
علمني السفر أشياء كثيرة عن الأديان والطوائف؛ التقيت بأناس من مختلف المعتقدات والمذاهب والآراء الفقهية. دخلت معابد وكنائس ومساجد متعددة، وتعرفت على المسلمين البكاشيين في ألبانيا، وعلى الأحمديين في حيفا، والدروز في بيروت، وعلى الإباضيين في سلطنة عمان حين كنت في زيارة للعاصمة مسقط، حيث طغى على أغلب النقاشات مع العمانيين الذين التقيتهم موضوع الإباضية في شمال إفريقيا.
اكتشفت أن العمانيين يشعرون بالقرب من شمال إفريقيا، إذ تجمع الإباضية بين سلطنة عمان وجزيرة جربة التونسية، وجبال نفوسة في ليبيا، ووادي مزاب في الجزائر، حيث يتعايش الإباضيون مع مذاهب أخرى في أجواء من التسامح والاحترام المتبادل.
في اليوم الأول من وصولي إلى مسقط، قصدت سوق مطرح، أحد أكثر الأسواق شعبية في المدينة. أزقته ضيقة، وتتوزع التجارة فيه بحسب نوعها، وتظلله أسقف خشبية جميلة، فيما الحركة التجارية نشطة جدا. يقع السوق بالقرب من كورنيش مطرح، حيث يمتد منظر السفن والقوارب على صفحة البحر. توقفت عند بائع اللبان، الذي شرح لي فوائده في تعزيز الجهاز المناعي والهضمي، مؤكدا أن مصدره من جنوب البلاد، من محافظة ظفار حيث تقع صلالة، إحدى أشهر المناطق السياحية في سلطنة عمان.
زار كثير من أصدقائي سلطنة عمان وأعجبوا بأجوائها وطبيعتها. رغم أنها لا تحظى دائما بالتغطية الكافية في الصحافة السياحية المتخصصة مقارنة ببعض الوجهات الإقليمية. فالسلطنة تتميز بتنوع جغرافي فريد يشمل الجبال الشاهقة مثل جبل شمس، والصحاري الذهبية، والسواحل الممتدة، إضافة إلى محميات طبيعية مثل رأس الجنز، أحد أهم مواقع تعشيش السلاحف في العالم. كما تستند الاستراتيجية السياحية العمانية إلى مفهوم السياحة المستدامة والحفاظ على الهوية الثقافية، حيث تحرص على إبراز القلاع التاريخية مثل قلعة نزوى، والأسواق التقليدية، والفنون الشعبية، دون الإخلال بطابعها الأصيل.
أتيت إلى سلطنة عمان دون برنامج مسبق، كعادتي في السفر، خاصة وأن التواصل هنا سلس، والشعب مضياف ومحب لبلده. منذ اللحظات الأولى، وأنا في سيارة الأجرة من مطار مسقط إلى الفندق، شعرت بحفاوة الترحيب وصدق الابتسامة. بدت لي المدينة نظيفة وهادئة، بشوارع واسعة وفضاءات رحبة، وبنايات أنيقة رغم حداثتها، إلا أنها حافظت على أسلوبها المستمد من المعمار العماني التقليدي.
حدثني سائق سيارة الأجرة الذي نقلني إلى الفندق في منطقة القرم، بشارع دوحة الأدب، عن نهضة السلطان السابق قابوس بن سعيد، الذي حكم قرابة نصف قرن، وكيف استطاع أن يدخل البلاد في مسار التحديث مع الحفاظ على الإرث الثقافي وتقاليد العمارة العمانية. كان حديثه مفعما بالفخر؛ رجل في عقده السادس أو السابع، وتحولت مدة الطريق إلى عرض حي عن البلد وتطوره، وعن الإباضية وحضورها في المجتمع العماني وامتدادها في دول المغرب الكبير.
خلال رحلتي إلى مسقط، زرت كورنيش مطرح، وقلعتي الجلالي والميراني اللتين تحكيان حكايات التاريخ العماني، والمتحف الوطني. كما مررت بـ دار الأوبرا السلطانية، لم أدخلها هذه المرة، لكن جمال مبنى الأوبرا الخارجي يأسر العين؛ تحفة معمارية تمزج بين التراث العماني الأصيل واللمسات الحديثة.
ولم يكن بإمكاني أن أغادر مسقط دون زيارة جامع السلطان قابوس الأكبر، لفهم أعمق لخصوصية الإباضية كمذهب يولي أهمية كبرى للعدل والتقوى والاستقامة. المسجد نفسه لوحة فنية؛ مئذنة ضخمة ترتفع نحو السماء، وأرضيات مزينة بالفسيفساء والزخارف الهندسية، وحدائق واسعة ومساحات عشبية خضراء تتخللها الأشجار والنافورات الصغيرة، لتخلق أجواء هادئة ومتناغمة. داخله مكتبة إسلامية كبيرة ومرافق تعليمية ودينية تعزز روح العلم والسكينة.
أتيت إلى هذا البلد لأكتشف مظاهر الثقافة، بين المتحف الوطني والأوبرا، لكنني اكتشفت شيئا أعمق، مذهبا دينيا لم أكن أعرف عنه شيئا، فصار محورا جديدا لتفكيري، ووجهة روحية وفكرية خلال هذه الرحلة.





