حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرأيالرئيسيةسياسية

زواج ليلة

كان الزواج في زمن مضى يشبه صفقة محسوبة بدقة، يلتقي فيها العرض والطلب تحت سقف واحد، دون الحاجة إلى قصائد ولا إلى رسائل صوتية منتصف الليل. كان الرجل يأتي محملاً بقدراته على الحماية والكسب، وتأتي المرأة محملة بقدرتها على الإنجاب وتدبير البيت، ويجلس الطرفان، أو بالأحرى تجلس العائلتان، لتوقيع عقد غير مكتوب مفاده: أنت تؤمّن وأنا أستمر. لم يكن الأمر رومانسياً، لكنه كان واضحاً، والوضوح فضيلة اقتصادية قبل أن يكون فضيلة أخلاقية.

اليوم انقلبت المعادلة رأساً على عقب. لم يعد أحد يسأل عن الدخل القار أو الاستقرار المهني أو الامتداد العائلي، بل عن عدد الرسائل اليومية و«الستوريات» و«السنابات»، وعن مهارة ملاحقة المحبوب بالإعجابات الفيسبوكية. صار الحب عملة متداولة بلا غطاء، أشبه بنقود ورقية فقدت ارتباطها بالذهب منذ زمن، ومع ذلك يصر الجميع على التداول بها وكأنها لا تزال ذات قيمة ثابتة.. والنتيجة؟ تضخم عاطفي يقابله إفلاس واقعي.

المفارقة أن الإنسان، في جوهره التطوري، لم يتغير كثيراً. فمبدأ الهايبرغامي، أي ميل النساء تاريخياً لاختيار شريك أعلى منهن في المكانة أو الموارد، لم يكن نزوة عابرة، بل آلية بقاء. كانت المرأة تختار الرجل الذي يضمن لها ولأطفالها فرصاً أفضل، لا الرجل الذي يجيد كتابة «اشتقت لك» بخط جميل.. لكن يبدو أن هذه الآلية تعرضت في العصر الحديث لهجوم ناعم من ثقافة رومانسية مفرطة، أقنعت الكثيرات بأن الحب وحده يكفي، وأن الفواتير والضرائب يمكن تسديدها بالمشاعر.

هكذا نجد، اليوم، ظاهرة غريبة: عاطلون عن العمل يرتبطون بعاطلات عن العمل، باسم الحب، ثم يكتشفون، لاحقاً، أن الحب لا يدفع الإيجار ولا يشتري الحليب. يدخل الطرفان في علاقة أشبه بشركة ناشئة بلا رأس مال، يعتمد مؤسسوها على الحماس وحده، ثم يتفاجؤون بأن السوق لا يكافئ النوايا الحسنة. تبدأ المشاكل صغيرة، فاتورة كهرباء هنا، دين بسيط هناك، ثم تتراكم لتتحول إلى كرة ثلج تدهس ما تبقى من رومانسية الطريق.

في هذا السياق يصبح الزواج الحديث مختبراً مثالياً لإنتاج الأزمات. ليس فقط أزمات فردية داخل البيوت، بل أزمات تمتد إلى المجتمع ككل. حين يتكاثر الأزواج غير القادرين اقتصادياً، فإنهم لا ينجبون فقط أطفالاً، بل ينجبون أيضاً هشاشة اقتصادية واجتماعية، وقد يساهمون، دون قصد، في رفع منسوب التوتر والجريمة. فالفقر، كما نعلم، ليس مجرد رقم في تقرير، بل بيئة خصبة لكل أشكال الانفجار الصامت.

الغريب أن الخطاب السائد يصر على تمجيد هذا التحول، ويعتبر أي حديث عن المال أو الاستقرار نوعاً من المادية المقيتة. يُطلب من الناس أن يحبوا فقط، وأن يثقوا بأن «الأمور ستتحسن»، وكأن الاقتصاد كائن خجول يحتاج فقط إلى بعض الإيجابية ليزدهر.. لكن الواقع أقل لطفاً من هذه الشعارات. الواقع يقول إن الزواج، مهما تزيّن بالكلمات، يظل مؤسسة لها كلفة، وأن تجاهل هذه الكلفة لا يلغيها بل يؤجلها، غالباً إلى لحظة أكثر قسوة وعنفا.

هذا لا يعني، بالطبع، أن النموذج القديم كان مثالياً. فقد كان بدوره قاسياً أحياناً، ويختزل الإنسان في أدوار جامدة. غير أن بين برودة الصفقة القديمة وفوضى العاطفة الحديثة، يبدو أننا انتقلنا من تطرف إلى آخر، دون أن ننجح في بناء صيغة متوازنة تجمع بين القلب والعقل، بين الشعور والحساب.

ربما المشكلة الحقيقية ليست في الحب ذاته، بل في تحويله إلى أساس وحيد لقرار معقد كقرار الزواج. الحب، في أفضل حالاته، شرارة بداية، إلا أنه ليس خطة عمل. وحين يُطلب منه أن يؤدي أدواراً لا يجيدها، كضمان الاستقرار أو إدارة الموارد، فإنه ينهار تحت الضغط، ويترك أصحابه يتساءلون: أين ذهب كل ذلك الشغف؟

يبدو أن الزواج المعاصر يعيش أزمة تعريف. هل هو قصة حب طويلة، أم مشروع حياة مشترك؟ هل هو مساحة للمشاعر فقط، أم إطار لتقاسم المسؤوليات؟ إلى أن يُحسم هذا السؤال، سنظل نشاهد المزيد من العلاقات التي تبدأ بقصيدة وتنتهي بكشف حساب، علاقات تؤمن بالحب حد السذاجة، ثم تكتشف متأخرة أن الاقتصاد، على عكس العاطفة، لا يجامل أحداً أبداً، ولا يصفق للنوايا الحسنة مهما كانت ناعمة. لذا من الشجاعة أن نواجه نحن النساء أنفسنا بحقيقة تقتلعنا من عوالم الخيال الرومانسي، وتلقي بنا في صلب تقلبات أسواق المحروقات والمواد الأساسية. حقيقة تقول إن الزواج عن حب، دون ضمانات مادية، أسهل طريقة يحصل بها الرجل الفقير على خادمة.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى