حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف


الرئيسيةالملف السياسيسياسية

احتكار السوق والمضاربات في الأسعار

مجلس المنافسة يفتح تحقيقات حول ممارسات مشبوهة



قام مجلس المنافسة، أخيرا، بزيارات فجائية متزامنة وحجوزات لدى عدد من الفاعلين والشركات النشطة في السوق الوطنية لتوريد المستلزمات الطبية، وذلك على خلفية شبهات بوجود ممارسات منافية لقواعد المنافسة داخل هذا القطاع الحيوي. ففي سياق اقتصادي يتسم بتقلبات الأسعار وتنامي شكاوى المهنيين والمستهلكين على حد سواء، يبرز دور مجلس المنافسة باعتباره صمام أمان لحماية قواعد السوق وضمان احترام مبدأ المنافسة الشريفة. فوجود هذه المؤسسة الدستورية المستقلة أصبح ضرورة لحماية القدرة الشرائية وصون الثقة في الاقتصاد الوطني. ويضطلع المجلس بمهمة التصدي لكل أشكال الاحتكار، سواء تعلق الأمر باتفاقات سرية بين فاعلين اقتصاديين لتحديد الأسعار أو تقاسم الأسواق، أو باستغلال وضعية الهيمنة لفرض شروط مجحفة في حق المنافسين والمستهلكين. وفي ما يتعلق بالمضاربات، خاصة في المواد الاستهلاكية الأساسية، يمتلك المجلس صلاحية فتح التحقيقات بناء على شكايات أو بمبادرة ذاتية، مع تحليل سلاسل الإنتاج والتوزيع وهوامش الربح لكشف أي تواطؤ أو ممارسات تهدف إلى رفع الأسعار وضرب القدرة الشرائية للمواطنين.

مقالات ذات صلة

 

إعداد: محمد اليوبي – النعمان اليعلاوي

قانون المنافسة.. بين الإطار التشريعي وتحديات التنزيل

 

يشكل قانون المنافسة أحد الركائز الأساسية لتنظيم الاقتصاد وضمان توازن السوق، إذ يهدف إلى حماية حرية المبادرة الاقتصادية، ومنع الممارسات الاحتكارية وصيانة القدرة الشرائية للمستهلكين. وفي المغرب، تطور الإطار القانوني المنظم للمنافسة وضبط السوق بشكل ملحوظ خلال العقدين الأخيرين، في سياق الانفتاح الاقتصادي وتعزيز حكامة الأسواق، حيث برز دور مجلس المنافسة كفاعل محوري في تنزيل هذه المقتضيات على أرض الواقع.

وعرفت منظومة المنافسة في المغرب محطة مفصلية مع صدور القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، والقانون رقم 20.13 المتعلق بمجلس المنافسة، وهما النصان اللذان أعادا هيكلة مجال ضبط السوق ومنحا المجلس صلاحيات تقريرية وزجرية واسعة بعد أن كان دوره استشارياً في مرحلة سابقة.

ويقوم هذا الإطار التشريعي على مجموعة من المبادئ الأساسية، أبرزها حرية تحديد الأسعار وفق آليات العرض والطلب، مع منع كل الممارسات التي من شأنها عرقلة المنافسة الحرة أو تشويهها. ويكرس القانون، كذلك، مبدأ منع الاستغلال التعسفي لوضع مهيمن، وحظر الاتفاقات والتفاهمات السرية بين الفاعلين الاقتصاديين التي تهدف إلى التحكم في السوق أو رفع الأسعار بشكل مصطنع.

وجاء هذا التطور القانوني استجابة لتحولات بنيوية شهدها الاقتصاد الوطني، خاصة مع توسع القطاعات المحررة، وتزايد حضور الفاعلين الخواص وتعقد سلاسل التوزيع، وهو ما فرض ضرورة توفر جهاز مؤسساتي قوي لضبط قواعد المنافسة.

 

آليات وصلاحيات زجرية

يعتمد التشريع المغربي على حزمة من الآليات القانونية لضبط السوق، تتوزع بين أدوات وقائية وأخرى زجرية. فمن الناحية الوقائية، يخول القانون لمجلس المنافسة صلاحية إبداء الرأي في مشاريع القوانين والتنظيمات التي قد تؤثر على المنافسة، ويمكنه، أيضا، إنجاز دراسات قطاعية ترصد الاختلالات البنيوية داخل الأسواق.

أما من الناحية الزجرية، فيتوفر المجلس على صلاحيات واسعة للتحقيق في الممارسات المنافية للمنافسة، بما في ذلك طلب الوثائق والمعلومات، والقيام بعمليات التفتيش والحجز والاستماع إلى الأطراف المعنية. وفي حال ثبوت المخالفات، يمكنه إصدار قرارات تتضمن غرامات مالية يمكن أن تصل إلى نسب مهمة من رقم معاملات المقاولات المخالفة.

وتشمل الممارسات المحظورة، أساساً، الاتفاقات الأفقية لتحديد الأسعار أو اقتسام الأسواق، والاتفاقات العمودية المقيدة للمنافسة والاستغلال التعسفي لوضع مهيمن، إضافة إلى عمليات التركيز الاقتصادي التي قد تؤدي إلى الإخلال بالتوازن التنافسي.

ويولي القانون المغربي أهمية خاصة لمراقبة عمليات التركيز الاقتصادي (الاندماج والاستحواذ)، باعتبارها من أهم الآليات التي قد تؤدي إلى خلق وضعيات احتكارية إذا لم تخضع للرقابة المسبقة. ولهذا الغرض ألزم المشرع المقاولات بإشعار مجلس المنافسة مسبقاً بكل عملية تركيز تتجاوز عتبات معينة من رقم المعاملات.

ويقوم المجلس بدراسة أثر العملية على بنية السوق، ومدى احتمال إحداثها لوضع مهيمن أو تقليص المنافسة بشكل ملموس. ويمكن للمجلس أن يوافق على العملية دون شروط، أو يفرض التزامات تصحيحية أو يرفضها إذا تبين أنها ستضر بالتوازن التنافسي.

وساهم هذا النظام في تعزيز شفافية عمليات الاندماج داخل السوق المغربية، وإن كان بعض الفاعلين الاقتصاديين يطالبون بتسريع مساطر البت وتوضيح بعض المعايير التقنية المرتبطة بالتقييم التنافسي.

لا يقتصر أثر قانون المنافسة على تنظيم العلاقة بين المقاولات فقط، بل يمتد ليشمل حماية المستهلك بشكل غير مباشر. فكلما كانت المنافسة حرة ونزيهة، انعكس ذلك إيجاباً على الأسعار وجودة الخدمات وتنوع العرض.

وفي هذا السياق، يشكل التنسيق بين مجلس المنافسة والقطاعات الحكومية المكلفة بالتجارة وحماية المستهلك عاملاً حاسماً، خاصة في ما يتعلق بتتبع تطور الأسعار، ومحاربة الممارسات التجارية غير المشروعة وضمان شفافية سلاسل التوزيع.

غير أن بعض المتتبعين يشيرون إلى الحاجة لتعزيز الجسور المؤسساتية بين أجهزة ضبط المنافسة وأجهزة مراقبة الأسواق ميدانياً، حتى تكون القرارات ذات أثر ملموس على الواقع اليومي للمستهلك.

ورغم التطور الملحوظ في الترسانة القانونية، يواجه تطبيق قانون المنافسة في المغرب عدداً من التحديات العملية. أول هذه التحديات يتمثل في صعوبة إثبات بعض أشكال التواطؤ، خاصة الاتفاقات الضمنية التي لا تترك أثراً مكتوباً واضحاً.

ويطرح تعقيد بعض الأسواق، خصوصاً تلك التي تتسم بتركيز عالٍ أو بطبيعة شبه منظمة، كذلك، تحدياً إضافياً أمام أجهزة الرصد والتحقيق. ويضاف إلى ذلك التطور السريع للاقتصاد الرقمي ومنصات التجارة الإلكترونية، التي تفرض أنماطاً جديدة من المنافسة تتطلب أدوات تحليل متقدمة.

ومن التحديات المطروحة، أيضاً، مسألة الموارد البشرية والتقنية، إذ تتطلب ملفات المنافسة خبرات اقتصادية وقانونية عالية التخصص، فضلاً عن الحاجة إلى قواعد بيانات دقيقة ومحيّنة حول بنية الأسواق.

في مواجهة هذه التحديات، برز توجه داخل المغرب نحو تعزيز حكامة المنافسة عبر عدة مسارات، من بينها دعم استقلالية مجلس المنافسة، وتطوير التعاون مع الهيئات التنظيمية القطاعية وتوسيع برامج التوعية بثقافة المنافسة داخل الأوساط الاقتصادية.

ويتجه النقاش العمومي إلى أهمية المقاربة الاستباقية بدل الاكتفاء بالتدخل الزجري بعد وقوع المخالفات، وذلك عبر الرصد المبكر للاختلالات البنيوية داخل الأسواق وتشجيع آليات الامتثال الطوعي لدى المقاولات.

ويؤكد خبراء أن فعالية قانون المنافسة تقاس ليس فقط بعدد القرارات الزجرية، بل بمدى قدرة المنظومة ككل على خلق بيئة اقتصادية تنافسية تحفز الاستثمار والابتكار وتحمي المستهلك في الآن ذاته.

من الزوايا التي بدأت تفرض نفسها في نقاش ضبط السوق، الدور الذي يمكن أن تضطلع به اللجان الإقليمية للمراقبة على مستوى العمالات والأقاليم، خاصة في تتبع الممارسات الميدانية المرتبطة بالأسعار والتموين.

ورغم أن الاختصاص الزجري في مجال المنافسة يظل مركزياً بيد مجلس المنافسة، فإن التنسيق الترابي يظل ضرورياً لرصد المؤشرات الأولية للاختلالات وتوفير معطيات ميدانية دقيقة تساعد على توجيه تدخلات المجلس بشكل أكثر فعالية.

 

آفاق الإصلاح وتعزيز النجاعة

يتجه النقاش التشريعي والمؤسساتي حالياً نحو تعميق إصلاح منظومة المنافسة بما يواكب التحولات الاقتصادية المتسارعة. ومن بين المقترحات المتداولة تعزيز الرقمنة في مساطر التبليغ والتحقيق، وتطوير أدوات تحليل البيانات الضخمة لرصد السلوكيات غير التنافسية، فضلاً عن توضيح بعض المفاهيم القانونية المرتبطة بالوضع المهيمن والتواطؤ الضمني.

ويطرح بإلحاح، كذلك، موضوع نشر ثقافة المنافسة داخل المقاولات الصغرى والمتوسطة، التي قد تقع أحياناً في مخالفات بسبب ضعف الإلمام بالمقتضيات القانونية، وهو ما يستدعي مقاربة تحسيسية موازية للمقاربة الزجرية.

وفي المحصلة، يظهر أن المغرب قطع أشواطاً مهمة في بناء إطار قانوني متقدم لضبط السوق وحماية المنافسة، غير أن التحدي الحقيقي يظل في ضمان تنزيل فعال ومتوازن لهذه المقتضيات على أرض الواقع. فنجاعة قانون المنافسة لا تقاس فقط بصرامة النصوص، بل بمدى قدرتها على إحداث أثر ملموس في شفافية الأسواق وعدالة الأسعار وثقة الفاعلين الاقتصاديين.

ويبقى الرهان الأكبر هو ترسيخ سوق وطنية قائمة على المنافسة الشريفة وتكافؤ الفرص، بما يدعم النمو الاقتصادي ويحمي القدرة الشرائية للمواطنين، ويعزز جاذبية الاقتصاد المغربي في بيئة دولية تزداد تنافسية يوماً بعد يوم.

مجلس المنافسة ورهان حماية السوق والقدرة الشرائية

 

يُعد دور مجلس المنافسة في محاربة الاحتكار داخل السوق الوطنية أحد الأعمدة الأساسية لحماية التوازن الاقتصادي وضمان شفافية المعاملات التجارية. فمنذ تعزيز اختصاصاته بموجب القانون 20.13 المتعلق بمجلس المنافسة والقانون 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، بات المجلس فاعلاً محورياً في تتبع الممارسات المنافية لقواعد المنافسة والتصدي لكل أشكال التواطؤ والهيمنة غير المشروعة.

ويقوم المجلس بوظيفة مزدوجة تجمع بين الضبط الوقائي والزجري، إذ يسهر من جهة على رصد وضعية المنافسة في مختلف القطاعات الاقتصادية، ومن جهة أخرى يتدخل لفتح التحقيقات واتخاذ القرارات في حق المقاولات أو التجمعات المهنية التي يثبت تورطها في ممارسات احتكارية، مثل الاتفاقات السرية لتحديد الأسعار أو اقتسام الأسواق أو استغلال وضع مهيمن بشكل تعسفي.

وخلال السنوات الأخيرة، برز المجلس كفاعل مؤسساتي حاضر بقوة في النقاش العمومي، خاصة بعد معالجته لملفات حساسة همّت قطاعات حيوية كالمحروقات، مواد البناء، النقل، والتوزيع التجاري. وقد أظهرت هذه الملفات أن محاربة الاحتكار لم تعد مسألة تقنية صرفة، بل أصبحت قضية ذات بعد اجتماعي مباشر، بالنظر إلى تأثيرها على القدرة الشرائية للمواطنين وعلى مناخ الاستثمار.

وتتجلى أهمية تدخل المجلس في كونه يسعى إلى ضمان تكافؤ الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين، ومنع تشكل وضعيات ريعية تضر بالمنافسة الحرة. فالممارسات الاحتكارية، سواء كانت صريحة أو مقنعة، تؤدي غالباً إلى رفع الأسعار بشكل مصطنع، وتقليص جودة الخدمات، وإقصاء المقاولات الصغرى والمتوسطة من الولوج العادل إلى السوق، وهو ما ينعكس سلباً على دينامية الاقتصاد الوطني.

ويعتمد المجلس في أداء مهامه على مجموعة من الآليات القانونية والمؤسساتية، من بينها صلاحية طلب المعلومات من الفاعلين الاقتصاديين، وإجراء عمليات التفتيش والحجز، والاستماع إلى الأطراف المعنية، إضافة إلى إصدار آراء استشارية حول مشاريع القوانين أو التدابير التنظيمية التي قد تؤثر على المنافسة. كما يملك سلطة فرض غرامات مالية مهمة في حال ثبوت المخالفات، وهو ما يشكل رادعاً أساسياً ضد السلوكيات الاحتكارية.

وفي السنوات الأخيرة، اتجه المجلس إلى تعزيز بعده الاستباقي من خلال إصدار تقارير قطاعية ودراسات موضوعاتية تروم تشخيص اختلالات السوق قبل تفاقمها، وهو توجه يعكس تحولاً نحو حكامة تنافسية أكثر نجاعة. كما عمل على توسيع قنوات التواصل مع الفاعلين الاقتصاديين وجمعيات حماية المستهلك، بهدف نشر ثقافة المنافسة وترسيخ قواعد الشفافية داخل المعاملات التجارية.

غير أن فعالية المجلس لا ترتبط فقط بصلابة النصوص القانونية، بل أيضاً بمدى انخراط مختلف المتدخلين في احترام قواعد السوق. فالتحدي الحقيقي يكمن في ترسيخ ثقافة المنافسة النزيهة داخل النسيج الاقتصادي، وتعزيز وعي المقاولات بخطورة الممارسات المنافية للمنافسة، إلى جانب تمكين المستهلك من آليات التبليغ والمساءلة.

كما يظل التنسيق بين مجلس المنافسة وباقي مؤسسات الحكامة الاقتصادية عاملاً حاسماً في رفع نجاعة التدخلات، خصوصاً مع القطاعات الوزارية والهيئات التنظيمية القطاعية، فضلاً عن دور جمعيات حماية المستهلك في رصد الاختلالات ونقلها إلى الجهات المختصة.

وفي المقابل، يواجه المجلس تحديات موضوعية، من بينها تعقيد بعض الملفات المرتبطة باتفاقات غير معلنة، وصعوبة الإثبات في حالات التواطؤ الضمني، إضافة إلى الحاجة المستمرة لتقوية موارده البشرية والتقنية لمواكبة تطور الأسواق الرقمية وسلاسل التوزيع الحديثة. كما يطرح بعض المتتبعين مسألة تسريع آجال البت في الملفات وتعزيز الأثر الردعي للقرارات، بما يضمن حضوراً أكثر حسماً في مواجهة الممارسات المخلة بالمنافسة.

ومع ذلك، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن مجلس المنافسة يسير نحو ترسيخ موقعه كحارس لقواعد اللعبة الاقتصادية، خاصة في ظل تنامي الوعي بأهمية المنافسة الحرة كرافعة للنمو وجذب الاستثمار. فكلما تم تفعيل صلاحيات المجلس بفعالية واستقلالية، كلما تعززت ثقة الفاعلين الاقتصاديين والمستهلكين في عدالة السوق.

في المحصلة، تبقى محاربة الاحتكار مسؤولية جماعية تتقاطع فيها أدوار المؤسسات الرقابية والفاعلين الاقتصاديين والمجتمع المدني، غير أن مجلس المنافسة يظل في قلب هذه المنظومة باعتباره الجهة المخول لها قانوناً حماية حرية الأسعار وضمان شروط المنافسة الشريفة، بما يخدم في النهاية مصلحة الاقتصاد الوطني ويحمي القدرة الشرائية للمواطنين.

مجلس المنافسة ورهان حماية السوق والقدرة الشرائية

 

يُعد دور مجلس المنافسة في محاربة الاحتكار داخل السوق الوطنية أحد الأعمدة الأساسية لحماية التوازن الاقتصادي وضمان شفافية المعاملات التجارية. فمنذ تعزيز اختصاصاته بموجب القانون 20.13 المتعلق بمجلس المنافسة والقانون 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، بات المجلس فاعلاً محورياً في تتبع الممارسات المنافية لقواعد المنافسة والتصدي لكل أشكال التواطؤ والهيمنة غير المشروعة.

ويقوم المجلس بوظيفة مزدوجة تجمع بين الضبط الوقائي والزجري، إذ يسهر من جهة على رصد وضعية المنافسة في مختلف القطاعات الاقتصادية، ومن جهة أخرى يتدخل لفتح التحقيقات واتخاذ القرارات في حق المقاولات أو التجمعات المهنية التي يثبت تورطها في ممارسات احتكارية، مثل الاتفاقات السرية لتحديد الأسعار أو اقتسام الأسواق أو استغلال وضع مهيمن بشكل تعسفي.

وخلال السنوات الأخيرة، برز المجلس كفاعل مؤسساتي حاضر بقوة في النقاش العمومي، خاصة بعد معالجته لملفات حساسة همّت قطاعات حيوية كالمحروقات، مواد البناء، النقل، والتوزيع التجاري. وقد أظهرت هذه الملفات أن محاربة الاحتكار لم تعد مسألة تقنية صرفة، بل أصبحت قضية ذات بعد اجتماعي مباشر، بالنظر إلى تأثيرها على القدرة الشرائية للمواطنين وعلى مناخ الاستثمار.

وتتجلى أهمية تدخل المجلس في كونه يسعى إلى ضمان تكافؤ الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين، ومنع تشكل وضعيات ريعية تضر بالمنافسة الحرة. فالممارسات الاحتكارية، سواء كانت صريحة أو مقنعة، تؤدي غالباً إلى رفع الأسعار بشكل مصطنع، وتقليص جودة الخدمات، وإقصاء المقاولات الصغرى والمتوسطة من الولوج العادل إلى السوق، وهو ما ينعكس سلباً على دينامية الاقتصاد الوطني.

ويعتمد المجلس في أداء مهامه على مجموعة من الآليات القانونية والمؤسساتية، من بينها صلاحية طلب المعلومات من الفاعلين الاقتصاديين، وإجراء عمليات التفتيش والحجز، والاستماع إلى الأطراف المعنية، إضافة إلى إصدار آراء استشارية حول مشاريع القوانين أو التدابير التنظيمية التي قد تؤثر على المنافسة. كما يملك سلطة فرض غرامات مالية مهمة في حال ثبوت المخالفات، وهو ما يشكل رادعاً أساسياً ضد السلوكيات الاحتكارية.

وفي السنوات الأخيرة، اتجه المجلس إلى تعزيز بعده الاستباقي من خلال إصدار تقارير قطاعية ودراسات موضوعاتية تروم تشخيص اختلالات السوق قبل تفاقمها، وهو توجه يعكس تحولاً نحو حكامة تنافسية أكثر نجاعة. كما عمل على توسيع قنوات التواصل مع الفاعلين الاقتصاديين وجمعيات حماية المستهلك، بهدف نشر ثقافة المنافسة وترسيخ قواعد الشفافية داخل المعاملات التجارية.

غير أن فعالية المجلس لا ترتبط فقط بصلابة النصوص القانونية، بل أيضاً بمدى انخراط مختلف المتدخلين في احترام قواعد السوق. فالتحدي الحقيقي يكمن في ترسيخ ثقافة المنافسة النزيهة داخل النسيج الاقتصادي، وتعزيز وعي المقاولات بخطورة الممارسات المنافية للمنافسة، إلى جانب تمكين المستهلك من آليات التبليغ والمساءلة.

كما يظل التنسيق بين مجلس المنافسة وباقي مؤسسات الحكامة الاقتصادية عاملاً حاسماً في رفع نجاعة التدخلات، خصوصاً مع القطاعات الوزارية والهيئات التنظيمية القطاعية، فضلاً عن دور جمعيات حماية المستهلك في رصد الاختلالات ونقلها إلى الجهات المختصة.

وفي المقابل، يواجه المجلس تحديات موضوعية، من بينها تعقيد بعض الملفات المرتبطة باتفاقات غير معلنة، وصعوبة الإثبات في حالات التواطؤ الضمني، إضافة إلى الحاجة المستمرة لتقوية موارده البشرية والتقنية لمواكبة تطور الأسواق الرقمية وسلاسل التوزيع الحديثة. كما يطرح بعض المتتبعين مسألة تسريع آجال البت في الملفات وتعزيز الأثر الردعي للقرارات، بما يضمن حضوراً أكثر حسماً في مواجهة الممارسات المخلة بالمنافسة.

ومع ذلك، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن مجلس المنافسة يسير نحو ترسيخ موقعه كحارس لقواعد اللعبة الاقتصادية، خاصة في ظل تنامي الوعي بأهمية المنافسة الحرة كرافعة للنمو وجذب الاستثمار. فكلما تم تفعيل صلاحيات المجلس بفعالية واستقلالية، كلما تعززت ثقة الفاعلين الاقتصاديين والمستهلكين في عدالة السوق.

في المحصلة، تبقى محاربة الاحتكار مسؤولية جماعية تتقاطع فيها أدوار المؤسسات الرقابية والفاعلين الاقتصاديين والمجتمع المدني، غير أن مجلس المنافسة يظل في قلب هذه المنظومة باعتباره الجهة المخول لها قانوناً حماية حرية الأسعار وضمان شروط المنافسة الشريفة، بما يخدم في النهاية مصلحة الاقتصاد الوطني ويحمي القدرة الشرائية للمواطنين.

شركات محدودة تحتكر سوق الأدوية والمستلزمات الطبية

 

 

أفادت معطيات رسمية بأن مصالح التحقيق والبحث، لدى مجلس المنافسة، قامت بزيارات فجائية متزامنة وحجوزات لدى عدد من الفاعلين والشركات النشطة في السوق الوطنية لتوريد المستلزمات الطبية، وذلك على خلفية شبهات بوجود ممارسات منافية لقواعد المنافسة داخل هذا القطاع الحيوي.

 

صيانة لحقوق الدفاع

أوضح بلاغ لمجلس المنافسة أن عمليات البحث والتحقيق في قطاع الأدوية تمت بناء على ترخيص من وكيل الملك، وبمؤازرة ضباط الفرقة الوطنية للشرطة القضائية المعينين لحضور إجراءات الزيارة والحجز، وذلك تطبيقا لمقتضيات المادة 72 من القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، كما تم تعديله وتتميمه.

وأكد البلاغ ذاته أن مباشرة هذه الزيارات والحجوزات في المرحلة الراهنة لا تعني ثبوت الممارسات المنافية للمنافسة المشتبه فيها، ولا تثبت مسؤولية الفاعلين المعنيين، مبرزا أن الهيئات التداولية للمجلس تبقى الجهة الوحيدة المخول لها قانونا البت في هذه القضايا عند الاقتضاء، بعد استكمال تحقيق معمق، وفق مسطرة تواجهية تضمن احترام حقوق الدفاع.

وشدد البلاغ على أن المجلس، مراعاة لاعتبارات مرتبطة بحماية حقوق الدفاع، لن يدلي في الوقت الحالي بأي معطيات تتعلق بهوية الفاعلين الذين شملتهم عمليات التفتيش، ولا بطبيعة الممارسات موضوع الشبهات، في انتظار استكمال الأبحاث الجارية.

ويأتي هذا التحرك في إطار الصلاحيات المخولة لمجلس المنافسة بموجب المادة 16 من القانون رقم 20.13 المتعلق بالمجلس، كما تم تغييره وتتميمه، والتي تخول لمصالح البحث والتحقيق القيام بالتحريات اللازمة، من أجل مراقبة مدى احترام قواعد حرية الأسعار والمنافسة، ورصد الممارسات الاحتكارية أو الاتفاقات المنافية لقواعد السوق، فضلا عن تتبع عمليات التركيز الاقتصادي.

وتُعد الزيارات الفجائية والحجز، المنصوص عليها في المادة 72 من القانون المذكور، من بين أهم أدوات البحث التي يعتمدها «دركي المنافسة» لجمع الأدلة والمعطيات الميدانية، إذ تتيح للمحققين الولوج إلى مقرات الشركات المعنية والاطلاع على الوثائق والوسائط المهنية ذات الصلة بالتحقيقات الجارية.

ويرتقب أن تسفر الأبحاث التقنية والقانونية التي باشرها مجلس المنافسة عن تحديد مدى وجود اختلالات محتملة في سوق توريد المستلزمات الطبية، وهو ما قد يفتح الباب أمام مساطر زجرية، في حال ثبوت أي ممارسات مخلة بقواعد المنافسة الحرة، أو يؤدي إلى حفظ الملف إذا تبين عدم قيام المخالفات المنسوبة.

وتندرج هذه الخطوة ضمن الجهود الرامية إلى تعزيز شفافية الأسواق الوطنية وضمان تكافؤ الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين، بما يحمي القدرة الشرائية للمستهلكين ويحافظ على تنافسية قطاع المستلزمات الطبية في المملكة.

 

ضعف الشفافية

سبق لمجلس المنافسة أن أصدر رأيا حول وضعية سوق الدواء بالمغرب، أكد من خلاله ضعف الشفافية في سوق الأدوية، مشيرا إلى أن السوق الوطنية للدواء تسودها حكامة إدارية بالغة التقنين تتطور داخل إطار قانوني «غير ملائم» وأصبح «متجاوزا». وتتميز هذه السوق، حسب رأي المجلس، بمنافسة مطبوعة بسياسة دوائية وطنية مجزأة وغير منسجمة، وبتدبير تهيمن عليه الوصاية الإدارية والتنظيمية والتقنية والطبية، التي لا تترك سوى مجال ضيق لتطوير آليات السوق والمنافسة النزيهة والمشروعة.

وأوضح أن هذه السوق تتشكل في غالبيتها من الأدوية الأصلية مع معدل ضئيل للغاية لمكانة الأدوية الجنيسة التي لا تتجاوز نسبتها 40 في المائة، في حين أن المتوسط العالمي يناهز حوالي 60 في المائة، وأكد أن هذه السوق تظل ضيقة بمعدل استهلاك ضعيف للأدوية لا يتجاوز في المتوسط 450 درهما لكل نسمة سنويا، في حين أن هذا المعدل يبلغ 3000 درهم في أوروبا.

واعتبر مجلس المنافسة أن هذه الوضعية تترجم «العجز الكبير لولوج الساكنة المغربية للدواء، وهو عجز يتفاقم مع المستوى المرتفع لمساهمة الأسر في نفقات الصحة، والتي تناهز حوالي 48 في المائة، في الوقت الذي يبلغ فيه المتوسط العالمي 25 في المائة».

وأبرز المجلس أن ضيق السوق الداخلية للأدوية يتزايد تفاقما، «بفعل نظام للطلبيات العمومية بدون أهداف محددة تطرح العديد من التساؤلات المرتبطة باحترام قواعد المنافسة، والتي لا تضطلع بدورها الكامل كمنظم ومقنن للسوق الوطنية للدواء»، وأردف أن السوق يتحكم فيها 15 مختبرا بنسبة 70 في المائة من حصص السوق، أما بالنسبة إلى بعض الفئات الدوائية فإنها جد ممركزة مع وجود احتكارات ثنائية، أو احتكارات قلة تحتل وضعية شبه هيمنة.

وسجل أن الأمر يتعلق أيضا بسوق ضعيفة الشفافية، مع غياب سياسة عمومية حقيقية للدواء الجنيس، مقرونة بشبكة للتوزيع غير ملائمة وفي وضعية أزمة تؤدي إلى احتضار المكونات الضعيفة والهشة لهذه السوق. وتنضاف إلى هذه الاختلالات، حسب رأي المجلس، العلاقات بين الأطباء والمختبرات المطبوعة، في بعض الحالات، بتضارب المصالح، مما يساهم بدوره في المساس بالمنافسة الحرة في هذه السوق.

«الشناقة» والمضاربون يسيطرون على أسواق الجملة للخضر والفواكه

 

 

كشف تقرير لمجلس المنافسة عن سيطرة كبيرة للوسطاء على تحديد أسعار الخضر والفواكه في أسواق الجملة بالمغرب، مُستغلين موقعهم الاستراتيجي في سلسلة القيمة لتحقيق أرباح أكبر على حساب المنتجين والمستهلكين.

 

 

وسطاء يسيطرون على أسواق الجملة

 

أوضح تقرير مجلس المنافسة أن ضعف تفاعل الأسعار مع الكميات المباعة يُشير إلى قوة الوسطاء في التحكم بالأسعار، حيث أظهرت دراسة على سوق الجملة بالدار البيضاء أن أسعار الجزر لا تتفاعل بشكل كبير مع تغيرات العرض والطلب، مبرزا أن الوسطاء يحصلون على النصيب الأكبر من هامش الربح في سلسلة قيمة الخضر والفواكه، بينما يحصل المنتجون على ما بين 30 و40 في المائة فقط من السعر النهائي، مما يُظهر ضعف حصتهم في سلسلة التوريد.

وسلط التقرير الضوء على الاختلالات الهيكلية التي تُعيق تطوير أسواق الجملة بالمغرب، والتي تشمل تغطية غير متساوية، حيث تُغطي أسواق الجملة 32 في المائة فقط من التراب الوطني، مع تركيزها في منطقة الشمال الغربي، وهيمنة الأسواق الكبرى والتي تستحوذ 8 منها فقط على 80 في المائة من كميات الخضر والفواكه في أسواق الجملة، مشيرا إلى ضعف التنسيق، وغياب التنسيق بين أسواق الجملة في مناطق الإنتاج والاستهلاك، زيادة على تقادم البنية التحتية، ونقص الخدمات الأساسية، وتقادم البنية التحتية لمعظم أسواق الجملة، بالإضافة إلى نقص وحدات التخزين والتعبئة، حيث إن توفر وحدات تخزين وتعبئة لا يتعدى سوى 26 في المائة فقط من أسواق الجملة.

من جانب آخر، عرى مجلس المنافسة نموذج إدارة أسواق الجملة، والذي أكد أن نموذج الإدارة الحالي يخلق تفاوتات وتشوهات بين الأسواق، منبها إلى أن القطاع يمر ما بين 60 و70 في المائة من الإنتاج الفلاحي عبر أسواق موازية غير مهيكلة، مبينا أنه لتجاوز هذا الاختلالات بأسواق الجملة، وجب القيام  بإصلاحات هيكلية وقانونية، بما في ذلك تطوير البنية التحتية وتحسين الخدمات، وتعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين في سلسلة القيمة، ومراجعة النصوص التشريعية المنظمة لأسواق الجملة، ودعم المنتجين الصغار والمتوسطين، وتشجيع الاستثمار في وحدات التخزين والتعبئة، ومحاربة الأسواق الموازية.

 

 

اختلالات شبكات التوزيع

 

كانت لجنة برلمانية استطلاعية قد أنجزت تقريرا حول شبكات توزيع وتسويق المنتجات الفلاحية، رصدت من خلاله مجموعة من الاختلالات، خاصة في أسواق الجملة للخضر والفواكه، ومجازر اللحوم، وأصدرت عدة توصيات للحكومة.

وتضمن التقرير معطيات أدلت بها وزارة الداخلية، التي أكدت أن المرافق العمومية المحلية تشكل حلقة مهمة فى سلسلة تسويق المنتجات الفلاحية، خصوصا أسواق الجملة للخضر والفواكه ومجازر اللحوم الحمراء والأسواق الأسبوعية، والتي تعد تجهيزات عمومية محلية يتم إحداثها واختيار أنماط تدبيرها من طرف المجالس الجماعية، مما يمكن معه للفاعلين من القطاع العام والخاص، بتنسيق مع الجماعة إحداث وتدبير هذه المرافق.

وسجلت وزارة الداخلية، حسب التقرير، مجموعة من الاختلالات التي تشوب تدبير أسواق الجملة للخضر والفواكه على الصعيد الوطني، من بينها عدم احترام تطبيق رسم 7 في المائة على المبيعات بالجملة للخضر والفواكه بالأسواق غير المهيكلة، واقتصار دور الوكلاء في استخلاص الرسم المفروض على البيع بالجملة فقط، فضلا عن كثرة الوسطاء دون أي قيمة مضافة. كما أكد أعضاء اللجنة الاستطلاعية أن 70 في المائة من المنتوجات الفلاحية تباع خارج أسواق الجملة، و30 في المائة فقط هي التي تباع في إطار أسواق الجملة، معتبرين أن التجميع لا يمكن أن ينجح دون أن يسبقه تحديد الثمن. وسجل التقرير أن 32 مليون طن من الخضر تضيع في اليوم ما بين أسواق الجملة والأسواق الأسبوعية والمحلية، بما يدل على وجود ضياع مهول للمنتوجات الفلاحية.

وقام أعضاء اللجنة الاستطلاعية بزيارات ميدانية إلى بعض أسواق الجملة والأسواق الأسبوعية، حيث لاحظوا بسوق الجملة للخضر والفواكه بإنزكان أن انتقال السلعة من مكان إلى مكان آخر في السوق لا يتجاوزأمتار قليلة، وتتم الزيادة بـ 2 إلى 3 دراهم في الكيلوغرام، مما يفسر ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية في سوق الجملة، أولا قبل خروجها إلى الأسواق المحلية، وكذا وجود اختلاف بين صندوق وصندوق آخر من نفس المنتوج في الثمن، والذي يمكن أن يفوق 100 درهم.

 

اختلالات مجازر اللحوم والأسواق الأسبوعية

 

 

أبرزت وزارة الداخلية، في ما يتعلق بمجازر اللحوم الحمراء، وجود اختلالات مرتبطة بتدبير هذه المجازر، من قبيل تقادم البنيات وضعف التجهيزات، بسبب غياب الصيانة وضعف الاستثمار، واعتماد أنماط تدبيرية غير احترافية بالمجازر، إلى جانب عدم توفر شروط الصحة والسلامة والنظافة داخل جل المجازر الموزعة على مستوى الصعيد الوطني.

وبالنسبة إلى الأسواق الأسبوعية، فقد وقفت مسؤولة بوزارة الداخلية في عرض قدمته أمام أعضاء اللجنة الاستطلاعية، عند الاختلالات التي يعرفها واقع الأسواق الأسبوعية، والتي لا تخرج عن تقادم البنيات التحتية وضعف التجهيزات، وضعف مداخيل الأسواق مقارنة مع مؤهلاتها، ووجود استغلال غير معقلن لفضاءات الأسواق الأسبوعية، مع غياب معايير سوسيو- اقتصادية لتوزيع هذه الفضاءات.

ولتجاوز هذه الاختلالات في إطار المواكبة التي تقوم بها وزارة الداخلية لفائدة الجماعات، تم حسب التقرير، إنجاز مجموعة من الدراسات التي شكلت آلية مهمة من أجل تنزيل استراتيجية الإصلاح والعصرنة، وعلى رأسها المخطط الوطني التوجيهي لأسواق الجملة للخضر والفواكه والمخطط المديري للمجازر، ودراسة حول إعادة هيكلة الأسواق الأسبوعية واحترافية تدبيرها.

وأضافت المسؤولة بوزارة الداخلية أن الفلاح يبيع في الضيعة دون الذهاب إلى سوق الجملة، لقلة الإمكانيات، مما يجعل الوسيط أو التاجر يحافظ على الغلة في الضيعة، وعدم الذهاب بها إلى السوق إلى حين نفاد المنتوج من السوق، الأمر الذي يصعب ضبطه، وهو ما يستدعي إعداد مقترحات قانونية لتجويد الترسانة القانونية المرتبطة بموضوع توزيع تسويق المنتجات الفلاحية ببلادنا، واعتماد نظام مرقمن يمنع إعادة البيع أكثر من مرة، يراعي قانون حرية الأسعار والمنافسة، وكذا التفكير في قانون للتوزيع يسمح بتحديد من هو التاجر ومن هو الفلاح ومن هو الوسيط والحد من تغول الوسطاء، بما يضمن حماية المستهلك.

 

توصيات برلمانية بتعديل القوانين

أوصت اللجنة الاستطلاعية في تقريرها بمراجعة القانون المنظم لعملية تسويق وتوزيع المنتجات الفلاحية، من خلال اعتماد قانون جديد ينظم إحداث وتدبير أسواق الجملة والبورصات بالمغرب، مع إصدار نصوص تنظيمية توضح أنظمتها الداخلية وشروط تدخل الفاعلين في عملية التسويق، وكيفيات أداء الرسوم للولوج إليها، كما شددت على ضرورة إخراج قانون جديد يفرض دخول جميع المنتجات الفلاحية إلى أسواق الجملة، ويضبط مراقبة مسار تسويق وتوزيع هذه المنتجات، وتدخل الوسطاء في مراحل التسويق.

ودعت اللجنة البرلمانية إلى توسيع اختصاصات المؤسسة المستقلة لمراقبة وتنسيق الصادرات، مع إعادة هيكلتها لتشمل مهمة تنظيم قطاع المنتجات الفلاحية الموجهة للتسويق الداخلي إلى جانب الموجهة للتصدير، أو خلق هيئة جديدة بين وزارية، تحت إشراف رئيس الحكومة تختص بتنظيم التسويق المحلي للمنتجات الغذائية. كما دعت إلى ضرورة تغيير وتحيين قانون 1962 المنظم لمهنة الوكلاء داخل أسواق الجملة للخضر والفواكه، حتى يتلاءم مع متغيرات عمليات التسويق التي لم يعد يستوعبها القانون، وتوصي اللجنة كذلك، بتنظيم الوسطاء وتجار نصف الجملة داخل أسواق الجملة، من خلال منح صفة التاجر المتضمنة في مدونة التجارة، مع الاستغناء عن مهنة الوكيل داخل أسواق الجملة، لعدم تقديمه لأي خدمة للتجار أو المنتجين، مقابل السومة التي يحصل عليها.

ثلاثة أسئلة لوديع مديح*:

“محاربة الاحتكار رهان اجتماعي يرتبط بالقدرة الشرائية وبثقة المواطن في عدالة السوق”

 

  • كيف تعلقون على التحركات الأخيرة لمجلس المنافسة في ما يخص محاربة الاحتكار في السوق؟

بداية، يجب التأكيد على أن التحركات الأخيرة التي باشرها مجلس المنافسة في اتجاه محاربة الممارسات الاحتكارية تندرج في صميم اختصاصاته الدستورية والقانونية، بل يمكن القول إنها تعكس عودة مطلوبة للمجلس إلى أداء أدواره الحمائية والتنظيمية داخل السوق الوطنية. فمن حيث المبدأ، نحن في الجامعة الوطنية لجمعيات المستهلك نعتبر أن أي خطوة تروم ضمان شفافية المنافسة ومحاربة التمركز الاقتصادي المخل بقواعد السوق هي خطوة إيجابية ينبغي تثمينها.

غير أن تقييم هذه التحركات ينبغي أن يتم بميزان موضوعي يأخذ بعين الاعتبار ليس فقط الإعلان عن فتح ملفات أو إصدار توصيات، بل أيضا مدى انعكاس هذه الإجراءات على الواقع المعيشي للمستهلك المغربي. فالمستهلك لا يقيس فعالية المؤسسات بعدد البلاغات، بل بمدى استقرار الأسعار، وتوفر السلع، وغياب الممارسات المنافية للمنافسة في السوق اليومية.

كما نرى أن المرحلة الحالية تتطلب من المجلس الانتقال من منطق التدخل الظرفي إلى منطق اليقظة الدائمة، لأن بنية بعض الأسواق الوطنية ما تزال تعرف درجات متفاوتة من التركيز، سواء في سلاسل التوزيع أو في بعض المواد الأساسية. وهذا يفرض مواكبة مستمرة، وتحليلا معمقا لآليات تشكل الأسعار، وهوامش الربح، وسلوك الفاعلين الاقتصاديين.

ومن زاوية جمعيات حماية المستهلك، نؤكد أن محاربة الاحتكار ليست فقط مسألة قانون منافسة، بل هي أيضا رهان اجتماعي يرتبط بالقدرة الشرائية وبثقة المواطن في عدالة السوق. لذلك نأمل أن تستمر هذه الدينامية في إطار رؤية استباقية وتشاركية، مع الحرص على التواصل المنتظم مع الرأي العام لتعزيز منسوب الثقة في عمل المؤسسات التنظيمية.

 

  • ما تقييمكم لنجاعة آليات مجلس المنافسة في حماية السوق الوطنية؟

 

الحديث عن نجاعة آليات مجلس المنافسة يقتضي التمييز بين مستويين: مستوى الإطار القانوني والمؤسساتي، ومستوى الممارسة الفعلية على أرض الواقع. من حيث الإطار، يمكن القول إن المغرب راكم منظومة قانونية متقدمة نسبيا في مجال حرية الأسعار والمنافسة، كما أن المجلس يتوفر نظريا على صلاحيات مهمة في البحث والتحري وإصدار القرارات والعقوبات.

لكن الإشكال الذي يطرح باستمرار هو مدى تفعيل هذه الآليات بالسرعة والنجاعة المطلوبتين. فالسوق الوطنية تعرف تحولات متسارعة، ووتيرة الابتكار في الممارسات التجارية أصبحت أعلى، وهو ما يتطلب تدخلا مرنا واستباقيا. أحيانا نلاحظ أن مساطر البحث تأخذ وقتا طويلا نسبيا، ما قد يحد من الأثر الردعي لبعض القرارات.

من جهة أخرى، تظل مسألة الموارد البشرية والتقنية عاملا حاسما في تقييم النجاعة. فمراقبة أسواق معقدة ومتشابكة، خاصة في ظل العولمة وسلاسل التوريد الممتدة، تتطلب قدرات تحليل اقتصادي ومالي متطورة جدا. لذلك نرى أن تعزيز الإمكانات التحليلية والرقمية للمجلس سيشكل رافعة أساسية لرفع فعاليته.

كما نؤكد على أهمية البعد الوقائي، أي الانتقال من معالجة الملفات بعد وقوع الاختلال إلى بناء منظومة إنذار مبكر ترصد مؤشرات التركز غير السليم أو التواطؤ السعري في مراحله الأولى. هذا التوجه، إذا تم تعزيزه، يمكن أن يرفع بشكل كبير من مستوى حماية السوق الوطنية.

في المجمل، يمكن القول إن الأسس القانونية موجودة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تسريع وتيرة التفعيل، وتعميق الطابع الاستباقي، وتقوية التنسيق مع باقي المتدخلين في منظومة الحكامة الاقتصادية.

 

  • ما دور جمعيات حماية المستهلك والأجهزة الرقابية المحلية في حماية المنافسة والمستهلك؟

 

حماية المنافسة والمستهلك ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، بل هي منظومة متكاملة تتقاطع فيها أدوار الهيئات التنظيمية، والإدارات الترابية، وجمعيات المجتمع المدني. وفي هذا الإطار، تضطلع جمعيات حماية المستهلك بدور محوري باعتبارها حلقة الوصل المباشرة مع المواطن داخل السوق اليومية.

فالجمعيات تقوم بوظائف متعددة، من بينها رصد الاختلالات الميدانية، واستقبال شكايات المستهلكين، والتوعية بالحقوق والواجبات، إضافة إلى المساهمة في النقاش العمومي حول السياسات الاستهلاكية. وهذه الأدوار تكتسي أهمية خاصة في ظل محدودية الثقافة الاستهلاكية لدى فئات واسعة من المواطنين.

لكن فعالية هذا الدور تبقى مشروطة بتعزيز الإمكانات المؤسساتية والمالية للجمعيات، وتمكينها من آليات اشتغال أكثر مهنية، مع فتح قنوات تشاور منتظمة بينها وبين مجلس المنافسة وباقي الهيئات المعنية.

أما على المستوى الترابي، فإن اللجان الإقليمية والمحلية، خصوصا اللجان المختلطة للمراقبة الاقتصادية، تلعب دورا أساسيا في الضبط اليومي للسوق، سواء من حيث مراقبة الأسعار، أو جودة المنتجات، أو احترام شروط المنافسة المشروعة. غير أن التحدي يكمن في ضمان انتظام هذه المراقبة، وتوحيد منهجيات العمل بين الأقاليم، وتعزيز البعد الزجري عند الاقتضاء.

نحن نؤمن أن حماية فعالة للمستهلك تقتضي بناء منظومة يقظة جماعية، يكون فيها المواطن واعيا بحقوقه، والجمعيات نشيطة ومؤهلة، والأجهزة الرقابية حاضرة ميدانيا، والمؤسسات التنظيمية متفاعلة بسرعة وشفافية. عندها فقط يمكن الحديث عن سوق وطنية تنافسية وعادلة تحمي الاقتصاد وتحفظ كرامة المستهلك في آن واحد.

 

* رئيس الجامعة الوطنية لجمعيات المستهلك

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى