حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

حدود الدم وحدود الاهتمام

نعيمة لحروري

 

في كل مرة يسقط فيها مغاربة على الحدود الشرقية، لا يكون أول رد فعل عند كثيرين هو السؤال عما جرى، بل نفيه. قبل أن يجف الدم، وقبل أن تستوعب العائلات الفاجعة، يظهر من يقول إن الخبر غير صحيح، أو مبالغ فيه، أو مجرد إشاعة في سياق توتر سياسي. يحدث هذا رغم وضوح الوقائع، ورغم معرفة الأسماء، ورغم وجود عائلات حقيقية خرجت من الصدمة إلى المطالبة بجثامين أبنائها.

كثيرون لم يصدقوا أن القتلى مغاربة، لا لأنهم اقتنعوا برواية جزائرية مضادة، بل لأنهم اختاروا أسهل الطرق: تكذيب الخبر من أساسه. الهروب إلى الإنكار، لا بحثا عن الحقيقة، بل هروبا من ثقلها. فالحقيقة، حين تكون دامية، تفرض موقفا أخلاقيا، والمواقف مكلفة.

هذا السلوك ليس جديدا. هو نمط يتكرر كلما قتل أو اعتقل مواطنون مغاربة هناك. يتم القفز عن الحدث، أو التشكيك فيه حتى يفقد وزنه، أو دفنه تحت عبارات فضفاضة من نوع «ننتظر التأكد». والسؤال الحقيقي هنا ليس لماذا ينكر البعض ما جرى، بل لماذا يصبح الإنكار ممكنا وسهلا إلى هذا الحد؟

هل لأن الضحايا من إقليم بعيد؟

هل لأن الأسماء تنتمي إلى مدن هامشية لا تحضر بقوة في المركز الإعلامي؟

هل لأن بوعرفة وجرادة والشرق المنسي لا تحرك نفس الحساسية التي تحركها مدن أخرى؟

ماذا لو كان القتلى من الرباط، أو الدار البيضاء، أو طنجة؟

هل كان النفي سيصمد؟

هل كان الصمت سيطول؟

هل كان التفاعل الإعلامي وعلى وسائل التواصل الاجتماعي سيكون بنفس البرود؟

المؤلم أن جزءا كبيرا من هذا التعتيم لا يفرض من الخارج، بل يصنع داخليا. نصنعه حين نميز بين دم ودم، وحين نتعامل مع الجغرافيا بمنطق القيمة، وحين نقرر، بوعي أو بدونه، أن بعض المآسي قابلة للتجاهل أو التشكيك.

القضية هنا ليست فقط حدودا ولا نظاما عسكريا، بل هي وعي جماعي يحتاج إلى مراجعة. الدم المغربي لا درجات له، والكرامة لا تقاس بالمدينة ولا بالجهة. ومن يسقط في الهامش يسقط في قلب الوطن.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى