
أكدت وكالة التصنيف الائتماني S&P Global Ratings، يوم الجمعة الماضي، تصنيف المغرب السيادي عند “BBB- / A-3” مع نظرة مستقبلية مستقرة، معتبرة أن المملكة تتوفر على هوامش كافية لامتصاص الصدمات الخارجية، رغم بيئة دولية تتسم بقدر كبير من عدم اليقين. ويأتي هذا القرار في سياق استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، التي تُعرّض الاقتصاد المغربي لعدة قنوات انتقال، خاصة عبر ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد، واحتمال تباطؤ شركائه التجاريين الرئيسيين، خصوصاً في أوروبا. ومع ذلك، أبرزت الوكالة مرونة الاقتصاد المغربي، المدعوم بإصلاحات هيكلية أُطلقت خلال السنوات الأخيرة، وتنويع تدريجي للأنشطة، وتحسن في المالية العمومية. وتتوقع تحقيق معدل نمو سنوي متوسط للناتج الداخلي الإجمالي الحقيقي يبلغ 4,4 في المائة خلال الفترة 2026-2029، بعد أداء فاق التوقعات في سنة 2025. ويرتقب أن تدعم هذه الدينامية على المدى القريب بانتعاش القطاع الفلاحي، بفضل تحسن ملحوظ في الموارد المائية، إلى جانب استمرار نمو القطاع السياحي، الذي استقبل نحو 20 مليون زائر سنة 2025، محققاً عائدات تعادل حوالي 8 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي. كما يتوقع أن تسهم الاستثمارات في البنيات التحتية، خصوصاً المرتبطة بالتحضير لكأس العالم لكرة القدم 2030، إضافة إلى الاستثمارات في القطاعات الصناعية والطاقية واللوجستية، في دعم النشاط الاقتصادي. ورغم هذه الآفاق الإيجابية، حذّرت الوكالة من عدة عوامل هشاشة، إذ يظل المغرب معتمداً بشكل كبير على واردات المحروقات، التي تمثل أكثر من 90 في المائة من حاجياته الطاقية، ما يجعله عرضة لتقلبات الأسعار العالمية للنفط والغاز. كما أن أي اضطرابات محتملة في طرق التجارة، خاصة عبر مضيق هرمز، قد تؤثر على إمدادات الكبريت، وهو عنصر أساسي في صناعة الأسمدة، ما يكتسي أهمية استراتيجية بالنظر إلى أن الفوسفاط ومشتقاته تمثل أكثر من 20 في المائة من صادرات المملكة.
وعلى المستوى الخارجي، تتوقع الوكالة عجزاً معتدلاً في الحساب الجاري في حدود 2,4 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي في المتوسط، مدعوماً بأداء الصادرات (السياحة، الصناعة، الفوسفاط) وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج. كما تشكل احتياطيات النقد الأجنبي، التي تقارب 50 مليار دولار (ما يعادل نحو ستة أشهر من الواردات)، صمام أمان مهماً، تدعمه أيضاً تسهيلات ائتمانية مرنة من صندوق النقد الدولي بقيمة 4,5 مليارات دولار تم الحصول عليها سنة 2025. وفي ما يتعلق بالمالية العمومية، تتوقع الوكالة تقليصاً تدريجياً لعجز الميزانية نحو 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، مدفوعاً بالإصلاحات الجبائية وتوسيع الوعاء الضريبي. غير أن هذه الوتيرة قد تتباطأ بفعل النفقات المرتبطة بالاستثمارات العمومية، والسياسات الاجتماعية، وإجراءات دعم القدرة الشرائية في مواجهة التضخم، خاصة في قطاعات حساسة مثل النقل.
وتظل المديونية العمومية في مستويات مضبوطة، مع هيكل مريح يتميز بمتوسط آجال استحقاق يقارب ثماني سنوات، وانكشاف محدود لمخاطر سعر الصرف. وفي الختام، أشارت الوكالة إلى استمرار بعض الهشاشات الهيكلية، من بينها ارتفاع معدل البطالة (حوالي 13 في المائة)، والتفاوتات المجالية، واتساع القطاع غير المهيكل. وقد باشرت الحكومة إصلاحات تهدف إلى خفض البطالة إلى 9 في المائة في أفق 2030، من خلال الاستثمار في التعليم والتكوين، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتوسيع الحماية الاجتماعية التي تشمل حالياً نحو 25 مليون مستفيد. وتعكس النظرة المستقبلية المستقرة، بحسب الوكالة، توازناً بين التقدم المحقق في مجال الإصلاحات والتحديات المرتبطة بالظرفية الدولية. وقد يتم خفض التصنيف في حال تدهور كبير في المالية العمومية أو الوضع الخارجي، فيما يبقى تحسينه رهيناً بتسريع وتيرة النمو وإحراز تقدم إضافي نحو نظام صرف أكثر مرونة.





