حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأي

أنواع القول السياسي في الإسلام

عبد الإله بلقزيز

ليس من شاهد على غزارة التأليف السياسي، في التراث الإسلامي، أدل من توزع القول في السياسة والسلطة والدولة على علوم وميادين خمسة تَكرس أكثرها لها.
والغزارة وتعدد أنواع القول تلك قرينة على المكانة المميزة لمسائل السياسة في الوعي الإسلامي، نظير تلك المكانة التي كانت للسياسة والصراعات السياسية في أطوار التطور الإسلامي كافة. ويمكننا أن نحصي، في هذا المعرض، خمسة أنواع وخمس كيفيات للقول السياسي، في تراث الإسلام.
علم التاريخ أو، قل، الإستوغرافيا العربية الكلاسيكية أول كيفيات ذلك القول، ولكن أقلها انصرافا إلى السياسة، من حيث هي موضوع. ولما كان موضوع التاريخ هو الخبر؛ الخبر عن حوادث وقعت أو تقع، كان من الطبيعي أن يفرد التدوين التاريخي للأخبار عن الدولة والسياسة وحوادثهما حيزا كبيرا من مروياته. بل لا سبيل إلى فهم مصادر التاريخ العربي الكلاسيكي، إلا من مدخل النظر إليها بوصفها أسفارا في تاريخ السياسة والدولة في المجال العربي الإسلامي. وهي حقا لكذلك؛ حيث وفرت لنا قاعدة معطيات غنية لمعرفة التاريخ السياسي العربي الإسلامي، وتاريخ الدولة والسـلطة والنخب السياسية المتعاقبة عليها.
والأهم أن مؤرخينا، بانكبابهم على التأريخ السياسي، كانوا يعبرون عن وعي عميق بمركزية السياسي في تحريك التاريخ وصناعة وقائعه وظواهره.
وكرست كتب علم الكلام ورسائله حيزات، متفاوتة الحجم، لمسائل السياسة انطلاقا من المسألة الأساس فيها، الإمامة. وهو، بذلك ثاني علم يتناول السياسة، وثاني نوع من أنواع القول فيها. ومع أن علم الكلام هو بالتعريف، علم العقيدة ويتناول مسائلها من توحيد وعدل وصفات وذات وإيمان… إلا أن الإمامة ونصابها وموقعها من الجماعة الاعتقادية، وشروط شرعيتها ظلت بابا قائما في كتب المتكلمين المسلمين: معتزلة وأشاعرة وماتريدية.
وبيان سبب ذلك أن معظم مسائل الخلاف في العقيدة كان ابتداؤها من باب الخلاف على الإمامة الشرعية، ولم يكن تناولها ليستقيم من دون استصحاب مسألة الإمامة ومشكلة الشرعية الدينية، بما هي الإطار الذي تتقرر فيه وحدة الجماعة ووحدة الاعتقاد. ولم يستطع الكلام في الإمامة أن يصمد، كثيرا، في تراث الإسلام لسبب معلوم هو أنها مسألة من الفروع لا من الأصول؛ مسألة فقهية لا مسألة عقدية.
وكانت الآداب السلطانية وكُتب «مرايا الملوك»، ذلك النوع الثالث من القول في السياسة. وقد حملت كتب كتاب الآداب السلطانية معطيات الآداب السياسية الفارسية، في المقام الأول؛ آداب الطاعة، وسياسة الرعية بالشدة، والتماس الدهاء في احتواء المعارضين، ناهيك بتقنيات الحكم ونظمه وطرائق إدارة الجيش ومؤسسات الدولة.
وقلما عنيت نصوص السياسة هذه، وهي تسدي النصح للخلفاء، والملوك والأمراء، بأمر الدين أو اتصال السياسة بمقتضياته، لأن نموذج الحكم الذي بنت عليه خلا من أي مفعول للدين في بنائه الساساني. وكان واضحا أن إقبال الحكام على هذا الجنس من التأليف السياسي كان كبيرا في الإسلام، وأن كتابه ظلوا ذوي حظوة عند الخلفاء والأمراء.
ولقد دخلت الفلسفة ميدان المنافسة على السياسة، فنشأت الفلسفة السياسية كنوع رابع من القول في السياسة. وكما متحت الآداب السلطانية من التراث السياسي الفارسي، متحت الفلسفة السياسية من التراث اليوناني.
غير أن ما خلفه هذا الجنس من القول في السياسة لم يكن ذا شأن كبير؛ لا في الواقع، بحيث لم يغير أو يعدل شيئا في نظام الدولة القائم، ولا في الفكر، حيث ظلت هذه الفلسفة نخبوية لا يحملها إلا الجمهور الضيق للفلاسفة. والسبب، في الحالين، أنها انصرفت إلى حديث عن سياسة ودولة افتراضيتين لا وجود لهما في واقع الاجتماع السياسي الإسلامي.
أما القول الخامس في السياسة، وهو أقواها تأثيرا في كل التراث الإسلامي، فمثله فقه السياسة الشرعية، وهو فقه عني نظريا بالخلافة، غير أنه انشغل بنظام الدولة السلطانية القائم في ظل «الخلافة» الصورية.
ومع أن مبنى هذا الفقه السياسي هو هندسة الدولة والسلطة على مقتضى الشرع وقواعده، إلا أن مضمونه الفعلي أفصح عن هدف آخر تماما: خلع المشروعية الدينية على الدولة القائمة، أو التماس الشرعية الدينية لها على الرغم من عدم مطابقتها لنموذج دولة الخلافة. من هنا كانت واقعية هذا الفقه السياسية والحاجة إليه، بالتالي، عند كل سلطة في تاريخ الإسلام.
كثيرون إذن أنتجوا خطابا في السياسة: المؤرخ، عالم الكلام، الكاتب السلطاني، الفيلسوف، ثم الفقيه. ومن هؤلاء جميعا، وحده صوت الفقه كان أعلى وأسمع.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى