
في كل مرة يعلن وزير أو وزيرة عن «برنامج تكويني للمقبلين على الزواج»، ينتاب البعض إحساس غريب يشبه ذهابك إلى ميكانيكي لتعلّم قيادة السيارة وأنت لا تزال تخشى ركوب الدراجة. ومع ذلك، لا بد أن نقرّ بأن وزارة التضامن التقطت شيئا عميقا في بنية المجتمع: الناس يتزوجون كثيرا دون أن يعرفوا لماذا يتزوجون، ويتطلقون أكثر لأنهم اكتشفوا بعد فوات الأوان أن الزواج ليس موسماً من مواسم «الانستغرام»، بل مؤسسة اجتماعية لها قوانينها وميكانيزماتها وصدماتها الحرارية.
السؤال هنا: هل يحتاج الرجل والمرأة إلى دورات تكوينية قبل الإقدام على الزواج؟ الجواب السوسيولوجي: نعم. الجواب السيكولوجي: نعم جدا. فالمغاربة يقضون شهورا في حفظ مدونة السير ولا يخصصون سوى أسبوعين لاختيار شريك العمر.
لو عدنا قليلاً إلى الوراء، سنجد أن مؤسسة الزواج في الماضي كانت أقل رومانسية وأكثر وظيفية. المرأة لم تكن تملك دخلاً مستقلاً، والرجل لم يكن يعرف شيئاً اسمه «المصاريف المشتركة»، والطلاق كان فضيحة تحتاج طابوراً من الوسطاء وجرعة معتبرة من الصبر العائلي. لكن اليوم تغيّر كل شيء. دخلت المرأة سوق العمل، تعلمت، امتلكت راتباً، بطاقة بنكية وربما سيارة وشقة، فأصيبت المنظومة الذكورية بارتجاج نفسي جعلها تكتب على فيسبوك أن «العيالات ضسرو وشبعو خبز». في المقابل، ردّت النسويات بأن «الرجل الحديث عبء ينبغي معالجته أو تجاوزه»، فتحولت العلاقة بين الجنسين إلى حرب أهلية رقمية يمارس فيها كل طرف هوايته المفضلة: جلد الطرف الآخر وتحميله مسؤولية خراب العالم منذ بدء الخليقة إلى آخر لايف «لمايا» على تيك توك.
هنا يظهر دور الدورات التكوينية، لا لأنها ستخلق جيلاً من الأزواج الملائكة، بل لأنها قد تساعد على علاج الارتباك الوجودي الذي أصاب العلاقة بين الرجل والمرأة. فالمشكلة لم تعد في «من يدفع فاتورة العشاء»، بل في الجرح العميق الذي تركته معارك النسويات والذكوريين في الوعي الجماعي. الرجل يشعر بأنه مراقب ومحاصر ومتهم مسبقاً بأنه مشروع طاغية صغير. والمرأة تشعر بأنها مطالبة بأن تكون ناجحة، مستقلة، جميلة، قوية، حساسة، طباخة، ممرضة، وخادمة في الوقت نفسه، وإلا سقطت من لائحة النساء «المرضيات بنات الأصل».
تقول السوسيولوجيا إن تغير البنية الاقتصادية يؤدي دائماً إلى تغير البنية الأسرية. عندما أصبحت المرأة مستقلة مادياً، أصبح قرار الانفصال أسهل، ليس لأن النساء أصبحن «متمردات»، بل لأنهن لم يعدن مضطرات للبقاء في علاقات غير صحية خوفاً من التشرد أو الفقر. في الماضي، كانت المرأة تعتمد اقتصادياً على الرجل، وكان الطلاق يعني العودة إلى بيت العائلة تحت إشراف لجنة أخلاقية تجتمع يومياً حول مائدة الغداء. اليوم، تستطيع المرأة أن تعيش وحدها وتؤدي فواتيرها وتشتري قهوتها دون إذن، وهذا يربك بعض الرجال الذين ما زالوا يعيشون في نسخة مجددة من «سي سيد» دون أن يدركوا أن الزمن تغيّر.
من ناحية تاريخية، كلما ارتفع تعليم المرأة واستقلالها المالي ارتفعت نسب الطلاق. هذا يحدث في أوروبا منذ القرن التاسع عشر، وفي أمريكا منذ الستينيات، وفي المغرب منذ العقدين الأخيرين. لكن المشكلة ليست الطلاق في حد ذاته، بل نوعية الزواج. نحن ننتقل من زواج الضرورة إلى زواج الاختيار، ومن زواج «السترة» إلى زواج «التوافق»، وهذا التحول يحتاج إلى أدوات معرفية: فهم النفس، فهم الآخر، إدارة النزاعات، التواصل غير العنيف والتعامل مع اختلاف القيم والأحلام والسرديات.
الدورات التكوينية يمكن أن تلعب دور «المساحة الآمنة» التي يتعلم فيها المقبلون على الزواج أن الحب وحده لا يكفي، وأن الغيرة ليست رومانسية، وأن الصبر ليس أن تتحمل التعاسة، وأن النضج ليس أن تبتلع غضبك بل أن تفهم مصدره. يمكنهم أيضاً تعلم مهارة بسيطة لكنها غائبة: الحديث بوضوح. فالكثير من الأزواج ينهارون لأن أحدهم ظن أن الآخر «سيفهم دون أن أتكلم»، بينما الحياة الزوجية لا تعترف بالحدس بل تعترف بالمصارحة.
أما الحرب بين النسويات والذكوريين، فهي تؤثر على قرار الارتباط أكثر مما نعتقد. شاب في العشرينات يرى المحتوى الذكوري المتطرف يخبره بأن الزواج فخ وأن المرأة «عدو طبقي». وفي الجهة المقابلة، فتاة تستمع لمحتوى نسوي متطرف يخبرها بأن الرجل خطر محتمل وأن الزواج مؤسسة قمعية. النتيجة: جيل من الخائفين والمترددين الذين لا يعرفون كيف يقتربون من بعضهم لأن كل طرف يحمل درعاً وسيفاً. الدورات التكوينية قد تساعد على فك هذا الاشتباك عبر إعادة تعريف الزواج ليس كمعركة، بل كشراكة قابلة للنجاح إذا فهم كل طرف حدوده وأدواره ورغباته.
السؤال ليس هل نحتاج الدورات، بل لماذا تأخرنا إلى هذا الحد في اعتمادها؟ نحن نعيش زمناً تتغير فيه الأدوار، وتتصادم فيه التوقعات ويبحث فيه الجميع عن علاقة صحية في عالم مضطرب. لذلك قد تكون الدورات التكوينية مجرد خطوة صغيرة، لكنها، على الأقل، خطوة في الاتجاه الصحيح، لأن الزواج لم يعد مجرد قدر، بل مشروع يحتاج إلى تدريب قبل التشغيل. والله يجعل كلشي مبارك ومسعود.





