
حسن البصري
كانت زيارة باتريس موتسيبي، الأخيرة إلى السينغال، أشبه بزيارة رئيس بعثة أممية، برنامج محدد سلفا، لقاء سري وآخر علني، زيارة إلى معالم تاريخية، وخفر أمني في حالة تأهب، ثم ندوة صحافية لتقديم الحصيلة.
قبل الزيارة التي وصفها الإعلام السينغالي بـ«التاريخية»، ونعتها الإعلام الجزائري بـ«زيارة رد الحق لأصحابه». انهال اتحاد كرة القدم السينغالي على موتسيبي وفريق عمله، تجريحا. وقال في بيان رسمي إن «الكاف يعيش في كنف الفساد».
لكن ما أن وطأت قدما الدكتور موتيسبي أرض مطار دكار الدولي، حتى نسي عبد الله فال ما قاله في حق رئيس «الكاف»، وانبرى له بالتحية والإجلال.
صحيح أن بروتوكول استقبال ضيف من العيار الثقيل، يقتضي وجود توابل الاستضافة: ورود وابتسامات وكلمات منتقاة من قاموس الدبلوماسية، وعمل بالقول المأثور:
لعداوة ثابتة والصواب يكون.
لكن زعيم منظمة «الكاف»، كان منسجما مع نفسه ومع مواقفه، وهو الذي وزع جرعات الفرح والقلق بالتساوي، بين المغرب والسينغال.
أسعد السينغاليين في الأحكام الابتدائية لملف نهائي «الكان»، ومدد سعادتهم واحتفالاتهم لأزيد من شهر.
وفي محطة الاستئناف أوقف الرقص في دكار ونقل الفرح إلى الرباط، من خلال حكم استئنافي سحب كأس إفريقيا من السينغال، حذر الخياط من رسم نجمة ثانية في قمصان منتخب ماني.
كان موتسيبي منسجما مع أدواره الدبلوماسية، حين قال للصحافيين السينغاليين:
ألم أسلم لاعبيكم الميداليات؟
قالوا:
بلى.
ألم أسلم عميدكم كأس إفريقيا؟
قالوا:
بلى.
ألم أسلم ماني جائزة أفضل لاعب؟
قالوا:
بلى.
والحسم الآن للقضاء الرياضي بمحكمة لوزان.
عم صمت رهيب قاعة الندوة، وانتهى التصفيق بـ«التصرفيق» الكاتم للصوت.
أصر الاتحاد السينغالي لكرة القدم على تنظيم رحلة لباتريس إلى جزيرة «غوريه»، قبالة دكار، وهي جزيرة كانت تستخدم كتجمع للعبيد، قبل ترحيلهم إلى أمريكا، وبيعهم كالسلع بالاحتكام إلى ميزان.
وقف رئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم أمام باب يسمى «باب اللاعودة»، كل العبيد الذين خرجوا منه لم يعودوا إلى بلدانهم، بل تحولوا إلى سلع قابلة للبيع والمقايضة، ومنهم من مات في عرض المحيط الأطلسي.
قال رئيس الاتحاد السينغالي لكرة القدم لرئيس «الكاف»:
هنا حصلت أكبر جريمة في تاريخ البشرية.
ابتلع موتسيبي ريقه ومسح ببصره ملامح المكان، وهو يستحضر سجون بلده جنوب إفريقيا ووجع موروثات الأبرتايد.
تسلح رئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم بما يكفي من الجرأة وقال:
من دكار خرج ثمانية عشر مشجعا توجهوا إلى المغرب، لكنهم لم يعودوا بعد.
أغفل الضيف الجنوب إفريقي كلام مرافقه، لكنه سيلفت نظر مرشد سياحي كان يقدم شرحا مستفيضا حول جزيرة غوريه، إلى ملاحظة هامة حين سأله:
لكن الجريمة ما زالت محفورة في ذاكرة المكان، فأسماء باعة العبيد ما زالت حاضرة في الأزقة والشوارع.
قبل أن يغادر موتسيبي الجزيرة، قال البرلماني السينغالي كاي ماريوس ساكنا لرئيس «الكاف»، بنبرة لا تخلو من السخرية:
«لا تصدروا قرارا يمنح جزيرتنا للمغرب»،
أدار الرئيس ظهره للسياسي وركب سفينة أعادته إلى دكار، وفي عرض مياه البحر، أخبره مرافقه بوفاة لاعب دولي سينغالي سابق يدعى عمر ندياي، مات في المهجر بعد مرض عضال. لكن المفارقة العجيبة هو أن الفقيد كان عميدا لفريق جزيرة غوريه، وأنه خرج منها ولم يعد.





