حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف


الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

وصوركم فأحسن صوركم



بقلم: خالص جلبي

 

 

نتساءل عن تلك الدقة العجيبة، والروعة المدهشة في فعل المسرعات وتنظيمها في خلق الإنسان وبعث الحياة فيه. إن منحى المسرعات يمشي كما يلي: الأيام العشرة الأولى انقسام رهيب سريع في الخلية الإنسانية الأولى، مع المحافظة على الحجم كما هو، ولا يحدث شيء سوى الانقسام. وهكذا يحدث ما يقرب من خمسين انقسام أو يزيد في الخلية الأولى، ريثما تصل إلى الرحم لتعشش فيه[1].

ولنتصور تسلسل الأرقام (1، 2، 4، 8، 16، 32، 64، 128، 256، 512، 1024، 2048، 4096 إلخ)، ثم ينعطف المسرع في تخصص الخلايا وتشكل الأعضاء. وهكذا يتخلق الإنسان وتتشكل أعضاؤه، وأجهزته في الأشهر الثلاثة الأولى، وكأننا أمام ورشة عمل من أدق ما تكون، فهذه المجموعة تخلق العين، وتلك الأحشاء وثالثة للأطراف. ثم إن الورشة نفسها لها مهندسون عقلاء وعمال فنيون من أدق ما يكون، لأن اجتماع الخلايا يُوجِدُ النسيج، واجتماع الأنسجة يوجد العضو، واجتماع الأعضاء يوجد الجهاز، فمثلا المعدة مكونة من أربع طبقات، والطبقة الداخلية المخاطية تقوم بعدة وظائف، فهي تنتج حمض كلور الماء (HCL) لتهيئة الطعام للهضم، وبنسبة مركزة حوالي 4 بالألف، كما أنها تفرز خميرة (الببسين) لهضم الطعام. وبالإضافة إلى ذلك، تفرز العامل الداخلي الذي يعتبر أشبه بمصلحة (إدارة الهجرة والجوازات)، التي تعطي (تأشيرة الدخول) للفيتامين (B12)، وإذا لم يحصل على تأشيرة الدخول هذه لم يمتص، وبالتالي حصل فقر الدم الخبيث الذي يعتبر مميتا، إذا لم يعالج.

والعين مثلا مكونة من ثلاث كرات تغلف بعضها البعض؛ ففي الخارج الطبقة الصلبة الحامية وهي التي ترى من تبارز العين الأمامي بالشكل الأبيض Sclera، وتغلف من الداخل طبقة أولى غنية بالأوعية الدموية هي طبقة المشيمية، ومن أقصى الداخل نرى نصف كرة مسؤولة عن الإبصار وفيها عشر طبقات منضدة فوق بعضها البعض وإحدى تلك الطبقات هي المستقبلة للنور، وفيها نوعان من مستقبلات الضوء، الأول مختص بالنور العالي والضعيف وهي العصيات Rods، والثاني مختص بالنور المركز والألوان وهي مجتمعة في المركز وهي المخاريط Cons، وعدد هذه المستقبلات في العين الواحدة حوالي ((140)) (مائة وأربعون مليون) عصاة و(7) ملايين مخروط.

ولنطلق العنان لتصورنا لنرى التعاون الوثيق في إيجاد كل نوع من الخلايا وبتخصص محدد، ثم تعاون هذه الخلايا مع بعضها لتكوين النسيج، ثم تضافر عمل الأنسجة لتكوين الأعضاء، ثم تعاون الأعضاء مع بعضها لتكوين الجهاز، كما في جهاز الهضم الممتد من الفم إلى الشرج، ثم تعاون هذه الأجهزة مع بعضها لتكوين الإنسان السوي، وأي خلل بسيط في العمل معناه تشوها مرعبا.

ولنتصور لو أن طائفة من الخلايا أخطأت فوضعت الفم في موضع الشرج، أو العينين في الصدر، أو الدماغ في البطن، ثم ينعطف المسرع في اتجاه ثالث، حيث يسير الجنين في زيادة الوزن حتى يصل إلى رقم مقدر هو وسطيا (3250) غراما، بعد أن كان وزن النطفة واحد من مليار من الغرام (1/1000.000.000)، وهكذا ازداد وزن الإنسان ما بين مرحلة النطفة إلى مرحلة التخلق الإنساني الأخيرة (3000) مليار مرة.

ثم ينزل الإنسان إلى حياة جديدة، ويبدأ انعطاف جديد في حياة الإنسان وهو تكوين المشاعر والأفكار، وبناء النفس الإنسانية، ويتدرج الإنسان في معرفة العالم من عالم (الأشياء) إلى عالم (الأفكار)، وكأن الحياة الجنينية هي مرحلة إعداد الأجهزة التي ستعمل ومرحلة الحياة هي استخدام هذا الجهاز، وكأن الآخرة هي مرحلة إصلاح هذا الجهاز وإرجاعه إلى أصله الثابت، أي الصلاح والاستقامة! (لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة).

نتساءل هنا كيف سارت هذه المفاعلات والمسرعات في هذا الاتجاه؟ وتنعطف بين الحين والآخر في اتجاه جديد؟ كيف رسم لها الطريق؟ وخططت لها الحياة؟… والجواب (الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل ثم تمشي الحياة كالنهر تماما، فهو هو لم يتغير، وهو هو يتغير في كل لحظة، فعملية الهدم والبناء مستمرة، فالكريات الحمراء تتولد من مصنع الكريات الحمراء، وهي نقي العظام، والمقبرة الموحشة الكئيبة التي تستقبل طوابير النعوش هي الطحال الكائن في أعلى وأيسر البطن، ويكفي أن نعلم أن ما يموت ويتجدد مثلها من الكريات الحمراء هو عشرة مليارات كرية حمراء في الساعة الواحدة، أي 240 مليار كرية في مدى اليوم والليلة، فيا أيها الإنسان الذي ينام ويستيقظ تذكر أنك تفارق هذه المليارات من خلاياك وكأنها تذكرك بالموت، كما أن تجدد مثيلها يذكر بالنشور…(كذلك النشور) والعظام تهدم وتبنى في كل لحظة بواسطة خلايا خاصة مولدة للعظم Osteoblast وخلايا مضادة خاصة بكسر العظم (الخلايا الكاسرة للعظم) Osteoclast، وكأننا أمام ورشة عمل لبناء عمارة سكنية، حيث العمال هم هذه الخلايا، وموادها الأولية هي البروتين والكلس وباقي المواد التي تأتي عبر الدم، والمتعهد المشرف على تنظيم الكلس ومقداره بين العظام والدم هو هورمون لغدة في العنق ضئيلة جدا يبلغ وزنها حوالي 100 ملغ موزعة في أربع عقد، ولكن الحرمان من هذه الغدة، أو ما تسمى (غديدات مجاورات الدرق)، يعني الموت، فلنعلم من هنا دقة التنظيم، وروعة البناء، ورحمة الله الواسعة لخلقه. (كتب على نفسه الرحمة…).

وحلقة الاتصال الخارجية لهذه الورشة، أي المنظم الاقتصادي، هو الفيتامين (D)، لأنه يتصل بالعالم الخارجي عن طريق الأمعاء والكلية، فهو ينظم ورود الكلس أو تصريفه من خلال هذه الأعضاء، حقا إنها ورشة عقلاء متفاهمة إلى أبعد الحدود!

كل شيء يتجدد ويتغير، إلا منطقة واحدة في الجسم هي خلايا الجهاز العصبي المركزي، حيث نرى حوالي 86 مليار خلية عصبية مستندة إلى 100 مليار من الخلايا الاستنادية، هذه الخلايا العصبية تحتفظ بديمومتها فلا تنقص كما لا تزداد، وهذا من رحمة الله على الإنسان، إذ لو تجددت الخلايا العصبية كما في باقي خلايا الجسم، لكان معناه أن يتعلم الإنسان اللغة من جديد كل ستة أشهر!

 

نافذة:

يتخلق الإنسان وتتشكل أعضاؤه وأجهزته في الأشهر الثلاثة الأولى وكأننا أمام ورشة عمل من أدق ما تكون

[1] يحصل لقاء البويضة مع الحيوان المنوي ـ كما ذكرنا ـ في الثلث الوحشي من البوق، أي الثلث البعيد، ثم تمشي هذه البيضة الملقحة من البوق إلى الرحم وتستغرق هذه الرحلة عدة أيام، وعلى أبعد حد عشرة أيام، لتنغرس بعدها في بطانة الرحم، وفي خلال هذه الأيام يحصل الانقسام السريع وهو أشبه بالانقسام الذري الرهيب!

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى