
إعداد وتقديم: سعيد الباز
يعد الشاعر العراقي الآشوري سركون بولص أحد رواد قصيدة النثر العربية وكبار المترجمين. لم يكن، فقط، صاحب كشوفات شعرية مذهلة، بل اختط لنفسه معمارا شعريا تمتزج فيه الرموز والأساطير الخاصة ببلاد الرافدين، إضافة إلى عناصر تنتمي جلّها إلى سيرته الذاتية ومفاصل حياته الخاصة، التي لم تكن سوى سيرة موازية لسلفه الأسطوري جلجامش، حيث يعود سركون بولص إلى ذاكرته الأولى، في رحلته الشعرية نحو العالم، حاملا معه قصيدة يتلوها في سفره الأسطوري.
بولص.. بين جلجامش والسندباد
سركون بولص شاعر معروف بهدوئه، وعبوره السلس في أهم محطات القصيدة العربية الحديثة بخفة الهواء، مبتعدا، كعادته، عن الكثير من المشاحنات التي رافقت ولادة قصيدة النثر العربية الأولى والثانية، أي مرحلة مجلة «شعر» اللبنانية أواسط الستينات، والموجة التالية نهاية القرن العشرين، وفي المرحلتين معا كان مؤثرا أكثر من غيره من معاصريه رغم كونه تأخر كثيرا في نشر أعماله، إذا أخذنا بعين الاعتبار امتداد تجربته في الكتابة من بداية الستينات إلى أيامنا هذه بحكم استمرار تأثيرها في الأجيال التالية، وتنوع أشكال الكتابة من شعر وقصة وترجمة.
ولد بولص بالقرب من بحيرة الحبانية في العراق من أسرة آشورية وصفها بقوله: «وُلِدت بالقرب من بحيرة الحبّانية، وأذكر أنّ أمواجها الخاملة كانت عند الفجر، وهي تنسحب، تخلّف أسماكاً صغيرة تتراقص على الرمال محاولة اللحاق بالموج. كنت ألتقط بعضها وآخذه إلى أمي لتطبخه. تجوّلت كثيراً وأنا طفل في التلال الصخريّة القريبة، هرباً من البقاء في البيت».
رحلت الأسرة إلى كركوك سنة 1956 بسبب ظروف اقتصادية حادة. وفي هذه المدينة كانت طفولته الأولى وضعت الأسس لتجربته الشعرية ككل، عرف أثناءها بولعه الشديد بكرة القدم والرسم وقراءة الأدب الإنجليزي بداية، ثم شغفه القوي بالأدب العربي، خاصة القديم منه. هذا الشغف يرجعه سركون إلى والدته: «أمي من الشمال، من الموصل. ولغتها عربية بالإضافة إلى أنّها تتكلم آشورية الكلدان. لكنّها تربّت على اللغة العربية، بلهجة نقية. وأكثر المسيحيين في الشمال، وخصوصا الكلدان، يتكلمون العربية بشكل ممتاز، بشكل حقيقي. لذلك أمّي كانت سببا في أنّ اللغة العربية كانت ترنّ في أذنَي منذ البداية، كما أعتقد الآن».
ومن خلال الصدفة البحتة كان اللقاء بين من سيصبحون «جماعة كركوك» التي حملت هموما شعرية مختلفة إلى القصيدة العراقية والعربية. فبداية كان سركون المؤثر الكبير في الشاب الآشوري الآخر الأنيق الذي يعد من أكثر الشعراء العراقيين عبثا وفوضوية جان دمو، ثم مؤيد الراوي، جليل قيسي، فاضل عزاوي، صلاح فائق، أنور غساني، يوسف الحيدري، الأب يوسف سعيد.. كانت الانطلاقة الحقيقية لسركون مع أولى قصائده في مجلة «شعر» البيروتية التي احتفت كثيرا، دون أن تراه، بهذا الشاب العراقي الذي يبدو كما لو أنه آت من الزمن الأول لأساطير بلاد الرافدين.
في بغداد، التي انتقل إليها كما لو أنه يضع الخطوة الأولى لرحلة جلجامش القديمة، حيث سيلتقي بالشاعر والروائي جبرا إبراهيم جبرا الذي رعاه مدة وساعده أخيرا حينما استبدت به فكرة الرحيل إلى بيروت، ليقوم بهجرة سرية عبر الصحراء على الأقدام إلى قرية القائم الحدودية مع سوريا.. لكن بيروت لن تكون سوى محطة من المحطات، فإلى نيويورك، وسان فرانسيسكو حيث شارك الهنود الحمر احتجاجاتهم، وكان ضمن المبحرين الهنود إلى سجن ألكتراس، وفي ما بعد، كان لقاؤه الشعري والشخصي بشعراء «البيتينكس» Beat Generation آلان غينسبرغ وجاك كيرواك وغريغوري كورسو وبوب كوفمان، وقدم أولى الترجمات العربية لهذه الحركة الأدبية الاحتجاجية أيام حرب الفيتنام، وخاصة القصيدة الملحمية «عواء» لغينسبرغ، التي تعد في حدّ ذاتها إبداعا فريدا، نظرا لصعوبات تعتري نقلها إلى العربية بلغت في بعض مستوياتها درجة الاستحالة.
رحلة سركون بولص لا تقف عند حدود الأمكنة، فهو في كل مرحلة يواصل تقمص روح جلجامش وأحيانا أخرى روح السندباد. مرة كان يقول: «عشرون سنة في أمريكا كافية، لكن خمس سنوات أخرى شيء لا يطاق»، ومرة أخرى: «لم أذهب إلى الغرب طالبا أو باحثا ينتظر أن ينهي دراسته ليعود إلى بلاده وفي جعبته شهادة، بل ذهبت كزائر لا يدري إلى متى ستمتد فترة إقامته». وبالفعل واصل طريقه إلى مدينة أين، ليس كعنوان لكتابه الشعري الأول «الوصول إلى مدينة أين» بل كحقيقة بصمت حياته حتى اليوم الأخير من حياته.
حسن نجمي.. سركون تكثيف للشعرية العراقية كلّها
… كنتُ مع شاعر يحملُ الفَانُوس ويضيء ليل الخطوات المندهشة المتعثرة. سَرْگونْ وهو يمشي، وهو يتوقَّف قليلاً، وهو يدخل مطعماً، وهو يدخُل متجراً، وهو ينْدسُّ في كشك أو بَارْ، وهو يدخل مكتبة، وهو يحيّي صديقاً أمريكياً، وهو يعثر مصادفةً على شاعرٍ فيقدمه إليَّ ويقدمني إليه، وهو يتحدث بهدوء وعمق وثقة في الفكرة والعبارة، وهو يخطو حاملاً العَالَم في رأسه، حاملاً جسده في العَالَم، وهو يعرف كيف يرى، وكيف يصف، وكيف يسمّي، وكيف يقول الأشياء. كأنّي لم أرَ سان فْرانْسِيسْكُو حين كنتُ فيها، وإنّما كنت أقرؤُها في نصّ لاَ مَرئي على أطراف أصابعه وإيماءات يَديْه وعينَيْه.
أحياناً، تصبح المدن مجرد لغة حين نكون برفقة مَنْ يَعْرف كيف يتكلم عنها. أحياناً، تصبح مرآةً لروح الإنسان الذي يقَدِّمُها بحب إليك. تَشِفُّ المدينة كما تَشِفُّ روحُه حين يتمثَّلُها ويستَبْطنها، ويقدمها إليك كما لو كان يضَعُ روحه على طبقٍ…
كان سَرْگونْ تكثيفاً للشِّعْرية العراقية كُلِّها، كان مُصَاهَرةً مفتوحة على أبرز وأعمق وأصْفَى المرجعيات والخِبْرات الشِّعْرية والجمالية العربية. غذَّى الآخرين وتَغَذَّى منهم، أضاءهم وأضاؤوه، رافقَهُم وصاحَبَهُم واستأنس بهم فاستأنسوا به، أحبَّهم وأَحبُّوه. وعثر على مكانه بينهم على الخريطة. كما عثر على لغته داخل اللغة. ابتكر للمنفى، للعزلة، للصمت، للمغامرة، للمجهول مُعْجَماً يَلِيقُ بِكُلِّ هَذِهِ الحَالاَتِ الَّتي تُحْيِي وتُمِيتُ. كأنَّما حملته محفَّةُ القصيدة إلى أعالي الحياة، ثم نزلت به إلى أعماق اللؤلؤ وهشاشة العُشْب.
بَدَتْ له الأرض بريةً مفتوحة فانتشر فيها.
القصيدة سمكة الأبدية.. الشاعر صيادها
يبدو لدى الشاعر سركون بولص، في كتابه الشعري الأول «الوصول إلى مدينة أين»، هاجس تسجيل ملامح كلّ محطة من محطاته الحياتية والخيالية التي يمر بها بوصفه كائنا موجودا في العالم… يسجّل أسطورته الخاصة بالصورة المدهشة والإيقاع المتفرّد، من هنا حضر التجريب في اللغة إلى حدّ التغريب، أو كما عبر عنه بنفسه: «هنا اقتربت من العماء اللغوي مشجعا في نفسي قوى مجهولة مخيفة تاركا لها أن تفعل فعلها دون حواجز تقريبا، لأرى ما سيظهر وكأنّي غريب يقف على حدة في مشهد الولادة.
كانت اللغة العربية بالنسبة إليّ بكرا، مليئة بالمجاهيل، وفيها إمكانات لا نهائية، وجدت نفسي مبهورا أمامها… ذلك الكتاب الأوّل كان ثورتي على نفسي كشاعر، وعلى اللغة وما هو متوقع منها شعريا، وفيه اكتشفت القوى الكامنة في قصيدة النثر الحقيقية، التي تكتب دون أن تأبه بالمواصفات السائدة في الوعي بالشعر كشكل موجود مسبقا، من هنا يمثل السفر روحا دافعة للغوص في الأبعاد الكامنة تحت قشرة التخييل الشعري، والإطارات الكتابية للوصول إلى السر».
ويضيف في أحد حواراته: «فالكتاب الأول كان بالنسبة لي عاصفة عاطفية، فكرية، وجودية، ولا تنس أنّها بقايا ما أتيت به إلى أمريكا، وفي أمريكا بدا لي أن الكتابة باللغة العربية نوع من العبث، لذلك فقدت ثقتي باللغة العربية، لذا حينما عدت إلى الكتابة بعد سنوات من التوقف والانقطاع، أردت أن ألتهم كل شيء، أن أكتب عن الماضي والحاضر والمستقبل، وعن الموضوع الذي أعيش فيه، كل هذا دفعة واحدة، لذلك أعتبر كتاب «الوصول إلى مدينة أين» يعني فعلا ما أعنيه، أي أنك لن تصل أبدا، أي أنني لم أصل إلى أيّ مكان، وهذا ما أردت أن أقوله، ولكن بطريقة تشاكس اللغة العربية وأقانيم الشعر العربي، بحيث إنني أردت الوحشية في اللغة، فالصوت هناك صوت شاب مُدمر لكنه مليء بالعاطفة ويخاف أن يفقد علاقته بالماضي فقدانا كاملا، فهذه القطيعة كانت موجودة ومشروعة. لذا كان كتابي هذا هو حربي الخاصة ضد هذا الانقطاع والاندثار للأشياء والذكريات والبلاد واللغة».
أمّا في كتابه الشعري «الحياة قرب الأكربول» فيحضر السرد بقوة، إلا أن الشعر هو الذي يقود النص إلى تأويلاته الخاصة، حيث الشعور الحاد بالفقد وبالضرورة القصوى لمواصلة السفر اللامتناهي، وتعليقا عليه يقول: هي مجموعة كُتبت معظم قصائدها في اليونان، وقرب «الأكروبول» فعلا، وبهذا المعنى كنت أقصد أن أخفف من الغربة، غربة الاغتراب المطلق، ولذلك أعتقد أن المناخ المتوسطي أفادني بحيث أصبح نوعا من الجسر بين الشرق الحقيقي وهو بالنسبة إليّ (العراق) وبين الغرب المطلق وهي (أمريكا). لذلك فإنّ المناخ المتوسطي أو الروح المتوسطية أعطتني فكرة (القلب) وهي الأكروبول. فهو نوع من المأوى للروح.
وفي هذا الكتاب انفتحت تلك الاشتباكة مع المعركة التي كنت أخوضها أثناء وجودي في أمريكا، بين الشرق المطلق الذي هو الطفولة والماضي الحقيقي والواضح وبين الغرب المطلق-أمريكا». أمّا في «حامل الفانوس في ليل الذئاب» وفي «إذا كنت نائما في مركب نوح»، فيتجه الشاعر إلى عودة ملحة إلى مشاغل الذاكرة، مرة أخرى إلى بغداد وكركوك، الطفولة وشخوصها، محاورات شعرية يعقدها الشاعر مع امرئ القيس وجبران خليل جبران… الأب والقرية، النهر والصحراء، هنا تتخذ اللغة نبرة هادئة وانسيابية… حالة من الترقب تطبع الشاعر وهو يتلقى الفكرة التي تشبه الثمرة… ليعود مشبعا بالتربة الأصل مفتوحا مرة أخرى على الأين.
صدوق نور الدين.. سركون في مدينة أزمور
لم تكن لسركون معرفة بمدينة أزمور، مثلما لم تتح الظروف زيارتها في سياق تردده على المغرب، إلا أن اختياره أزمور وليد دعوة اقترحها عليه خالد المعالي، حيث أقام في فندق صغير، فيما ظل بيتي مفتوحا له، كما بعض الأصدقاء. على أن مساءات الصيف في جلال وداعتها، كانت تسوقنا إلى مقهى قريب من البيت، هنالك تعرفت على سركون بولص حقيقة، إذ لم يكن الشاعر وحسب، وإنما المثقف الجامع الملم بالآداب العالمية في أفقها الأوسع، إلى آرائه الدقيقة في مسألة الترجمة وتصويباته لترجمات عربية تحققت لشعراء ومسرحيين عالميين: ييتس، أليوت وشكسبير.
وأستحضر أنه حدثني عن ترجمة قصيدة «عواء» للأمريكي ألن غنسبيرغ. قال أقدمت عليها بطلب من الشاعر الفلسطيني محمود درويش، حيث نشرها في أحد أعداد مجلة «الكرمل» لتظهر لاحقا ضمن منشورات دار الجمل المتميزة. وكما تحدث عن ترجمة هذه القصيدة، أشار لإعادة ترجمة كتاب «النبي» لجبران خليل جبران، علما بأن المتداولة وقعها المصري ثروت عكاشة. وهنا تمثل لحظة بكائه، وفي الواقع هما لحظتان وليست واحدة، الأولى في الدار البيضاء في الليلة الأخيرة، إذ وأثناء تجوالنا في وسط المدينة مرّ شابان ظل أحدهما يحدق في سركون بقوة، ليتوجه بالسؤال: أأنت الشاعر سركون بولص؟ ولما ردّ بالإيجاب، قال الشاب: أنا من قرائك المعجبين، ثم صافحه بحرارة ومضى. عندها دخل سركون في قداسة الصمت، فأحسست بمدى تأثره البليغ الذي عبرت عنه دمعتان مسحهما بيده اليمنى قائلا: لم أكن أتوقع.
أمّا الثانية فجرت وقائعها في السويد، وبالتحديد في مدينة «لوند» حيث أدون الهوامش. ذلك أنه كان يقصد وزميل المدينة الثانية في السويد هلسنبوري بغاية قراءة أشعاره، لولا أنهما أضاعا الطريق. ومن المفارقات أن سركون بولص لما فتح باب السيارة ليسأل عابرا، كان الأخير أخي الأصغر الذي سبق أن تعرف عليه في المغرب. عندها اشتعل فرحا وبكى تأثرا، ليخاطب مرافقه: هذا (ويقصد أخي) ولدي.
سركون بولص.. ترجمة الشعر تمرين يومي قاسٍ
كان الشاعر العراقي سركون بولص أكثر شعراء اللغة العربية مزاولة لترجمة الشعر من اللغة الإنجليزية على الخصوص بحرفية عالية وبوفاء نادر. اعتبر سركون مثاله الأعلى في الترجمة الكاتب الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا، فهو بالنسبة إليه مثال للمترجم الحق، خاصة في ترجماته لمسرحيات وليم شكسبير. فقد كان للترجمة تأثير عميق على لغته الشعرية على مستوى البناء والتركيب وخلق لغة جديدة، يقول عن هذا التأثير: «التأثير كان كبيرا جدا. والترجمة فن قائم بذاته وأنا عندما أترجم، خصوصا الشعر، أقوم بكتابة النص من جديد باللغة العربية محاولا أن أجد الصوت الكافل كما ينبغي أن يكون بالعربية لذلك الشاعر المترجم.
وهذا امتحان قاس جدا، والترجمة اليومية المستمرة هي نوع من التمرين بالنسبة لي. وهذا التمرين هو ممارسة اللغة لكي أجد البدائل في العربية لأقصى وأدق التعابير في اللغة الإنجليزية. والتحدي هو أن تجد في اللغة العربية التعابير الدقيقة والتراكيب المعقدة التي تجدها أحيانا عند كبار الشعراء. فمثلا أحيانا أقوم بترجمة أبيات من جحيم دانتي لأني أحب أن أترجم لنفسي المقاطع الصعبة لأمتحن اللغة العربية وأتساءل هل يمكن لهذه اللغة أن تعبر عن هذا الشيء أو ذاك كما أجده باللغة الانجليزية لأحد أعظم شعراء اللغة الايطالية.
ويقود هذا التمرين أحيانا الى تجاوز نفسك واللغة لاختراع نوع جديد من التراكيب الشعرية وكل هذا طبعا يؤثر في النهاية عليّ كشاعر عندما أكتب». فالشاعر عزرا باوند بالنسبة لسركون بولص لم يكن عظيم الأثر عليه فحسب، إذ أن ترجماته للشعر الصيني أحدث ثورة في اللغة الإنجليزية وقدمت درسا هائلا ومفيدا لدور الترجمة في إحداث التلاقح بين اللغات والثقافات المتباعدة.
يقول سركون بولص: «عندما ترجم عزرا باوند للشعر الصيني أحدث ثورة كبيرة في اللغة الإنجليزية على الإطلاق وما زالت أصداؤها تتردد حتى الآن، وفي كتابه Cathay، الذي ترجم فيه لأربع عشرة قصيدة صينية معروفة، عن الحرب وظهر في عام 1915 حين كانت الحرب العالمية الأولى جارية، أثر في الشعر الإنجليزي بعمق، لأنه قدم التراكيب أو«Ideographs » الصينية، أي وحدات الفكر والتعبير بها في اللغة الصينية. وعندما وجد لها عزرا باوند البديل باللغة الإنجليزية أحدث ثورة ومن هذه الثورة خرج شعراء كبار».
الحرية.. زيغمنت باومان
الفيلسوف وعالم الاجتماع البولوني الأصل زيغمنت باومان Zygmunt Bauman وصاحب سلسلة من الكتب التي نحت فيها مفهوما سوسيولوجيا مثل “الحياة السائلة” و”الحداثة السائلة” في مقابل مفهوم الصلابة، يرى في كتابه “الحرية” أنّ الحرية ليست حرية الشعارات الحالمة، هي أشمل من ذلك بكثير، الحرية تعيد تشكيل ذاتها باستمرار لتوافق أهواء أصحاب السلطة سواء كانوا أشخاص أو اتجاهات فكرية أو حتى أموال. وهو ما يعيشه العالم اليوم في العصر الاستهلاكي، الحرية لا تزور الجميع في وقت واحد، بينما يستمتع بها الناس في مكان هم يحرمون آخرين منها وغالباً بدون علمهم. يربط زيغمنت باومان مفهوم الحرية بنوع معين من المجتمع: “إنّ الدراسات الأنثروبولوجية والتاريخية أوجدت الدليل على أنّ هذا الفرد منّا الحرّ طبيعيا ما هو بالأحرى إلّا نوع نادر وظاهرة محلية، وكانت كلّ سلسلة الظروف الخاصّة جدا ضرورية لتأتي به إلى الوجود، وهو بمقاومة هذه الظروف أيضا يستطيع البقاء حيا، فالفرد الحرّ أبعد من أن يكون حالة عالمية أو حالة كلّية للنوع الإنساني، إنّه يكون خلقا اجتماعيا وتاريخيا. فهذه الجملة الأخيرة يمكن اعتبارها الموضوع الرئيسي في هذا الكتاب.
ويكون الهدف أو الغرض من هذا الكتاب الردّ على حديث غريب مشهور يرى أنّ حرية الفرد (هي شيء ما نحن نسلّم به أو نفترضه بشكل طبيعي باعتبارها الصفة التي يمكن أن تكون عبثا أو لعبا، ولكنّها موجودة دائما) كشيء محيّر ظاهر يجب تفسيره وشرحه من أجل أن يكون مفهوما.
وتكون رسالة هذا الكتاب هي أنّ حرية الفرد لا يمكن أن تكون افتراضا مسلّما به ولا يجب، فقد توجد (وقد تختفي) مع نوع معين من المجتمع”. كما يوضح أنّها علاقة اجتماعية: “نحن نرى وجود الحرية أيضا كعلاقة اجتماعية بدلا من أن تكون خاصية أو صفة مميزة يمتلكها الفرد نفسه فهي صفة وثيقة الصلة بالاختلاف المؤكد بين الأفراد، ذلك الاختلاف الذي يصنع معنى التعارض أيضا بالنسبة إلى بعض الشروط أو الأوضاع الأخرى في الماضي والحاضر.
ونحن نرى أنّ وجود الأفراد الأحرار يشير إلى اختلاف الأوضاع داخل مجتمع معيّن، وإنّه أكثر من ذلك يؤدّي دورا في تثبيت أو استقرار ذلك الاختلاف ويعيد إنتاجه”. كما يضيف أنّها وضع إنساني عام: “نحن نرى أنّ الحرية التي انتشرت بصورة كافية باعتبارها وضعا إنسانيا عاما أو عالميا إنّما هي شيء جديد نسبيا في تاريخ النوع الإنساني، شيء جديد يرتبط بإحكام بمجيء الحداثة والرأسمالية.
ونحن نرى أيضا أنّ الحرية يمكن أن تصنع هذا الزعم بالعالمية لحظة أن اكتسبت فقط معنى خاصا مرتبطا ارتباطا لا ينفصم بشروط أو أوضاع الحياة في المجتمع الرأسمالي الذي يعتبر مضمونه الحديث خصوصا في قدرة المرء على أن يكون سيد مصيره، وذلك يرتبط بشكل مولده بالنسبة إلى أولئك الذين هم منشغلون من قبل بصناعة النظام الاجتماعي، الذي كان الصفة المميزة جدا للعصور الحديثة”.
وأخيرا هي شرط ضروري للتكامل الاجتماعي: “نحن نرى الحرية في مجتمعنا شرطا ضروريا لأجل التكامل الاجتماعي يتزامن وإعادة الإنتاج المنظم، أنّها شرط يُعاد إنتاجه بشكل مستمر بطريقة المجتمع المتكامل ونظام العمل، هذه المركزية للحرية الفردية رباط يجمع معا حياة الفرد والعالم والمجتمع، ويصل النظام الاجتماعي بالتغيّر الحديث للحرية بعيدا عن مجال الإنتاج والقوة إلى مجال الاستهلاك، ففي مجتمعنا وجدت الحرية الفردية باعتبارها أولا، وفي المقام الأوّل حرية المستهلك، إنّها تتعلّق بوجود السوق الفعّالة، وتؤكّد تباعا شرط مثل هذا الوجود للسوق الفعّالة”.
شهرزاد ترحل إلى الغرب
تتخذ الكاتبة وعالمة الاجتماع المغربية فاطمة المرنيسي في كتابها “شهرزاد ترحل إلى الغرب” خطوة جريئة لتحليل ظاهرة الحريم ليس من وجهة تراثية عربية إسلامية، لكنها توسّع المفهوم انطلاقا من شخصية شهرزاد وألف ليلة وليلة إلى استحضار نظرة الغرب وتمثله لصورة المرأة من زاويتين شرقية وغربية.
تبدأ في كتابها بملاحظة عابرة في حوارات من صحفيين غربيين: “يمكن أن نقسّم الصحافيين الغربيين إلى فئتين: الأمريكيين من جهة، والأوروبيين من جهة أخرى. حين ينطق الأمريكيون لفظة “الحريم” يبدون ابتسامة تعبّر بصراحة عن حرجهم، وأيا كان المعنى الذي يضفونه على الكلمة، يبدو بديهيا أنّها تحيلهم على شيء ما باعث على الخجل. أمّا الأوروبيون فيعبّرون من خلال ابتساماتهم عن مشاعر أرحب، تتراوح بين الحرج المهذب والمرح المبالغ فيه.
يرتبط هذا التفاوت الواضح بالمسافة التي تفصل هؤلاء وأولئك عن ضفتي البحر الأبيض المتوسط، ذلك أنّ ابتسامات الفرنسيين والإسبان والإيطاليين الذين ينتمون إلى الجنوب، تكتسي الطابع المرح المعروف لدى أهل البحر الأبيض المتوسط. أمّا الإسكندنافيون والألمان المنحدرون من الشمال، فيبدون مشدوهين ومصدومين بشكل أو بآخر: “لقد ولدتِ حقا في حريم؟” ذلك ما كانوا يرددونه وهم ينظرون إليّ بمزيج من الاندهاش والقلق.
وانتهت في استنتاجها إلى تقديم صورة مغايرة للقراءة السائدة في المدارس الاستشراقية حول مفهوم الحريم بنظرة ناقدة تقوم على تحليل الظاهرة في سياقها الاجتماعي التاريخي والثقافي: “لقد بدأتُ كتابي “نساء على أجنحة الحلم” بقولي: “ولدتُ في حريم بفاس، المدينة المغربية التي تعود إلى القرن التاسع”.
ويبدو أنّ ما قلته يطرح مشكلا غامضا لا أدري كنهه، والواقع أنّ كلّ الصحافيين الذين استجوبوني كانت بداية حديثهم بنفس السؤال الذي أصبح صيغة اعتيادية “وإذن، لقد ولدتِ حقا في حريم؟” كنتُ أدرك من خلال النظرة الحادة التي تواكب الكلمات بأنّه يتحتّم عليّ أن أراوغ أو أتفادى الموضوع الذي يُخفي سرا باعثا على الحرج أيا كانت الأحوال وأيا كان السبب.
إلّا أنّ الحريم يُحيل لديّ على العائلة قبل كلّ شيء، ولن يخطر ببالي قط أن أربطه بشيء مبهج، خاصة وأنّ أصل الكلمة يعود إلى “الحرام” أي الممنوع. والحرام في كلّ الثقافات يحيل بشدة على العقاب إلى حد يجعلنا لا تربط البتة بينه وبين الفرحة. إنّه يتموضع في الحدود الخطيرة حيث يتواجه القانون والرغبة الإنسانية.
إنّ الحرام هو ما يمنعه القانون، وعكسه هو الحلال أي ما هو مسموح به. إنّ المرح الغريب الذي تثيره لفظة الحريم في الغربيين يدعو إلى احتمال خلاف كبير بين نظرتهم إلى الحريم ونظرتنا إليه. من البديهي أنّ “الحريم” قد فقد طابعه الخطير حين انتقل إلى الغرب. وإلّا كيف أمكنهم أن يضحكوا كلما جرت هذه الكلمة على أفواههم؟ من الواضح أنّهم لا يتصورون القيود التي يفرضها الحريم على الفرد رجلا كان أو امرأة في ثقافتنا، والضغوط التي يخضع لها فيه”.












