
يونس جنوحي
لم يكن «سفيرنا» محمد الغساني عارفا بالجغرافيا.. بدا في مخطوطه أنه يتبع برنامج الرحلة بحذافيره، ويُبدي ملاحظات المستكشف الذي يدخل بلدانا لأول مرة.. بعكس سفراء مغاربة آخرين في عهده كانوا على دراية بأجواء البحر وطبيعة البلدان.
كان الغساني ينتمي إلى أغلبية رجال المخزن الذين لم يكونوا غادروا البلاد إلا في إطار سفارات كلفهم بها السلطان.
عندما كان الغساني بصدد التوغل في التراب الإسباني، وصله خبر فتح العثمانيين لإحدى المدن، وأبدى فرحا عارما في حضرة مُضيفيه الإسبان.. وهو ما يترجم طبيعة شخصية الوزير الذي كان ينظر إلى الإسبان، حتى وهو في عقر دارهم، على أنهم «كفار» و«قوم غُزاة».. إلا أنه، أيضا، لم يفرط في الكياسة التي تتطلبها مثل هذه المناسبات، والدليل أنه أبدى مرونة في التعامل مع مضيفيه من موظفي ملك إسبانيا وممثلي الحكومة أثناء الاستقبالات.
فقد وافق أن يركب البحر مرة أخرى، بعد مرور يومين فقط على وصوله إلى إسبانيا.. وتوجه صوب مدينة «سانتا مرية»، بعد رحلة قصيرة استمرت زُهاء ساعة واحدة فقط..
وجد المدينة كلها خرجت لاستقباله، إذ كتب في مخطوطه: «وقد أشرفنا على بر المدينة المذكورة، فوجدنا بها سرية من الخيل تنيف على المائة، وقد برزت لملاقاتنا، وأظهروا من الفرح والسرور ما أظهروا. وحين أرسينا على مدينة سانتا مرية، وجدنا بساحل بحرها خلقاً كثيراً من الرجال والنساء، وقد برز حاكمها وقاضيها للملاقاة، وحين التقينا بهما عملا من الصواب وحسن الملاقاة ما لا ينكر لهما».
واصل الغساني رحلته بعد حفاوة وترحيب، وبدا واضحا أنه كان يتحسر على آثار المسلمين في الأندلس.. البلاد التي غادرها أجداده، ولم يكن وقتها، في القرن 17، اندمل جرح تهجير الأندلسيين ورحيلهم صوب المغرب.
كان الغساني يسجل ملاحظات، من بينها أن الإسبان لم يكونوا ليسكنوا دارا نزل بها ملك من قبل، وكتب أنهم كانوا يحتفظون بها على حالها. وسجل أن حكومة الملك «كارلوس الثاني» لم تكن تولي اهتماما كبيرا لأسوار المدن، باستثناء المدن الساحلية.
ورغم افتتان الغساني بجغرافيا إسبانيا، وطبيعتها وفلاحتها، إلا أن الترقب كان باديا «بين السطور»، في انتظار أن يصل إلى مدريد ويحظى باستقبال الملك.
يقول في وصف المحطة اللاحقة في رحلته، بعد سانتا كروز، وهي أول مدينة يصلها برّا:
«.. ومدينة اطريرة هذه هي مدينة بين الصغر والكبر، وجل أهلها من بقايا الأندلس، فوصلناها عشية اليوم، فوجدنا جميع أهلها وقد برزوا لنا للاستسقاء، وهم، على عدد نسماتهم، قد رفع كل واحد منهم صليباً على كتفه، فلقونا على تلك الحالة حيث لم يمكنهم التخلف، فنزلنا بالمدينة داراً كبيرة مشرفة على جلَّ المدينة. وبعد أن طرحوا صلبانهم وردوا، أيضاً، للسلام علينا، وهم في البشاشة والفرح بمكان، وأهلها ذواتٌ عظامٌ، والغالب عليهم الحسن رجالاً ونساء، ولقد شاهدنا ابنتين: بنت حاكم البلد، والأخرى بنت القاضي، في غاية الحسن والجمال والكمال، لم تر عيناي، في جميع ما رأيت من بلاد إسبانيا على سعتها، أجمل منهما، وهما من بنات الأندلس، ومن دم ملك غرناطة الأخير، الذي كان غلب عليها، وهو الملك المعروف أبو عبد الله الصغير..».
هل كان الإسبان يرمون إلى إذلال السفير قبل وصوله إلى مدريد؟ أم أن هذه المشاهد كلها صدفة؟
لا بد أن الترتيب لهذه المشاهدات كان متعمدا، خصوصا وأن سكان المدينة خرجوا يحملون الصلبان، ويعرفون ماضي السفير الغساني وأصوله، ومدى ارتباطه بقضية الأندلسيين وإهانات محاكم التفتيش التي تعرض لها المسلمون قبل مغادرة الأندلس..
وإلا لما سجل الغساني هذه الملاحظة في مذكراته.. إذ لمس نوعا من الغرابة في السلوك الذي أقدم عليه سكان المدينة، وبدا مفروضا عليهم..
المُلاحظ، أيضا، أن الغساني احتفظ بمنسوب عال من المعنويات المرتفعة.. لقد كان متفائلا بشأن مهمته.. وكتب في مشاهداته عن اعتزاز مغربي خالص بما كان يشاهده من بقايا آثار المسلمين في بلاد الأندلس.
نظم أهالي المدينة أمسية طربية على شرف الوزير المغربي، وأحضروا فرقة خاصة تعزف في الكنائس، لتؤدي ترانيم في حضرة السفير الغساني..
كان البُعد الديني حاضرا عند الذين وضعوا برنامج رحلة السفير الغساني.. إلا أنه رغم وصف ملكهم في مخطوطه بـ«الطاغية»، أبان عن تسامح كبير وتفهم لمعتقدات النصارى، ووصف بعض مشاهد الاحتفاء به بـ«اعتقاداتهم الفاسدة وضلالهم..».. إلا أنه لم يقدم على أي سلوك من شأنه أن يُفهم على أنه رفض لتلك الطقوس..
عندما غادر الغساني المدينة، متجها صوب محطة أخرى في مساره إلى مدريد، مر عبر قنطرة تربط ضفتي واد عظيم، كان مسرحا لمعركة «الزلاقة» الشهيرة، وكان قد بناها المسلمون، وبقيت شاهدة على مدى رقي الحضارة الإسلامية وبراعة حرفيي الأندلس ومهندسيها في ذلك الوقت.. ومرة أخرى لم يكن مرور سفيرنا عبر تلك القنطرة صدفة. لقد كان الإسبان يُعدونه لملاقاة الملك في مدريد..





