حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأي

حرب «الكمامات» الجديدة

يونس جنوحي
في الوقت الذي كان يجب أن يهتم الرأي العام بالإجراءات الوقائية التي تتخذها الحكومات لمنع تسرب فيروس «كورونا» عبر حدودها الجوية، البحرية والبرية، انكب الاهتمام على المضاربات الواقعة في مخزون «الكمامات» التي ارتفع عليها الطلب فجأة في التسوق عبر الأنترنيت.
وحسب متخصصين في التسويق عبر الشبكة، فإن شبانا مغاربة عرضوا منذ ظهور «كورونا» كميات كبيرة من الكمامات الصينية للبيع، وقام تجار صينيون باقتنائها منهم، وهو ما جعل شبابا آخرين يفكرون في الأمر نفسه. ليُسجل هذا النقص الكبير في الكمامات الطبية، بينما ظهرت شركات أخرى تقدم كمامات بما يعادل ألفي درهم للكمامة الواحدة، لأنها تحمل توقيع ماركات موضة عالمية شهيرة. «العالم يتجه نحو حتفه» فعلا، كما قال الصينيون. ومقدار الحمق يزداد حدة ويظهر المعدن الحقيقي للعقل البشري في مثل هذه الأزمات.
ليس من الصدف، أن تعيد مجلة «باري ماتش» الفرنسية الشهيرة نشر جزء من أرشيفها القيم عن زلزال أكادير في ذكراه الستين التي تم إحياؤها السبت الماضي. المجلة نشرت أقوى 15 صورة عن الزلزال لمصور فرنسي كانت المجلة أوفدته في يوم الزلزال ليقضي أسبوعا كاملا وسط أكادير ويرصد أقوى اللقطات الإنسانية لانتشال الجثث ولحظات إنقاذ الناجين ومخيمات الإيواء وتوزيع الطعام وحتى ترحيل الأطفال الذين أضحوا يتامى بعد أن قضى آباؤهم أسفل الردم.
أشار إليّ صديق فرنسي من مواليد مدينة أكادير، بدا متأثرا وهو يرى صورة لعمارة صغيرة كان منزل والديه على يمينها. لكن المثير في الصورة أن عامل إنقاذ كان يضع كمامة بيضاء تغطي أنفه ووجهه أثناء الإنقاذ، بينما كان عامل إنقاذ آخر يُركب كمامة على وجه رجل آخر يهم بالنزول إلى حفرة إسمنتية. مفارقة ساخرة تماما، إذ قبل ستين سنة كانت الكمامات تتوفر في أوساط فرق الإنقاذ الدولية التي توافدت إلى أكادير لتقديم المساعدات، وعرضت أسر من مختلف أنحاء العالم رغبتها في تبني الأطفال الذين فقدوا أسرهم في الزلزال المدمر. حدث هذا في زمن الرسائل التي تنتظر أسابيع حتى تصل إلى أصحابها.
تساءل صديقي الفرنسي كيف كانت الأوضاع ستكون لو أن الأنترنيت كان مُتاحا أيام زلزال أكادير. لا شك أن عددا من الأطفال الذين تاهوا عن أسرهم بسبب حداثة سنهم، كانوا سيعودون إلى أقربائهم بفضل خاصية تداول الصور، لكن أيضا يجب أن نتوقع أن الكمامات الطبية كانت ستختفي بدورها بسبب المضاربات التي يقوم بها تجار الأنترنيت!
حسب آخر الأخبار المتوفرة في الموضوع، فإن مقاولات صينية متخصصة فتحت باب العروض لتلقي كميات من مخازن كانت تحتكر تصدير الكمامات الطبية إلى الصين، بعد أن كان الصينيون يتصدرون لائحة الدول المنتجة لهذه الكمامات الطبية، على اعتبار أن مدن النسب الكبرى للتلوث الصناعي ذات الكثافة السكانية الكبيرة، تتركز أساسا في الصين، ويرتفع لديها الطلب طيلة أيام السنة على هذه الكمامات. لماذا توقف إنتاجها إذن؟ وتُرك الباب للمضاربين لكي يتاجروا في كميات مخزونة في انتظار ارتفاع أسعارها بشكل صاروخي وعرضها للبيع بالطريقة التي تابعناها جميعا.
لقد أصبح العالم مجنونا بحق في التعامل مع الكوارث الإنسانية. ستون سنة كانت كافية لكي نرى كيف أننا أصبحنا نُحول كل شيء لأصل تجاري.. «والعدادة بتحسب»، كما يقول أشقاؤنا المصريون الذين يبحثون بدورهم هذه الأيام عن الكمامات المعلومة بعد انتشار أخبار مُبالغ فيها عن عدد المصابين.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى