حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةحوارسياسية

نهضتُنا «مُعلَّقة» طالما لم نستثمر في بناء الإنسان

حوار مع المفكر المغربي محمد نورالدين أفاية:

أجرت الحوار: سعيدة شريف

 

تقديم عام

 

يقوم المشروع الفكري للأكاديمي المغربي محمد نور الدين أفاية على مفهوم النقد، فقد اهتم منذ دراساته الجامعية وكتاباته الأولى بالنقد الفلسفي والجمالي، وغاص في مدارات التفكير النقدي وسياقاته وأدواته وأهدافه الإنسانية والكونية، وقدم العديد من الكتابات والدراسات المهمة التي لم تقتصر على المجال النظري النقدي الفلسفي فحسب، بل تجاوزها إلى البحث في أسئلة الهوية والغيرية، والدولة والمجال العام، والإبداع والتواصل والفكر الجمالي، وتحديدا المجال السينمائي وثقافة الصورة التي أنتج فيها مجموعة من الأعمال الفكرية المهمة.

نعيد نشر هذا الحوار الذي أجرته معه «الجزيرة نت» عن مشروعه الفكري واهتمامه بالنقد في مختلف المجالات والقضايا التي تناولها، ومن ضمنها كتابه الأخير عن المتوسط.

 

 

الحلقة 1 : مساءلة البداهات في عصر التشتت

 

 

*يقوم مشروعك الفكري على مفهوم النقد، فمنذ كتاباتك المُبكرة وإلى الحالية التي أغنت المكتبة العربية، غُصت في مدارات التفكير النقدي وسياقاته وأدواته وأهدافه الإنسانية والكونية. بعد هذا المسار المهم، ما المفهوم الذي يقدمه اليوم الأستاذ أفاية للنقد والفكر النقدي بشكل عام؟

**صحيح أنني اهتممت، منذ دراستي الجامعية، بمسألة النقد في الفلسفة والجماليات وشكَّل، باستمرار، انشغالا نظريا في معالجة العديد من الموضوعات التي وجدت نفسي أكتب عنها، سواء تعلق الأمر بالنظرية النقدية، وبالهوية والغيرية، بالدولة والمجال العام، بالإبداع والفكر الجمالي، بالتواصل واستراتيجيات التلاعب والاستخدام، إلى غيرها من القضايا التي اقتربتُ منها في التدافع الفكري. وسواء اكتفينا بلفظة النقد أو ما تواطأ الناس على تسميته «الحس النقدي» يتعرض لكثير من الالتباس، وللاجترار في الغالب الأعم، فإنه يصعب ادعاء تقديم «مفهوم» عن النقد خارج ما اقترحه المفكرون والفلاسفة الذين جعلوا من النقد أفقا لتفكيرهم، ومنطلقا لمعالجتهم لأحداث التاريخ، وظواهر المجتمع، وتحولات مقولات الفكر، والتباسات السياسة وتجليات الجمال.

وأحسب أن كل نشاط فكري أو اجتماعي أو سياسي يمكن أن يكون نقدًا كلما أنتج معنى جديدًا، قادر على تغيير، أو تعديل منطوق نص أو معنى أو علاقات ما؛ بل إن النقد قد يوجد، بشكل أصلي، في لعبة اللغة، وفي تصورات ونظرات وممارسات ناتجة عن مسافة مُولدة للاختلاف. يستمد الفكر النقدي جدارته، ويستحق تسْميتَه ويكتسب وظيفتَه كلما انتزع لذاته فضاءً مناسبًا في الإنتاج الفكري والنظري والثقافي والسياسي؛ بحيث لا يمكن الوصول إليه من دون تفكير مُنتبه إلى العمل الفلسفي والفكري، باعتباره تفكيرًا تساؤليًا، مجادلاً، برهانيًا وباحثًا عن المعنى. لذلك ثمة من يرى أن النقد شكَّل ويشكل دائما قضية نقدية بل وتبدو تسمية النقد صفة زائدة، لأنه يميز كل خطاب يفكر بالفعل.

عرف تاريخ النقد، باعتباره ترجمة لفعل التفكير في الوجود، مرجعيات توزعت بين النقد المعياري، والأكاديمي أو الإيديولوجي، انطلاقًا من اعتبار النقد شرط إمكان تأسيسي لكل فكر كما أسس له كانط، مرورًا بالنقد الجسور للاقتصاد السياسي بهدف التغيير الاجتماعي عند ماركس، إلى التمظهرات المختلفة للإخفاق الثوري التي أدت بما سماه تيودور أدورنو «بالجدل السلبي» إلى آخر انفتاحات ديريدا التفكيكية. هذا إن حصرنا نظرنا في تاريخ الفكر النقدي الأوروبي.

وللاقتراب من سؤالك فإنني أرى أن المهمة النظرية والتاريخية، بله السياسية، للفكر النقدي تتمثل، بالأساس، في مساءلة البداهات، أو ما يبدو كذلك، وكشف تداعيات «الدوكسا» Doxa السائدة، وخلخلة أطر التفكير والمناقشة التي تستهدف تعليب عقول الناشئة، واستلاب الإرادات، والتشويش على حرية الكائن، وإلهائه بمظاهر الأمور وإغراءات الاستهلاك، وإخضاعه لما يستنفر الإدراك والانفعال. ولعل الجميع ينتبه، اليوم، إلى أن قسما كبيرا من البشرية عرَّض ويُعرض نفسه للعبودية الطوعية التي أنتجتها وسائط التواصل الاجتماعي، بما نجم عنها من إضعاف لملكات الإنسان على الانتباه، والتركيز، والتذكر والتعلم الرصين وما يترتب عن غياب هذه الملكات من تراجع للفكر النقدي. وأما ما يوفره الذكاء الاصطناعي من عروض وفتوحات ذات جوانب إيجابية لا شك في ذلك، فإنه يشكل، في نظري، تدميرا سريعا لهذه الملكات وانحسارا للاجتهاد الفكري، إن لم يعمل الفاعلون كافة على التنبيه إلى استنهاض بعض مقومات اليقظة النقدية لكشف تعبيرات «الدوكسا» الجديدة.

 

  المفكر وتعطل ملكة النقد 2

 

*ما مدى تأثير مدرسة فرانكفورت، وهابرماس تحديدا على توجهاتك الفكرية، وانفتاحك على قطاعات المعرفة الإنسانية، خاصة أنك اتخذت صاحب نظرية «الفعل التواصلي» نموذجا لدراسة صادرة لك، في نهاية تسعينيات القرن الماضي، تحت عنوان «الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة نموذج هابرماس»؟

**تأسست مدرسة فرانكفورت، أو ما أطلق على فكر أصحابها «النظرية النقدية»، على نمطين اثنين مرجعيين من النقد في تاريخ الفكر الفلسفي؛ نقد كانطي، أو يستلهم مقوماته من الكانطية التي مثلت لحظة مفصلية في الفلسفة، وفي التأسيس المفاهيمي للنقد. وتتميّز بكونها تمنح أهمية كبرى للمقولات وللمعرفة من منطلق تحديد صدقيتها، ودقتها وقيمتها المعرفية. ثمّ النقد الماركسي الذي يؤكد على تعبئة قدرات العقل لتشخيص الواقع التاريخي، والاجتماعي والسياسي، وكشف آليات السيطرة والاستغلال المتخفّية في ثناياه وفي سياقاته المُتعرّجة. لم يكتف بعض مؤسسي هذه النظرية بهاتين المرجعيتين فقط، لأنهم اهتدوا، أيضا، إلى الانفتاحات الكبرى التي اقترحها التحليل النفسي لكشف أمراض الفرد والمجتمع، ونقد تداعياتها على الفرد، والممارسة، والسياسة، والفكر والعلاقات.

ومن المؤكد أن لنمطي كانط وماركس في النقد حضورا كثيفا في تاريخ الفكر النقدي، بل تقوّى هذا الفكر وحضر وما يزال إلى اليوم في دوائر الاجتهادات النظرية والمعرفية، كلما تمكّن الفلاسفة والمفكرون من الانتهال من مرجعيتهما، واقتراح تركيب مبدع لمفاهيمهما وللانفتاحات الفلسفية والنظرية التي يسمح بها. يحصل هذا التركيب عندما يتمكّن المفكّر النقدي من الجمع ما بين النقد المعرفي، الإبستمولوجي، وبين النقد التاريخي والاجتماعي، وهو يسائل الأفكار المتداولة والآراء الرائجة، ويكشف عن أشكال السيطرة والاستلاب والاستغلال التي تفرزها العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع الرأسمالي.

عملت «النظرية النقدية»، في مرحلتها الأولى، مع هوركهايمر، وأدورنو وماركوز، وفي مرحلتها الثانية مع هابرماس، ثم مع آكسيل هونيت وهارموت روزا وغيرهم من الفلاسفة الشباب المتأثرين بإنتاجها، على إنجاز تركيب نشط للتراث الكانطي والماركسي والفرويدي، وجعلت من تاريخ الأفكار والمفاهيم، وأنماط النقد وأشكال منطق الخطاب وسائل وأسلحة نظرية تسعف في الممارسة النقدية للمؤسسات والسلطة والمجتمع. وفتحوا ممكنات للتأسيس المعرفي للنقد حين يتداخل ويتكامل مع المقاربة التاريخية والاجتماعية، حيث ينتج إمكانيات الاستشراف الذهني خارج معطيات الوجود كما تتقدّم إلينا، ويُوفّر انفتاحات وآفاق مختلفة تتبرّم مما يحدده نظام الأشياء، أو السلط المتمكنة من مقدرات السياسة والمجتمع.

أما اشتغالي على منجز يورغن هابرماس، فقد نشر الكتاب أولا سنة 1990 في طبعة بالدار البيضاء، وأعيد نشره سنة 1997 ببيروت حيث لاقى متابعة كبيرة من طرف الباحثين الشباب في الفلسفة، وخصوصا النقدية منها. ولعل كتابات هابرماس اقترحت على الحقل الفلسفي المعاصر انفتاحات في غاية الأهمية لفهم المجتمع والسياسة، وفي طليعتها ما أسس له بخصوص «نظرية الفعل التواصلي». وأحسب أنه، بموسوعيته الملحوظة، منَح للفكر النقدي، المستند إلى المرجعيات النقدية التأسيسية، أدوات للتفكير في العالم، وفي مفارقاته وتناقضاته، وفي ما تختزنه العلاقات الاجتماعية، والثقافية والسياسية من آليات التحكّم والاستلاب. ويقدّم لنا، أيضا، ممكنات التجاوز واستشراف عوالم متجددة.

لا شك أن الفيلسوف، كما المفكرين كافة، قد تتعطَّل لديه مَلكة النقد، كما حصل لهابرماس في السنتين الأخيرتين، وبالخصوص في ما يتعلق بإبادة الشعب الفلسطيني من طرف الصهيونية. كان موقفه مُخجلا، وضحْلا وساقطا أخلاقيا. لم يكن يملك الكفاية الوجدانية والفكرية للإقرار بما شهده العالم بشكل مباشر من انتهاكات جسيمة لإنسانية الإنسان، ولِما اقترفه وما يزال يقترفه اليمين الفاشيستي المتطرف في فلسطين المحتلة. وهو، كألماني، منعته عقدة «الهولوكوست» من النظر العقلاني، بله الإنساني إلى ما جرى ويجري من دمار، وقتل ومَحْو. وهو الموقف الذي دمر به الجهد النظري الذي قام به طيلة حياته الفكرية والبحثية؛ حيث اتخذ موقفا مخزيا من قضية إنسانية قبل أن تكون سياسية أو تتعلق بشعب مظلوم. عكس ما كان جهر به مواطنه «جونتر غراس» Günter Grass، الحاصل على جائزة نوبل قبل وفاته، ما تعرض له الشعب الفلسطيني من تنكيل ومحاولات اجتثاث. ولعل موقف هابرماس هذا يفيد بأن المفكر النقدي قد يتعرض لنسيان مقدرات نقده ويسقط في التبرير الفج لسياسات قاتلة.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى