
يسرا طارق
يكاد النقاد المغاربة يجمعون على أن نص «الزاوية» للتهامي الوزاني، (1903- 1972)، هو أول محاولة سردية مغربية تقترب من جنس الرواية. في شقها السير ذاتي، وتبعا لهذا، أُعتبر الرجل رائدا من رواد الأدب المغربي الحديث. تضافرت عدة عوامل لمنح الوزاني تلك القدرات المتعددة، التي جعلت منه مؤسسا في الأدب والصحافة والتاريخ، وفاعلا في الحركة الوطنية والعمل السياسي في حزب الإصلاح الوطني، ويكفي أن نذكر للوزاني أنه ترجم رواية «دونكيشوط» للعربية.
ساهم الوزاني بحماس وفعالية في كل ما كان يَعْتَمِلُ بمدينة تطوان، وجسد خير مثال للطرقي المتصوف، الذي ينجز تسويات حاذقة مع مستجدات الحياة الحديثة. كان يعرف ويحب الموسيقى، وكان متعلقا بالسينما يشاهد الأفلام، ويواظب على ذلك، وتعلم، وبشكل عصامي، العديد من المعارف، وحين أخرج صحيفته المسماة «الريف»، وجد المجال الذي يبرز فيه معارفه ومواهبه المتعددة.
لم تكن حياة الوزاني سهلة، فقد عاش اليتم مبكرا، إذ فقد والده، وتكفلت به جدته، أم والده وزرعت فيه ميولا متأصلة للتصوف. عاش أزمة نفسية في سن الشباب، تمثل مخرجها في الالتحاق بالزاوية الحراقية. احتاج الوزاني لشيخ يحميه من نفسه، ويدله على الطريق ويختصر معه المسافات الفاصلة بينه والسكينة والطمأنينة. إلى جانب مدينة فاس، كانت تطوان من المدن التي عرفت صدامات بين أتباع الطرقية وأتباع السلفية، ولعل أكبر مثال على هذا هو محنة ابن عجيبة، ورغم أن وتيرة الصراع خفت كثيرا في عهد الوزاني، ومال الفرقاء لنوع من التساكن والتعايش، بل إنهما وضعا اليد في اليد لمقاومة الاستعمار، فإن آثار ذلك لم تمح من ذهن ونفسية الوزاني. لكل هذا يمكن اعتبار سيرة «الزاوية» محاولة بارعة لمنح الاعتبار للزاوية، بوصفها مؤسسة تربوية واجتماعية، تتجاوز دورها الديني، لتفعل في حياة الأفراد والجماعات، وتدلهم على التقوى والخير والتضامن.
عاش الوزاني أياما عصيبة، تمكن تسميتها بـ«أيام الخراب»، كما كتب هو، وهو يتحدث عن ابن عجيبة، وتمكن، وبسرد متقن وذكي، من أن يصور دواخل شاب يعيش أزمة نفسية ويبحث عن الخلاص لدى شيخه الحراق، شاب فيه كل مزايا ومثالب الشباب: الاندفاع، الثقة العمياء، الحماس الشديد والإحساس بأن الحقيقة كلها لدى الشيخ، لهذا ينبغي اتباعه بدون إعمال العقل. بسبب هذا الحماس للتصوف لم يكمل الوزاني دراسته، رغم أن الجميع كان يراهن عليه في تطوان ليكون عالما جليلا تسير بذكره الركبان، لكنه عرف كيف يعوض ذلك، حتى أنه صار من أقطاب الحركة الوطنية وأعلامها.
تمكن قراءة نص «الزاوية» كوثيقة تاريخية، تصور لنا مغرب بداية القرن العشرين، في مدينة تطوان، وما يحيط بها. من خلالها يمكننا أن نطلع على واقع التعليم في ذلك الوقت، لا من حيث المواد والرهانات والآفاق التي يواجهها شاب في مقتبل العمر، كما يصور لنا تجذر مؤسسة الزاوية في الواقع المغربي، بوصفها ملاذا يقدم أجوبة للضائعين والباحثين عن معنى في حياتهم. إلى جانب المخزن والقبيلة، لعبت الزاوية دورا هاما في تاريخ المغرب منذ القرن السادس عشر، وكم كانت الثقافة المغربية في حاجة لشهادة من الداخل، يقدمها أحد المريدين بأمانة وتجرد، وهذا ما قام به التهامي الوزاني.





