوق المغربي للتقاعد ما يناهز 14 مليار درهم سنويا لتمويل عجز النظام. وأكدت الوزيرة أن هذا النظام يعد حاليا متوازنا بالنسبة للحقوق المكتسبة بعد إصلاح 2016، حيث إن الدين الضمني الحالي يهم بالخصوص الحقوق المكتسبة في الماضي، ويعرف النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد عجزا تقنيا مهما بلغ 3,3 مليارات درهم سنة 2021. وبفضل المستوى المهم لاحتياطياته (135 مليار درهم)، تمكن العوائد المالية للنظام من تغطية هذا العجز التقني.
وكشف تقرير حول المؤسسات والمقاولات العموميـة، مرفق لمشروع قانون المالية لسنة 2025، أن أنظمة المعاشات المدنية، التي يسيرها الصندوق المغربي للتقاعد، ستعرف عجزا تقنيا مع حلول سنة 2028، ما يفرض إصلاحا لهذه الأنظمة لتفادي إفلاس الصندوق. وأكد التقرير أن العجز التقني والهيكلي للأنظمة التي يسيرها الصندوق المغربي للتقاعد يشهد تفاقما متواصلا مما قد يؤدي إلى استنفاد الاحتياطيات بحلول سنة 2028. وأفاد التقرير بأنه تجري حاليا دراسة مشروع إصلاح أنظمة المعاشات المدنية بالتشاور مع الشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين، بحيث سيستند إلى السيناريو الذي تمت الموافقة عليه مسبقا والذي يتمحور حول تحقيق مجموعة من الأهداف الرئيسية، من بينها ضمان استمرارية النظام وإعادة توزيع شفاف وعادل، وبناء نظام تقاعد يتوافق مع الإمكانيات الاقتصادية للبلاد، مع حماية الحقوق والمكتسبة للمتقاعدين والمنخرطين الحاليين عند تاريخ مباشرة الإصلاح.
إصلاح القطاع الصحي.. ورش حكومي برهان اجتماعي
يشكل إصلاح قطاع الصحة اليوم أحد أعقد وأهم الأوراش الاستراتيجية التي تواجه الحكومة، ليس فقط باعتباره قطاعاً اجتماعياً حيوياً، بل لأنه أصبح معياراً سياسياً وأخلاقياً لمدى جدية الدولة في تنزيل نموذج “الدولة الاجتماعية” الذي جرى الترويج له بقوة خلال السنوات الأخيرة. ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية، ودخول البلاد مرحلة ما قبل الانتخابات التشريعية، يكتسي هذا الورش بعداً مضاعفاً، حيث تتحول الصحة إلى رهان انتخابي بامتياز، وإلى محور مركزي في تقييم الحصيلة الحكومية.
منذ تنصيبها، أعلنت الحكومة أن إصلاح المنظومة الصحية سيكون في صلب أولوياتها، مستندة إلى الدروس القاسية التي خلفتها جائحة كوفيد-19، والتي عرت هشاشة البنية الصحية، وأبرزت محدودية القدرة الاستيعابية للمستشفيات العمومية، والخصاص الكبير في الموارد البشرية، وضعف الحكامة والتنسيق بين مختلف المتدخلين. وقد أظهرت الجائحة، بشكل لا لبس فيه، أن أي حديث عن تنمية اقتصادية أو عدالة اجتماعية يبقى ناقصاً دون منظومة صحية قوية، قادرة على حماية المواطنين وضمان الحق في العلاج في مختلف الظروف.
ويرتكز التصور الحكومي لإصلاح القطاع على إعادة بناء المنظومة الصحية على أسس جديدة، تقوم على الفصل بين وظائف التخطيط والتنظيم والمراقبة، وبين مهام التسيير والتنفيذ، وهو ما تُرجم عملياً بإحداث عدد من الوكالات والمؤسسات الجديدة، من بينها الوكالة الوطنية للتأمين الصحي، والوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، والوكالة المغربية للدم ومشتقاته، إضافة إلى المجموعات الصحية الترابية. وتقدم الحكومة هذه الهيكلة الجديدة باعتبارها مدخلاً لتجاوز أعطاب التدبير المركزي، وتسريع اتخاذ القرار، وتحسين نجاعة الخدمات الصحية.
غير أن هذا التحول المؤسساتي لم يخلُ من صعوبات وإكراهات، إذ رافقته حالة من الارتباك وعدم الوضوح، خاصة في ما يتعلق بوضعية الموظفين، والأنظمة الأساسية، وتداخل الاختصاصات، وتأخر تنزيل بعض النصوص التنظيمية. وقد عبرت نقابات ومهنيون عن تخوفهم من أن تتحول هذه الوكالات إلى هياكل إدارية إضافية، دون أثر ملموس على واقع المستشفيات والخدمات المقدمة للمواطنين، خصوصاً إذا لم تُواكب بإصلاح عميق في أساليب الحكامة والتمويل.
ويظل مشكل الموارد البشرية أحد أبرز أعطاب المنظومة الصحية، حيث يعاني المغرب من خصاص مزمن في الأطباء والممرضين والتقنيين، مقارنة بالمعايير الدولية، مع تمركز أغلب الكفاءات في المدن الكبرى، ووجود فراغ شبه تام في بعض المناطق القروية والجبلية. ورغم إعلان الحكومة عن رفع عدد المناصب المالية، وتوسيع الطاقة الاستيعابية لكليات الطب والمعاهد الصحية، فإن هذه الإجراءات تبقى محدودة الأثر على المدى القصير، في ظل استمرار هجرة الأطر الصحية نحو الخارج، أو انتقالها إلى القطاع الخاص بحثاً عن ظروف مهنية ومادية أفضل.
ويطرح ضعف التحفيز، وضغط العمل، ونقص التجهيزات، إشكالات إضافية تؤثر على جودة الخدمات الصحية، وتغذي حالة الاحتقان داخل القطاع. فالإصلاح، في نظر مهنيي الصحة، لا يمكن أن ينجح دون تحسين أوضاع الموارد البشرية، وضمان الاستقرار المهني، والاعتراف بالمجهودات المبذولة داخل المستشفيات العمومية، التي تعاني في كثير من الأحيان من الاكتظاظ ونقص الوسائل.
إلى جانب ذلك، يبرز إشكال التمويل كعنصر حاسم في إنجاح ورش الإصلاح، حيث تؤكد الحكومة أنها رفعت الميزانية المخصصة للصحة بشكل غير مسبوق، في إطار تنزيل ورش تعميم الحماية الاجتماعية. غير أن فاعلين في القطاع يعتبرون أن الإشكال لا يتعلق فقط بحجم الميزانية، بل بكيفية صرفها وتدبيرها، وبمدى انعكاسها على تحسين العرض الصحي، وتقليص الفوارق المجالية، وضمان توفر الأدوية والخدمات الأساسية داخل المرافق العمومية.
وفي هذا السياق، أثار تأخر معالجة عدد من الملفات المرضية، وعدم تحيين لوائح الأدوية المعوض عنها، وانتشار شكاوى حول بطء المساطر الإدارية، نقاشاً واسعاً حول نجاعة الإصلاحات الجارية، وحدود قدرة المنظومة الجديدة على الاستجابة لحاجيات المواطنين، خاصة المرضى الذين يحتاجون إلى علاجات مستعجلة ومكلفة. وتكشف هذه الإشكالات عن فجوة قائمة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن إصلاح شامل، والواقع اليومي الذي يعيشه المواطن داخل المستشفى العمومي.
ومن جهة أخرى، تراهن الحكومة على الجهوية الصحية باعتبارها مدخلاً أساسياً لإصلاح القطاع، من خلال منح صلاحيات أوسع للمجموعات الصحية الترابية، وتقريب القرار من المستوى الجهوي، وتحسين التنسيق بين مختلف الفاعلين. غير أن تنزيل هذا الورش يظل بدوره رهيناً بتأهيل الموارد البشرية الجهوية، وتوفير الإمكانيات اللوجيستيكية والمالية، وتجاوز العقليات المركزية التي ما تزال تتحكم في تدبير عدد من الملفات.
سياسياً، تدرك الحكومة أن ملف الصحة سيكون حاضراً بقوة في النقاش العمومي خلال المرحلة المقبلة، وأنه سيشكل أحد محاور المحاسبة الانتخابية. لذلك تحرص على إبراز ما تحقق من إصلاحات تشريعية ومؤسساتية، وتقديمها كإنجازات تأسيسية ستؤتي أكلها على المدى المتوسط والبعيد. في المقابل، تعتبر المعارضة أن الحكومة لم تنجح بعد في إحداث التحول المنشود، وأن المواطن لا يشعر بتحسن ملموس في الخدمات الصحية، بل يواجه استمرار الأعطاب نفسها، من اكتظاظ ونقص أدوية وتأخر مواعيد.
وبين خطاب الإصلاح وواقع الممارسة، يبقى قطاع الصحة في قلب معادلة معقدة، تتداخل فيها الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فنجاح هذا الورش لا يرتبط فقط بإحداث مؤسسات جديدة أو رفع الميزانيات، بل يتطلب إرادة سياسية قوية، وحكامة فعالة، واستثماراً حقيقياً في العنصر البشري، واستحضاراً دائماً لكرامة المواطن وحقه في العلاج.
ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، يبدو أن إصلاح قطاع الصحة يواجه لحظة حاسمة: إما أن يتحول إلى مسار إصلاحي واضح المعالم، تظهر نتائجه تدريجياً على أرض الواقع، أو أن يظل ورشاً مؤجلاً تُرحل رهاناته إلى الحكومة المقبلة. وفي كل الحالات، تبقى الصحة أحد أعمدة النقاش العمومي، وامتحاناً حقيقياً لمدى قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الاجتماعية، وترجمة الشعارات إلى سياسات عمومية ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
إصلاح التعليم.. رهانات أساسية قبل نهاية الولاية الحكومية
يشكل إصلاح منظومة التعليم، على غرار قطاع الصحة، أحد أعمدة النقاش العمومي والرهانات الكبرى التي تواجه الحكومة في المرحلة الراهنة، خاصة مع اقتراب نهاية ولايتها ودخول البلاد فعليا أجواء ما قبل الانتخابات التشريعية. فالتعليم لم يعد مجرد قطاع اجتماعي ضمن قطاعات أخرى، بل تحول إلى معيار حاسم لتقييم السياسات العمومية، ومؤشر مباشر على جدية الدولة في الاستثمار في الرأسمال البشري، الذي يُعد الأساس الحقيقي لأي مشروع تنموي مستدام.
منذ سنوات، يتبوأ التعليم صدارة الخطابات الرسمية والبرامج الحكومية، باعتباره «قضية وطنية» ورافعة أساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية. غير أن هذا الإجماع الخطابي لم يُترجم دائما إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، إذ ما زالت المدرسة العمومية تعاني اختلالات بنيوية عميقة، تتجلى في تراجع جودة التعلمات، وارتفاع نسب الهدر المدرسي، وضعف التحكم في اللغات والمواد الأساسية، إلى جانب أزمة ثقة متفاقمة بين الأسر والمؤسسة التعليمية.
مع بداية ولايتها، أعلنت الحكومة الحالية أن إصلاح التعليم سيكون من أولوياتها القصوى، مستندة إلى مقتضيات القانون الإطار 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، والذي يشكل المرجعية الاستراتيجية للإصلاح على المدى الطويل. وأكدت الحكومة أن مهمتها الأساسية تتمثل في تسريع تنزيل هذا القانون، وإخراج إصلاحات عملية تستجيب لتطلعات الأسر والتلاميذ، وتعيد الاعتبار للمدرسة العمومية.
في هذا السياق، أطلقت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة عددا من الأوراش، من أبرزها مشروع «مؤسسات الريادة»، الذي يقدم باعتباره مدخلا لتحسين جودة التعلمات داخل المدرسة العمومية، عبر اعتماد مقاربات بيداغوجية جديدة، وتعزيز التتبع والتقييم، وتحفيز الأطر التربوية. غير أن هذا المشروع، رغم طموحه، رافقته انتقادات واسعة، سواء بسبب تعثر صرف التحفيزات المالية المرتبطة به، أو بسبب محدودية إمكانياته في ظل الاكتظاظ ونقص الموارد البشرية والتجهيزات داخل عدد كبير من المؤسسات التعليمية.
ويظل ملف الموارد البشرية أحد أعقد ملفات إصلاح التعليم، حيث يعيش القطاع منذ سنوات على وقع توترات متكررة بين الوزارة الوصية والنقابات التعليمية. فرغم المصادقة على نظام أساسي جديد لموظفي التربية الوطنية، إلا أن تنزيله العملي أثار موجة من الاحتجاجات، بسبب ما تعتبره النقابات «التفافا» على بعض الالتزامات، وتأخرا في صرف التعويضات، واستمرار الفوارق بين الفئات التعليمية. وزاد هذا الوضع من حالة الاحتقان داخل القطاع، وأثر بشكل مباشر على الاستقرار التربوي داخل المؤسسات التعليمية.
وترى النقابات أن أي إصلاح حقيقي للتعليم لا يمكن أن ينجح دون تحسين أوضاع الأطر التربوية والإدارية، وضمان كرامتهم المهنية، وتحفيزهم ماديا ومعنويا، باعتبارهم الفاعل الأساسي في إنجاح أي مشروع إصلاحي. كما تؤكد أن منطق الإصلاحات التقنية والبيداغوجية، إذا لم يُواكب بحوار اجتماعي جدي، سيظل محدود الأثر، وقد يتحول إلى مصدر إضافي للاحتقان.
إلى جانب ذلك، يطرح إشكال تمويل التعليم نفسه بإلحاح، فرغم الرفع النسبي من الميزانية المخصصة للقطاع، إلا أن حجم التحديات يفوق بكثير الإمكانيات المتاحة، خاصة في ظل تعميم التعليم الأولي، وتوسيع العرض المدرسي، وتحسين البنيات التحتية، وتجديد المناهج والبرامج. كما يثير تنامي حضور القطاع الخاص في مجال التعليم نقاشا واسعا حول العدالة التعليمية، وتكافؤ الفرص، ودور الدولة في ضمان تعليم عمومي جيد ومجاني.
وفي هذا الإطار، يعتبر فاعلون تربويون أن الإصلاحات الجارية ما زالت تعاني من غياب رؤية شمولية مندمجة، تربط بين المدرسة وسوق الشغل، وتعيد الاعتبار للتكوين المهني والتعليم التقني، وتواجه بشكل جدي معضلة البطالة في صفوف خريجي الجامعات. فضعف ملاءمة التكوين مع حاجيات الاقتصاد الوطني يظل أحد أبرز أعطاب المنظومة التعليمية، ويغذي شعورا بالإحباط لدى فئات واسعة من الشباب.
كما يبرز تحدي الحكامة كعنصر مركزي في إصلاح التعليم، حيث تعاني المنظومة من تعقيد المساطر، وتعدد المتدخلين، وضعف التنسيق بين المستويات المركزية والجهوية والإقليمية. ورغم الحديث المتكرر عن الجهوية المتقدمة في تدبير التعليم، إلا أن هامش القرار على المستوى الجهوي يظل محدودا، ما يبطئ تنفيذ المشاريع، ويؤثر على نجاعة التدخلات.
سياسيا، تدرك الحكومة أن ملف التعليم سيكون حاضرا بقوة في النقاش الانتخابي المقبل، وأنه سيشكل أحد معايير المحاسبة الأساسية. لذلك تحرص على تقديم حصيلتها في هذا المجال من زاوية «الإصلاحات المهيكلة»، معتبرة أن ما تحقق خلال الولاية الحالية يمثل مرحلة تأسيسية ضرورية، وأن نتائج الإصلاح تحتاج إلى الزمن لتظهر. في المقابل، ترى المعارضة أن الحكومة أخفقت في إحداث القطيعة المطلوبة مع أعطاب الماضي، وأن المدرسة العمومية لم تشهد التحول المنشود، بل استمرت معاناة الأسر مع الاكتظاظ، وضعف التعلمات، واللجوء المتزايد إلى التعليم الخصوصي.
وبين خطاب الإصلاح وواقع المدرسة، يبقى التعليم في قلب معادلة معقدة، تتداخل فيها الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فنجاح هذا الورش لا يتوقف فقط على إصدار القوانين أو إطلاق المشاريع، بل يقتضي إرادة سياسية قوية، واستثمارا مستداما في الموارد البشرية، وإشراكا حقيقيا لكل الفاعلين، من مدرسين وأسر ونقابات ومجتمع مدني.
ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، يقف إصلاح التعليم أمام منعطف حاسم: إما أن يتحول إلى مسار واضح المعالم، تبدأ نتائجه في الظهور تدريجيا على مستوى جودة التعلمات واستعادة الثقة في المدرسة العمومية، أو أن يظل ورشا مؤجلا، تُرحل رهاناته الثقيلة إلى الحكومة المقبلة. وفي جميع الأحوال، سيظل التعليم أحد أكبر التحديات الوطنية، وامتحانا حقيقيا لقدرة الدولة على الاستثمار في مستقبل أجيالها، وترجمة الشعارات الإصلاحية إلى واقع ملموس يلمسه التلميذ داخل القسم، والأسرة داخل المجتمع.
«توطيد أسس الدولة الاجتماعية وتخليق الحياة السياسية من أولويات المرحلة الحالية»
- ما أولويات التدبير الحكومي في ما تبقى من الولاية الحالية؟
بفضل الجهود المتواصلة لجلالة الملك، تمكنت بلادنا من تحقيق مستويات متقدمة من التقدم والتطور المستمر في مسارها التنموي، الأمر الذي يستدعي الارتقاء بالعمل السياسي وتطوير آلياته بما يسهم في فتح آفاق أوسع للإصلاحات الهيكلية والمشاريع الكبرى. وبناء عليه، يتحتم على مختلف الفاعلين السياسيين، أغلبية ومعارضة، التعاطي بمسؤولية عالية مع رهانات ما تبقى من الولاية الحكومية، من خلال التفعيل الأمثل لمضامين الخطب الملكية السامية، والتحلي بروح الالتزام المسؤول وقيم الصدق والتفاني في العمل السياسي، فضلا عن التفاعل الإيجابي مع الحاجيات الداخلية من جهة، وتعزيز الموقع الخارجي للمغرب والدفاع عن مصالحه العليا من جهة ثانية، سيما في ظل ظرفية دولية تتسم بتعقد الأزمات وتنامي التحديات.
يأتي التدبير السياسي في ما تبقى من الولاية الحكومية في سياق مرحلة دقيقة تتسم بتعدد التحولات والمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والمناخية، إلى جانب متطلبات استكمال الإنتاج التشريعي لحزمة من المشاريع والبرامج التنموية والاجتماعية، التي هندسها جلالة الملك بحكمة وتبصر، قصد إرساء منظور متجدد وشامل الأبعاد، يعزز توطيد أسس الدولة الاجتماعية ويسهم في تجويد نمط عيش المواطن. وبناء على ذلك، فإن هذه الرهانات، المصحوبة بتحديات متعددة، تفرض على التدبير السياسي، في تفاعلاته المختلفة، تكثيفًا واضحا ودقيقا لأولويات المرحلة، بما يضمن الفعالية والنجاعة في الاستجابة لمتطلبات الواقع الراهن.
أمام هذا السياق الزمني، المحاط بجملة من التحديات الداخلية والخارجية، والذي أفرز متغيرات اقتصادية واجتماعية متسارعة، تبرز الحاجة الملحة إلى تجويد التدبير، ليس فقط في أبعاده التشريعية والرقابية والدبلوماسية، بل بما يجعل من مخرجاته انعكاسا حقيقيا للقيمة الجوهرية للديمقراطية التمثيلية التي تجسدها لدى مختلف مكونات الأمة، ومن ثم يظل الحرص على استمرار التدبير السياسي، بوصفه مدخلا أساسيا في مسار التنمية، رهينا بتجويد وتسريع وتيرة الإنتاج التشريعي للقوانين، وتعزيز آليات مراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية، وهي مجتمعة آليات تستلزم، على وجه الخصوص، الالتزام بالجدية والتفاني في العمل خدمة لقضايا المجتمع واستجابةً لتطلعاته.
- ماذا عن المرحلة التدبيرية الحكومية ومتطلبات استكمال تنفيذ الأوراش الاجتماعية التنموية؟
تشهد بلادنا، بفضل الرؤية المبتكرة التي يقودها جلالة الملك في المجال الاجتماعي، تنزيل ورش تعميم الحماية الاجتماعية، الذي يعد ثورة اجتماعية حقيقية تؤسس لجيل جديد من التعاقد الاجتماعي، وتجسد مبدأ تحصين الأمن الاجتماعي العام، بما يضمن حياة آمنة وكريمة وقادرة على التخفيف من أعباء ومتغيرات الحياة. وفي هذا السياق ينخرط الفاعل السياسي في إنجاح هذا الصرح الاجتماعي من خلال الحرص على حسن التنفيذ والتدبير السليم والرفع من قيمة التعويضات العائلية في إطار برنامج الدعم الاجتماعي، وفق الرؤية التي أرادها جلالته، بما يتيح تحقيق الأهداف المتوخاة من هذا الورش، ويعزز موقعه ضمن أكثر الأنظمة الاجتماعية فعالية واستجابة مباشرة للأوضاع الاجتماعية، أفقيا وعموديا، الأمر الذي ينعكس إيجابا على تحسين مؤشرات التنمية الاجتماعية والبشرية.
في سياق المرحلة السياسية الراهنة، يبرز لزاما العمل على إرساء إطار مؤسساتي حاضن للتوافق حول بلورة تصور شامل ومتكامل لاستكمال إصلاح نظام التقاعد، في انسجام مع مخرجات الحوار الاجتماعي ومع التمثيليات الاجتماعية، بما يسهم في الدفع قدما بمسار الحوار الاجتماعي وكسب رهان تحسين الوضعية الاجتماعية. وبالتوازي مع ذلك، وبفضل الجهود المتواصلة لجلالة الملك، تشهد بلادنا تنزيل ورش دعم الولوج إلى السكن اللائق من خلال برنامج المساعدة على السكن، الذي يستهدف الفئات الاجتماعية ذات الدخل المحدود والطبقة المتوسطة عبر آليات دعم تمكنها من تسهيل التملك وتحسين شروط العيش، الأمر الذي يجعل من الرهان السياسي، اليوم، استكمال التنزيل الفعلي لهذه الأوراش الاجتماعية، بما يحقق نقلة نوعية في تجويد الوضعية الاجتماعية ويعزز مؤشرات الاستقرار والتنمية الاجتماعية.
المرحلة تستلزم تعزيز مقومات الصعود الاقتصادي والاجتماع في إطار تنزيل النموذج التنموي الجديد، من خلال بناء اقتصاد وطني تنافسي، أكثر تنوعًا وانفتاحا، ضمن إطار ماكرو- اقتصادي سليم ومستقر. ويرتكز هذا التوجه، كذلك، على اعتماد جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، القائمة على تثمين الخصوصيات المحلية، وترسيخ الجهوية المتقدمة وتكريس مبدأي التكامل والتضامن بين مختلف المجالات الترابية. وفي هذا السياق يبرز صمود الاقتصاد الوطني بفضل مواصلة دينامية الأنشطة غير الفلاحية، التي أبانت عن أداء إيجابي خلال الفترة الأخيرة، بما يعكس قدرة الاقتصاد على التكيف مع التحولات الظرفية وتعزيز أسس الاستقرار والنمو المستدام.
يجد الفاعل السياسي نفسه أمام ضرورة وضع تصورات جديدة مبتكرة تتسم بالاستدامة تتماشى والوضع المناخي، بالإضافة إلى العمل على التحيين المستمر لآليات السياسة لتداعيات التغيرات المناخية التي باتت، في ظل الوضعية الحالية، ملزمة بتحديد أهداف استراتيجية محددة في مختلف المناطق والظروف والأحوال. ويستلزم التدبير الحكومي للمرحلة المقبلة، أيضا، تجاوز جملة من التحديات، بما يتيح بناء منظور إصلاحي متجدد ومتعدد الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية، خدمةً للقضايا المجتمعية، وهادفا إلى تحقيق التنمية المستدامة، وتسريع وتيرة النمو الاقتصادي وتعزيز تماسك النسيج المجتمعي، انسجاما مع تطور دينامية المجتمع من جهة، و يقتضي هذا التدبير، من جهة ثانية، ضمان تعزيز آليات تفعيل الأوراش التنموية، وتأمين قدرٍ من الانسجام المرن مع التقدم المحرز في مختلف المشاريع الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي يشهدها المغرب.
- وماذا عن تخليق الحياة السياسية ورهان الاستحقاقات القادمة؟
في أفق المرحلة المقبلة، التي تطرح جملة من الرهانات السياسية، يبرز لزاما استحضار ضرورة تخليق الحياة السياسية باعتبارها إطارا حاضنا لمختلف العمليات والتوجهات الحزبية والسياسية. وبناء عليه، يتحتم على جميع ممثلي الأمة داخل المؤسسات الحزبية والتمثيلية العمل الجاد على ترسيخ أخلاقيات الممارسة السياسية وتخليق العملية السياسية، بما يعزز الثقة في العمل الحزبي ويقوي أسس المشاركة الديمقراطية، سيما وما ستعرفه بلادنا من استحقاقات قادمة.
إن تخليق الحياة السياسية يهدف إلى ترسيخ منظومة من المبادئ والقيم في الممارسة السياسية، بما يعزز استقامتها وشفافيتها، ويجعلها قائمة على المسؤولية والالتزام والجدية في خدمة الصالح العام واحترام قواعد الممارسة الديمقراطية والمؤسساتية. ويشمل ذلك تقويم سلوك الفاعلين السياسيين وتطويره عبر الالتزام وربط المسؤولية بالمحاسبة، ونبذ جميع أشكال الفساد، بما يسهم في تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات السياسية، وتساهم هذه القواعد الأساسية، كذلك، بشكل مباشر وغير مباشر في تجويد الفعل السياسي، من خلال احترام القانون، وترسيخ أخلاقيات الحوار والتعدد والاختلاف وضمان تكافؤ الفرص في المشاركة السياسية، بما يجعل من الحياة السياسية أداة فاعلة لتحقيق التنمية وترسيخ الديمقراطية.
ولا بد من استحضار الدور المحوري للمؤسسة البرلمانية في تطوير كافة السبل المتاحة لتوطيد العلاقات الخارجية للدولة وتقريب المواقف، من خلال الانفتاح على مختلف البرلمانات والعمل على تنسيق أطر التعاون المشترك معها. ويكتسب هذا الدور أهمية خاصة بالنظر إلى أن البرلمان يملك الضمانات الدستورية والآليات المؤسساتية والقانونية التي تمكّنه من التفاعل الفعّال مع مجريات الأحداث الإقليمية والدولية، بما يخدم المصالح الوطنية ويعزز حضور المغرب في المحافل الدولية.
*أستاذ القانون العام بجامعة القاضي عياض بمراكش








