
الدكتور فردريك وايسجربر Frédéric Weigerber طبيب فرنسي حلّ في المغرب بمحض الصدفة حيث أقام في مدينة طنجة سنة 1896 ثم انتقل إلى الدار البيضاء التي استقر فيها مشتغلا في مجال الطب.
عاش فردريك وايسجربر مرحلتين من تاريخ المغرب قبيل الاستعمار بقليل والمرحلة الاستعمارية، كانت له صلة بالسلطان المغربي وحاشيته وفي المرحلة التالية بالإدارة الاستعمارية. يعتبر كتابة “على عتبة المغرب الحديث” تسجيلا لهاتين المرحلتين التي عايشها الكاتب.
يقول الكاتب في تقديمه: “إنّ الكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ يغطي خمس عشر سنة من تاريخ المغرب؛ وهي الفترة التي تفصل بين ميلاد حلمي وتحققه. إنها صفحات أريد بها أن أرسم أهم معالم المغرب القديم؛ تلك المعالم التي صارت اليوم إلى تلاش وانمحاء. كما يسعى إلى أن ترسم وقائع احتضار المغرب الطويل وتجلية بعض الأمور المتعلقة بإقامة نظام الحماية. وصفوة القول إنه يروم توفير بعض المعطيات المسعفة للطامحين في المستقبل إلى التأريخ لمهمة فرنسا في المغرب…
الجميع في بلاد المخزن يقرّ بالسلطان ملكا مطلقا وقائداً روحيا ودنيويا. وقد كانت سائر دواليب الحكومة الشريفة وتنظيمها الإداري والعسكري والقضائي والضريبي تسير سيرا طبيعيا في هذه المناطق. فالقبيلة، تلك الوحدة الإدارية، يقوم على تسييرها في هذه البلاد قائد يعينه السلطان، ويقوم القائد هو الأخر بتعيين خليفته أو مساعده وكتابه وجباة الضرائب والشيوخ الذين يمثلون السلطة في أقسام القبيلة وفي الدواوير. ويكون لكل قبيلة من الناحية المبدئية قائدها، وأما في الواقع فإن سلطة القائد تمتد في معظم الأحيان لتشمل قبائل كثيرة، عدا أن بعض القبائل تكون تتوزعها قيادات عديدة.
ويميّز في قبائل بلاد المخزن بين قبائل الكيش والقبائل المسماة النايبة. فأما القبائل الأولى… فهي قبائل عسكرية قد خول لها استغلال الأراضي التي جرى توطينها عليها. وأماما عداها من القبائل فقد كانت تؤدي لنايبة وهي نوع من الكراء تؤديه هذه القبائل عن الأراضي التي تنتفع منها بصورة جماعية.
عن أفول النظام القديم
يقدم الكاتب لنا وصفا لمدينة الدار البيضاء والتحولات التي مرت بها خلال هذه المرحلة العصيبة من تاريخ المغرب، بين ما يسمّيه المؤلف بأفول النظام القديم ومن الغروب إلى الفجر، في إطار نظرته التي لا تختلف عن نظرة الكثير من الكتاب الكولونياليين الفرنسيين: “… ما كانت الدار البيضاء بالمدينة الحضرية ذات الساكنة المدينية على غرار فاس والرباط أو تطوان، ولا كانت بالمدينة المخزنية التي للسلطان فيها قصر يقيم فيه، على غرار فاس ومكناس والرباط ومراكش. فهذا جعل المدينة لا تستجيب بسهولة إلى الدراسة التي تروم المجتمع البورجوازي ولا هي تسعف على دراسة الأوساط الحكومية. فقد كانت الدار البيضاء مدينة ذات ساكنة مسلمة معظمها من البدو المتألفين من قرويين ارتحلوا إليها إمّا فرارا من عسف القياد القرويين وشططهم، أو دفعهم إليها البؤس أو اجتذبهم السعي وراء الكسب.
وقد أصاب بعضهم حظ من الثراء عن طريق التجارة، فصاروا يكونون بورجوازية صغيرة، وأمّا السواد الأعظم من السكان فقوامه بروليتاريا تتألف من صغار الحرفيين وأصحاب الحوانيت والعمال اليدويين والحمالين وعمال القوارب والصيادين والخدم.
والأرستقراطية المغربية ذكية ومتعلمة ومهذبة ومتأنقة، لكنها بوجه عام متراخية ولا مبالية، وكثيرا ما تكون متعصبة. وهي غير ممثلة في الدار البيضاء بغير عدد قليل من الموظفين وبعض كبار التجار المنحدرين من فاس أو الرباط. بيد أنّ ذلك لا يمنع من القول إنّ الدار البيضاء قد توفرت لها جميع دواليب المدينة وأجهزتها الإدارية”.
الأوروبيون المقيمون بالمغرب
… كان عدد الأوروبيين المقيمين في المغرب في أواخر القرن التاسع عشر يقدر بخمسة آلاف شخص، يقيم ثلاثة أرباعهم في مدينة طنجة ويتوزع الربع المتبقي إلى بعض مئات، أو بعض عشرات، على مدن ساحلية أخرى. أما المدن الداخلية كفاس ومراكش والقصر فلم يكن عدد الأوروبيين مجتمعين فيها تزيد عن ثلاثين نفرا، يرتدي أكثرهم اللباس البلدي كي لا يثيروا إليهم الانتباه.
وكان معظم الأوروبيين ينعمون برغد العيش، وقد اجتمع بأيدي الكثير منهم عدد غير قليل من خدم البيت، بيد أنّ ذوي الثروات الطائلة يظلون بينهم قلة قليلة. كان الحديث يروج عن واحدة من تلك الثروات العظيمة قد اجتمعت لأحد كبار مستوردي الأقمشة القطنية فالناس يتحدثون عنه بإجلال ويقولون إنّ ثروته بلغت مليونا.
وقد أقرت اتفاقية مدريد للأجانب بامتلاك عقارات في المغرب، لكن ظلّ شراؤهم العقارات مرهونا بموافقة المخزن التي لم يكن يمنحها أبدا. وقد جرى تذليل هذه الصعوبة على الوجه التالي: فالتاجر الأوروبي الذي يكون في حاجة إلى منزل للسكنى ومستودع لسلعه وبضائعه يتفق مع الأمناء على بناء محل يفي باحتياجاته، ثم يصبح مستأجرا مقابل سومة كرائية سنوية لا تزيد عن 6 في المائة من قيمة المبالغ المتفقة على بنائه.
وكانت أشغال البناء يومئذ زهيدة التكاليف، فتشييد بناية كبيرة قلما يتجاوز العشرين ألف فرنك، فيما لا تزيد سومة الكراء الشهرية عن مائة فرنك. وبقي أمر الكراء على حاله حتّى بعد أن صارت أسعار البيوت إلى ارتفاع مهول. بيد أنّ مستغلي هذه البيوت كانوا يلبثون على الدوام مجرد مكترين، ثم أصبحوا فيما بعد مالكين لها”.





