
محمد اليوبي
كشف تقرير أسود أنجزته لجنة افتحاص من المفتشية العامة للإدارة الترابية، التابعة لوزارة الداخلية، خروقات واختلالات خطيرة في مجال التعمير بجماعة بوسكورة بضواحي الدار البيضاء. وهي المنطقة التي تحولت إلى قبلة مفضلة لـ«لوبيات العقار»، نظرا لتساهل المسؤولين مع هذه الخروقات، ومخالفة ضوابط وتصاميم البناء ما يحقق لهم أرباحا خيالية مقارنة مع باقي المدن.
ويتضمن التقرير، الذي كان سببا في عزل الرئيس السابق للمجلس الجماعي، النائب البرلماني الاستقلالي، بوشعيب طه، مجموعة من الاختلالات الخطيرة التي همّت، على وجه الخصوص، منح رخص السكن وشواهد المطابقة ورخص الإصلاح، إضافة إلى شواهد الربط بالكهرباء والشواهد الإدارية المرتبطة ببيع العقارات، بالإضافة إلى رخص البناء والمصادقة على مشاريع عقارية في مخالفة صريحة لضوابط التهيئة المعمول بها.
مخالفة تصميم التهيئة
في الوقت الذي تنص فيه مقتضيات تصميم التهيئة، خاصة بالمنطقة المصنفة (C3)، على تخصيصها للتجمعات السكنية وفق نمط عمراني محدد، مع السماح بأنشطة تجارية للقرب في شروط مضبوطة، كشفت عملية تدقيق لعدد من الملفات عن الترخيص لإنجاز محلات تجارية بالطابق الأرضي داخل بنايات سكنية، دون احترام شرط الفصل بينها والوحدات السكنية، وهو ما يشكل خرقًا واضحًا للقانون.
ومن أبرز الملفات التي أثارت الانتباه، مشروع عقاري حصل على رخصة بناء سنة 2021 فوق عقار يوجد جزء منه في منطقة ممنوع فيها البناء بمحاذاة واد بوسكورة. ورغم هذا المعطى، سبق لصاحب المشروع أن استفاد من رخصة استثنائية سنة 2016 لإنجاز فندق، قبل أن يتحول المشروع لاحقًا إلى قطب تجاري وترفيهي يضم محلات ومطاعم ومحطة وقود، في مسار يطرح أكثر من علامة استفهام.
الأكثر إثارة أن لجنة الدراسة باشرت النظر في مشروع القطب التجاري قبل التقدم بطلب رسمي بشأنه، ما يثير تساؤلات حول شفافية المساطر المعتمدة، إلى جانب الترخيص بإنجاز المشروع بثلاثة مستويات، رغم أن تصميم التهيئة لا يسمح إلا بطابقين، في خرق إضافي للمقتضيات القانونية.
وسجلت المعطيات أيضًا غياب عدد من الوثائق الأساسية، من قبيل تصريح افتتاح الورش ودفتر الورش القانوني، إلى جانب عدم إعداد دفتر تحملات يحدد الشروط التقنية للمشروع، رغم طبيعته المركبة، فضلا عن إنجاز تجهيزات وطرق داخلية دون مراقبة جودتها أو تسلمها وفق المساطر، قبل إدماجها ضمن الملك العام، ما قد يشكل عبئًا على الجماعة. ولم تتوقف الاختلالات عند هذا الحد، إذ تم الترخيص بإقامة مشاريع في مناطق مهددة بالفيضانات بمحاذاة واد بوسكورة، دون احترام صارم للاحتياطات البيئية، خاصة بالنسبة لمشاريع مصنفة كالمحطات الوقودية.
خروقات في منح الرخص
كشفت المعطيات عن خروقات في منح رخص البناء داخل المنطقة الفلاحية، حيث تم تجاوز الشروط المرتبطة بالمساحة الدنيا ونسبة البناء وعدد الوحدات المسموح بها، ما يفتح الباب أمام استغلال غير قانوني للعقار الفلاحي، مع تسجيل اختلالات في مسطرة منح رخص التقسيم، من بينها غياب ممثل المحافظة العقارية عن اللجان المختصة، خلافًا لما تنص عليه القوانين، إضافة إلى منح تراخيص استنادًا إلى أحكام قضائية دون استكمال باقي المساطر التنظيمية.
وفي ما يتعلق برخص السكن، تم تسجيل منح ما لا يقل عن سبع رخص بناءً على شواهد مطابقة صادرة عن مهندسين معماريين، رغم أن الأشغال المنجزة لم تحترم التصاميم المرخصة، سواء بسبب عدم اكتمالها أو إدخال تغييرات جوهرية أثناء التنفيذ، وتبين، كذلك، أن عدداً من هذه الرخص منحها الرئيس المعزول دون إجراء معاينات ميدانية، مع الاعتماد فقط على شهادات المهندسين، وفي غياب وثائق أساسية، من بينها شهادة مطابقة الأشغال المتعلقة بشبكات الاتصالات.
وسجلت لجنة التدقيق كذلك منح رخص سكن رغم وجود محاضر رسمية تؤكد عدم احترام التصاميم، بل وحتى في غياب محاضر التسلم المؤقت لأشغال التجزئات السكنية. ومن بين الملاحظات البارزة، كذلك، إدخال تعديلات مرتبطة بتغيير طبيعة بعض البقع الأرضية، وتحويل وجهتها من تجهيزات عمومية إلى مشاريع سكنية أو استثمارية، ما أدى إلى ضغط إضافي على البنيات التحتية وأخل بالتوازن العمراني الذي كان مفترضًا في المشروع.
أما بخصوص رخص الإصلاح، فقد تم الوقوف على حالات جرى فيها استعمال هذه الرخص غطاء لإنجاز أشغال بناء جديدة، مع استخلاص رسوم خاصة بالبناء، وهو ما أكدته زيارات ميدانية، كما منح الرئيس المعزول هذه الرخص في غياب وثائق إلزامية كالتصاميم المعمارية، وشهادات الملكية ورخص السكن، بل وحتى دون التوفر على الرخص الاقتصادية بالنسبة للمحلات التجارية، وفي بعض الحالات بناءً على عقود عرفية غير قانونية.
وفي ملف شواهد الربط بالكهرباء، رصدت لجنة التدقيق تجاوزات واسعة، شملت منح هذه الشواهد لبنايات غير قانونية أو مشيدة في مناطق ممنوعة البناء، أو بناءً على وثائق غير قانونية كعقود عرفية أو عقود بيع غير مستوفية للشروط. كما تم تسجيل حالات تسليم شواهد لأشخاص لا يقيمون داخل النفوذ الترابي للجماعة، وأخرى لبنايات سبق أن كانت موضوع مخالفات مسجلة من طرف السلطات المحلية.
ولم تتوقف الاختلالات عند هذا الحد، إذ جرى تسجيل منح شواهد إدارية تتيح بيع أجزاء من عقارات دون احترام القوانين المنظمة للتجزئات والتقسيمات العقارية، خصوصاً القانون 25.90. وتشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن هذه الشواهد، التي تحمل عبارة «الموافقة على البيع»، استُغلت في عدد من الحالات لتقسيم عقارات بشكل غير قانوني، خاصة في مناطق خاضعة لتصاميم التهيئة، كما شملت التجاوزات تصحيح إمضاءات عقود بيع مرتبطة بتقسيمات غير قانونية لعقارات، تم إنجازها دون الحصول على التراخيص اللازمة، رغم وقوع هذه العقارات في مناطق مشمولة بوثائق التعمير، ما يفرض قانونيا الخضوع لمساطر دقيقة قبل أي عملية تفويت أو تقسيم.
وتضع هذه المعطيات تدبير الشأن التعميري ببوسكورة تحت مجهر المساءلة، كما تطرح علامات استفهام كبرى حول مدى احترام القانون ودور الجهات الوصية في مراقبة وضبط هذه الاختلالات التي قد تساهم في تفشي البناء غير القانوني وتفويت العقارات خارج الإطار القانوني.





