عندما طلبت الجامعة العربية من المغرب استضافة ندوة حوار عربي يهودي لمواجهة إسرائيل

يونس جنوحي
من «الغرائبيات»، التي عاشها السفير محمد التازي خلال مساره الدبلوماسي الحافل، ما خطط له الرئيس السوري حافظ الأسد، سنة 1982، لطرد المغرب من الجامعة العربية وتجميد عضويته. حاول
الأسد اللعب على ورقة اليهود المغاربة، مستغلا التوتر العربي- الإسرائيلي، وقتها، وخلط الأوراق للتشويش على المغرب.
بدأت القصة عندما التقى السفير التازي مع المستشار النمساوي «كرايسكي»، الذي اقترح على السفراء العرب في تونس، وعلى الأمين العام للجامعة العربية، حيث كان محمد التازي يشغل منصب نائب عميد السلك الدبلوماسي العربي، وأيضا عضوا دائما في الأمانة العامة للجامعة، العمل على تكسير الهوة بين العرب واليهود المعتدلين، المعارضين لسياسة إسرائيل.
لكن ما وقع أن سوريا حاولت استغلال الموضوع سياسيا لضرب المغرب، خصوصا وأن حافظ الأسد لم يكن يخفي، وقتها، مساندته للجزائر وليبيا في موقفهما من قضية الصحراء المغربية.
هنا يحكي التازي ما وقع:
«في عام 1982 زار تونس المستشار النمساوي «كرايسكي»، وخلال زيارته عقد اجتماعا مع السفراء العرب، وحدثنا حديثا عاما عن أزمة الشرق الأوسط، وهو يرى أن العرب مقصرون في قضيتهم، ولا يعالجونها إلا على المستويات الرسمية، متجاهلين الدور الذي يمكن أن تقوم به الهيئات غير الرسمية للتأثير على صانعي القرار، كما يفعل الإسرائيليون، مشيرا إلى أن الجمعيات اليهودية الأمريكية فيها تيارات معتدلة سلمت من الابتزاز الإسرائيلي، وأن على العرب أن يحاولوا إقناعها بعدالة قضيتهم، وألا يتحرجوا من الاتصال بهذه الجمعيات، وخاصة برئيس المجلس اليهودي العالمي السيد «برايان هوفمان». وكنت نائبا لعميد السلك الدبلوماسي العربي، فشكرت المستشار «كرايسكي» على عواطفه نحو القضية الفلسطينية بصفة خاصة، وأذكر أني قلت له حين تنضج الثمرة ستجد من يتولى قطفها.
وكنت حريصا على أن يعلم صاحب الجلالة بهذا اللقاء، وبعده بشهور، وبالتحديد في 18- 12- 1983، اجتمع الأمين العام للجامعة العربية في فيينا بالمستشار النمساوي وطرح عليه فكرة عقد ندوة في إحدى العواصم العربية، تبحث إمكانية تنظيم حوار عربي – يهودي (وليس حوارا عربيا- إسرائيليا) والهدف هو خلق مناخ سياسي ونفسي يسمح بتذليل العقبات أمام جهود السلام، وخاصة على الساحة الأمريكية، وفي أوساط اليهود في العالم.
وبتاريخ 14- 03- 1983 دعاني الأمين العام للجامعة العربية لمقابلته، وأبلغني ما دار بينه والمستشار النمساوي وطرحه فكرة عقد حوار عربي – يهودي في إحدى العواصم العربية، ويرى الأمين العام أن الفكرة مفيدة جدا للتعريف بالمواقف العربية ومحاولة كسب اليهود المعتدلين إلى الجانب العربي، فشاطرته الرأي لأن صراعنا ليس مع أشباح، والمصلحة العربية تقتضي منا أن لا تغفل أي جهة يمكن أن تستفيد منها، فتساءل الأمين العام هل يقبل جلالة الملك تبني هذه الفكرة، وعقد الندوة في المغرب.
فقلت له:
– إذا عرضت الفكرة على جلالته رسميا، فسيرى إذا كانت مفيدة والظروف مناسبة، فأتوقع أن يرحب بها.
واتفقنا على أن يبعث لي مذكرة رسمية بالاقتراح، وأن يبلغ الدول العربية بالموضوع وفي اليوم نفسه (14- 03- 1983) تلقيت من الأمانة العامة المذكرة رقم 3/1186 هذا نصها:
(تهدي الأمانة العامة لجامعة الدول العربية أطيب تحياتها إلى سعادة السفير المندوب الدائم للمملكة المغربية، وتتشرف بالإفادة بما يلي:
طرح المستشار كرايسكي، أثناء لقائه بالأمين العام في فيينا 28- 02- 1983 فكرة عقد ندوة في إحدى العواصم العربية تبحث إمكانية تنظيم «الحوار العربي- اليهودي» لا العربي- الإسرائيلي، والهدف من هذا، حسب رأيه، هو التمهيد لخلق مناخ سياسي ونفسي يسمح بتذليل العقبات القائمة أمام جهود السلام، وخاصة على الساحة الأمريكية، وفي أوساط اليهود في العالم.
ويقترح المستشار النمساوي أن تبادر إحدى الدول العربية إلى احتضان هذه الندوة التي تدعى لها القيادات اليهودية التي لها تأثير مباشر على الأحداث في الولايات المتحدة، وفي أوروبا الغربية، وهو يعتقد أن الوقت ملائم لإقامة مثل هذه الندوة لكي تكون ضربة حاسمة لسياسة إسرائيل المتطرفة، وتشكل قوة ضاغطة من الرأي العام العالمي، واليهودي بالخصوص، لدفع جهود السلام والتأثير في الموقف الأمريكي، وإحكام العزلة على السياسة الإسرائيلية المتعنتة.
ونظرا لنتائج هذه الندوة الإيجابية بالنسبة للقضية الفلسطينية وقضية السلام بشكل عام في الشرق الأوسط، فقد يكون من المفيد أن تفكر المملكة المغربية في هذا المقترح الصادر عن صديق للقضية العربية وأن تنظر في إمكانية احتضان هذه الندوة في المغرب لما للمملكة من إشعاع على الساحة الدولية)».
بعد هذه الرسالة، تطورت الأمور، للتحول من محاولة لفتح باب الحوار مع المعتدلين اليهود والعمل على التعريف بالقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، إلى تعميق للأزمة العربية.





