
محمد اليوبي
علمت «الأخبار»، من مصادرها، أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات أحدث رجة داخل الوكالة الوطنية للمياه والغابات، بعدما كشف تبديد أموال عمومية في صفقات اقتناء الشتائل الغابوية، التي يستحوذ عليها مقاول معروف يشغل منصب عضو بالمجلس الإداري للوكالة. وسجل التقرير ضياع ما يقارب 43,74 مليون شتلة غابوية، خلال الفترة ما بين سنتي 2014 و2023، كلف إنتاجها 92,44 مليون درهم.
مفارقات ونتائج مقلقة
أكدت مصادر من الوكالة أن المعطيات الصادمة الواردة بالتقرير لم تكن مفاجئة للأطر الغابوية، لأن ارهاصات الفشل كانت بادية للعيان منذ بداية إعداد «استراتيجية غابات المغرب 2030»، وهو ما يؤكده تسجيل نتائج عكسية وكارثية على الثروة الغابوية، إذ إن تنزيلها لم يمكن حتى من الحفاظ على النتائج السابقة التي تحققت في سنوات ما قبل 2020، في عهد المندوبية السامية للمياه والغابات.
وأوضحت المصادر أنه، بخصوص عمليات إعادة تأهيل النظم الغابوية، سجل التقرير نتائج جد مقلقة في حصيلة عمليات التشجير حيث تراجع معدل الإنجاز من 92 بالمائة سنة 2014 إلى 41 بالمائة سنة 2024 أي بنسبة عجز 51 بالمائة.
وفي مفارقة عجيبة، تضيف المصادر، ارتفعت الميزانية المخصصة لتأهيل النظم الغابوية من 80 مليارا إلى 122 مليار سنتيم، أي بزيادة مالية تناهز 42 مليارا. وأضافت المصادر أنه تم رفع ميزانية التشجير بنسبة 52 بالمائة لتحقيق إخفاق وفشل بلغ 51 بالمائة، وهو ما يستدعي فتح تحقيق جدي حول احتمال وجود «فراقشية» يستفيدون من أموال الصفقات التي تفوتها الوكالة الوطنية للمياه والغابات سنويا. وفي هذا الصدد، أشار التقرير أيضا إلى أن تنزيل الاستراتيجية لم يكن له أثر ملموس على مستوى تخليف الغابات، حيث استقرت نسبة الإنجاز بين 32 و33 بالمائة.
وأفادت المصادر بأن محور إنتاج الشتائل الغابوية يعتبر من بين أوجه تبديد المال العام داخل الوكالة، فقد أشار التقرير إلى أن 22 بالمائة من إنتاج الشتائل بين سنتي 2014 و2023 (ما يعادل 43,74 مليون شتلة) لم يتم استعمالها. وخلص التقرير إلى أنه بين سنتي 2021 و2023 لم يتم استعمال 19,23 مليون شتلة (أي بمعدل 6,41 ملايين شتلة سنويا) وهو ما يعني عمليا أنه في الفترة ما بين 2014 و2020 لم يتم استعمال 24,51 مليون شتلة (أي بمعدل 3,50 ملايين شتلة سنويا). أما من حيث القيمة المالية، حسب التقرير، فقد بلغت قيمة الشتائل غير المستعملة بين سنتي 2021 و2023، ما مجموعه 50 مليون درهم (16,67 مليون درهم سنويا)، في حين بلغت القيمة المالية ما بين سنتي 2014 و2020، ما مجموعه 42,44 مليون درهم (6,06 ملايين درهم سنويا).
وبمقارنة هاته النتائج يتبين أن تنزيل استراتيجية غابات المغرب كان له أثر عكسي، حيث ارتفع عدد الشتائل غير المستعملة سنويا إلى الضعف مخلفا ارتفاعا في الموارد المالية المهدورة وصل إلى ضعفين ونصف، حيث انتقلت من قرابة 6 ملايين درهم سنويا في عهد المندوب السامي السابق، عبد العظيم الحافي، إلى قرابة 16 مليون درهم سنويا في عهد المدير العام للوكالة، عبد الرحيم الهومي، كما ارتفع ثمن الشتائل غير المستعملة بعد إحداث الوكالة بنسبة 51 بالمائة، حيث انتقل من 1,73 درهم للشتلة إلى 2,60 درهم للشتلة.
وتحدثت المصادر عن غياب رؤية شاملة ومتكاملة تغطي جميع مراحل التشجير والتخليف. وأشار التقرير إلى أن الإجراءات المتخذة من طرف الوكالة تظل «مجزأة ولا تدخل ضمن رؤية شاملة ومتكاملة تغطي جميع المراحل الأساسية للتشجير والتخليف».
وحسب المصادر، فإن هاته الملاحظة تضرب في العمق كيفية إعداد استراتيجية غابات المغرب التي تبنت المقاربة التشاركية كمحور استراتيجي، ولكن المعطيات في الواقع تؤكد بالملموس بأن إعداد الاستراتيجية افتقر إلى مقاربة تشاركية تسمح بإعداد تصور شمولي ومندمج، كما أن النتائج الكارثية التي حققتها الوكالة في حصيلتها النصف مرحلية تدفع إلى التساؤل حول قدرة قائد سفينة المياه والغابات في تنزيل محاور الاستراتيجية من خلال التأطير والتوجيه والقيادة الاستراتيجية.
وأشارت المصادر إلى وجود ضعف التنسيق بين قطاع المياه والغابات والفلاحة والداخلية في مجال الرعي الغابوي. وفي هذا الصدد، سجل التقرير عدم تطبيق النصوص التنظيمية والقانونية التي تنظم الرعي الغابوي منذ 1921.
وأوضحت المصادر أن استراتيجية غابات المغرب لم تأخذ هاته الإشكالية في مقاربتها لمشكل الرعي الجائر، وهو ما أدى إلى عدم إدراج أي محور خاص بتدبير إشكالية الرعي الجائر، باستثناء الرفع من منحة المقاصة من 250 إلى 1000 درهم عن كل هكتار في السنة، والتي تهدف بالأساس إلى حماية محيطات التشجير ولا علاقة لها بتدبير الرعي الغابوي كإشكالية.
ومن بين الإشكالات المطروحة، تصيف المصادر، عدم تفعيل استراتيجية الرعي الغابوي الصادرة سنة 2016، من خلال القانون رقم 113.13 المتعلق بالترحال الرعوي وتهيئة وتدبير المجالات الرعوية والمراعي الغابوية، وبقي هذا القانون بدون تطبيق منذ أكثر من تسع سنوات على صدوره. وتساءلت المصادر عن كيفية تنزيل هذا القانون، الذي يتضمن مقتضيات جد معقدة، في حين لم تستطيع الوكالة حتى إقناع جميع المتدخلين لتطبيق النصوص التنظيمية والقانونية التي تنظم الرعي الغابوي منذ سنة 1921 الناجعة والتي تبقى بسيطة وعادية مقارنة بالقانون 113.13.
غياب الحكامة
من بين الاختلالات، التي تعرفها الوكالة، غياب حكامة النظم الغابوية. وأكدت المصادر أن الأمر لا يتعلق بوجود الإطار القانوني من عدمه، بل يتعلق أساسا بوجود إرادة ووعي جماعي مجتمعي للحفاظ على النظم وتأهيليها. وأوضحت المصادر أن النصوص القانونية والتنظيمية الحالية فيها ما يكفي من المقتضيات الكفيلة بذلك دونما الحاجة إلى تعديلها ولكن لم يتم استثمارها على الوجه الأمثل.
وأبرزت المصادر ذاتها أن الإشكال الحقيقي يكمن في ضعف القيادة الاستراتيجية التي فشلت في الدفع بجميع المتدخلين إلى تفعيل القوانين الحالية، وتبقى النقائص، التي سجلها التقرير في هذا الباب، خير دليل على ذلك، إذ كيف يمكن للوكالة، التي فشلت في الدفع باتجاه تفعيل هيئتين (المجلس الوطني والمجالس الإقليمية للغابات) منصوص عليهما في قانون 1976، أن تتمكن من تفعيل عمل خمس هيئات (المجلس الوطني، المجالس الجهوية، المجالس الإقليمية، المجالس الجماعية وهيئات التنمية الغابوية) حتى ولو نص عليها قانون؟ وترى المصادر أن التحجج بإصدار قوانين جديدة إنما هو ذريعة لإخفاء عجز القيادة الاستراتيجية الحالية في أن تكون في مستوى تطلعات عاهل البلاد وربما أيضا فرصة لإفراغ النصوص الحالية من القوة التشريعية التي وضعها المشرع فيها.




